أصبحت دبي منذ نهاية الخمسينيات إمارة تفخر بأنها قد أصبحت تملك ما لا تملكه مدن الخليج الأخرى: بنية تحتية متطورة ومركزا تجاريا قادرا على جذب تجارة منطقة الخليج بأسرها.

فقد تطورت الخدمات العامة في دبي تطوراً كبيراً. وقد رافق تطور الخدمات العامة في دبي منذ عقد الخمسينيات وخلال فترة الستينيات ازدياد النسبة السكانية وارتفاع في حركة التنمية والعمران، وكنتيجة حتمية لذلك حدثت زيادة في أسعار الأراضي خاصة تلك القريبة من مركز المدينة.

ومن مركز الخدمات الأساسية. ففي تقرير للمقيم السياسي في الخليج في نهاية الخمسينيات يذكر أن أسعار الأراضي في دبي قد ارتفعت في حوالي سنتين أو ثلاث إلى حوالي 300% مما يدل على أن حركة التنمية في هذه الإمارة الصغيرة كانت تسير في مسارها الصحيح أو ربما أكثر من ذلك، خاصة عندما تضمنت المشاريع الجديدة خدمات أساسية مثل خدمات الماء والكهرباء وخدمات الصرف الصحي.

وقد أدى زيادة الطلب على الأراضي ليس فقط في زيادة أسعارها ولكن في الحاجة إلى إيجاد هيئة للأراضي أو ما يعرف محليا بهيئة «الطابو» وذلك للإشراف على تسجيل الأراضي. لذلك أنشئت هذه الهيئة وكانت مهمتها تسجيل الأراضي المشتراة والمباعة في أوراق رسمية.

وعلى الرغم من تطور البنية التحتية في دبي إلا أن مشكلة توفير موارد مالية ثابتة ظلت مشكلة عويصة. فلم يكن دخل دبي في فترة الستينيات يكفي لتحويل كل تلك المشاريع التي كانت الإمارة تحلم بها إلى حقيقة واقعة.

كما أن الإمارة قد تحولت فعلا إلى مركز تجاري لمنطقة الخليج بأسره الأمر الذي يتطلب بنية تحتية متميزة لم تكن موارد الإمارة آنذاك قادرة على توفيرها. وعلى الرغم من هذه المشكلة إلا أن أحلام الإمارة ظلت متوهجة تنظر الوقت المناسب لتتحول إلى حقيقة قائمة.

كانت ميزانية دبي حتى تلك الفترة ما زالت تأتي من الضرائب الحكومية على التجارة بالإضافة إلى الهبات ومساعدات الجالية التجارية.

فلم يكن هناك ما يسمي ميزانية ثابتة يتم الإنفاق منها على المشاريع المقترحة، وإنما كلما ظهرت الحاجة إلى مشروع وتم توفير المال اللازم له تم تنفيذه. لم يكن هذا الأسلوب هو الأسلوب الأمثل ولكن نظرا لغياب الأموال اللازمة تم أتباع هذا الأسلوب مؤقتا.

الحكومة البريطانية تتدخل خوفا من تنامي نفوذ الجامعة العربية كانت الحكومة البريطانية تراقب نجاحات دبي عن كثب وعلى الرغم من الضغوط الدولية على الدول المستعمرة آنذاك لتحسين أحوال المناطق التي تخضع لها (بناء على اتفاق لجنة برتون وود والذي تبنته الأمم المتحدة) إلا أن بريطانيا عملت القليل لتحسين أحوال الساحل المتصالح بأسره.

وما عدا دبي التي كانت تشهد نموا اقتصاديا فإن الإمارات الأخرى كانت تعاني من الكثير من المشاكل التي كانت تحتاج لحل سريع. من هذه المشاكل كانت الأمية والتخلف بالإضافة إلى الأمراض والتي كان أبسطها يحصد سنويا آلاف الأرواح.

في عام 1964 قامت الجامعة العربية بإرسال مبعوث لها إلى المنطقة لتفقد أحوالها في محاولة لمساعدتها ورفع العناء عنها عن طريق إنشاء بعض المشاريع التنموية والتعليمية. لم ترحب الحكومة البريطانية بهذا التقارب العربي.

والذي رأت فيه تدخلا في شؤون المنطقة ومحاولة بث الروح الثورية فيها لتشجيعها على التمرد على بريطانيا. وفي محاولة منها لوقف نفوذ الجامعة العربية وعدم إعطاء الذريعة للدول العربية في التدخل في شؤون الساحل المتصالح، الذي اعتبرته بريطانيا حكرا عليها، قامت في العام 1965 بإنشاء ما عرف بصندوق التطوير أو مكتب التطوير.

* إنشاء مكتب التطوير

كان إنشاء مكتب التطوير في منتصف عقد الستنات بداية لمرحلة جديدة في تاريخ دبي وتاريخ الإمارات بأسرها. لم تكن أهمية الصندوق تكمن في المشاريع البسيطة التي قام بها .

ولكن في الإحساس العام بأن هذا الصندوق كان يلعب دورا سياسيا في جمع شمل الإمارات تحت راية واحدة وفي الدور القيادي الذي قام به هذا الصندوق منذ العام 1966 عندما تسلم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الحكم في إمارة أبوظبي.

كانت بريطانيا قد خصصت مبلغا متواضعا هو 400 ألف جنيه استرلينى للصرف على أوجه الإنفاق في الإمارات كافة. ولم يكن هذا المبلغ كافيا فقامت كل من قطر والبحرين في البداية بالمساهمة في الميزانية العامة للصندوق والذي كان تحت الإدارة البريطانية. وكانت مهمته في البداية هي تمويل الخدمات الأساسية كالتعليم الفني والصحة والزراعة.

وكانت المدرسة الصناعية في دبي ( والواقعة في ديره قريبا من جسر المكتوم) والمدرسة التجارية من المشاريع التي أنجزها الصندوق. كما كانت من ضمن إنجازاته ذلك الطريق المرصوف بين دبي ورأس الخيمة، وعمليات المسح للتنقيب عن المياه في جميع أنحاء الإمارات. كما خطط لإمداد عواصم الإمارات بالماء والكهرباء.

لم يكن صندوق التطوير، على الرغم من أهميته، قادرا على الإيفاء بجميع احتياجات دبي أو الإمارات الأخرى. ولكن منذ أن تسلم الشيخ زايد مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي فقد ازدادت مساهمات أبوظبي في ميزانية الصندوق لترتفع إلى أكثر من مليون جنيه سنويا الأمر الذي ساهم في الإنفاق على مشروعات إضافية.

* إنشاء غرفة التجارة

كان عام 1965 حاسما فيما يخص البنية التحتية لدبي. فقد شهدت دبي في ذلك العام إنشاء أول غرفة للتجارة في دبي لتكون بذلك أول غرفة تجارية في الإمارات كافة.

وقد كان للغرفة دور مهم في الارتقاء بالتجارة المتنامية بين دبي والعالم الخارجي. كما اختير أعضاؤها من المجتمع التجاري المدرك لعملية الارتقاء بدبي لمصاف المدن المتقدمة.

في الاستعراض التاريخي والاقتصادي الذي سبق عرضه تعرفنا على ملامح دبي في فترة الخمسينيات ومعظم عقد الستينيات أي قبل اكتشاف البترول والذي سوف يكون اكتشافه وتصديره عاملا حاسما في نهضة دبي الحديثة والمعاصرة. كما تعرفنا من خلال العرض السابق على الوضع الإقليمي والعالمي وتأثيره على دبي. فقد كانت دبي مهيأة منذ بدايات القرن العشرين لتلعب دورا مهما على الرغم من ضعف مواردها الاقتصادية.

وقد فرض عليها هذا الدور نظاما معينا للحياة الاقتصادية والاجتماعية مغايرا لما عرفته الإمارات الأخرى. فنظراً لمركز دبي التجاري فقد انتقلت للعمل والعيش فيه العديد من الأجناس والأعراق الأمر الذي جعل من مجتمع دبي مجتمعاً مختلطاً وعالمياً.

كما كانت تركيبته الاقتصادية مختلفة تماما عن التركيبة الاقتصادية لمدن الخليج الأخرى. فلم يعتمد اقتصاد دبي على إنتاج أو تصدير سلعة واحدة وإنما عرف الاقتصاد المتعدد الوجهات.

دفعت تلك التغيرات الاجتماعية والاقتصادية دبي إلى التفكير في تأسيس بنية تحتية حديثة منذ زمن طويل وإلى اتباع سبل الإدارة العصرية والي تبني إصلاحات الهدف منها الارتقاء بالنظامين الاقتصادي والإداري في الإمارة. ولم يكن تاريخ دبي دوما حافلا بالنجاحات والنشاط الاقتصادي.

فقد عرفت دبي أوقاتاً عصيبة خاصة في فترة الكساد العالمي الكبير والذي أثر على تجارة اللؤلؤ وعلى أحوال المجتمع التجاري،الذي كان يعتبر قلب دبي النابض، وبالتالي على مساهماته في حركة التنمية في الإمارة. كما عرفت دبي أوقاتاً أخرى عصيبة أخرى في أيام الحرب العالمية الثانية .

والتي رمت بظلالها الثقيلة على جميع مناحي الحياة في الإمارة. ولكن هذه الظروف لم تؤثر يوما على خطط الإمارة ولا على طموحاتها في الوصول للعالمية وهو الأمر الذي يؤكد تلك العقلية التجارية المتفتحة والمدركة لعملية الربح والخسارة حتى في أدق الأمور.

ترصدها: د. فاطمة الصايغ