زارت دبي صديقة لي مع عائلتها الماليزية، وتطوعت لاصطحابهم في جولة سياحية في أرجاء المدينة، ووقع الاختيار على زيارة معلمين تراثيين وهما قريتا التراث والغوص، وخلال التجول تحمست العائلة لشراء الهدايا التذكارية، وتم اختيار الجمل كرمز من رموز الصحراء العربية وفي أثناء تقليبهم له تبين انه صنع في تايوان!
ولم تتحمس العائلة لابتياعه، وبدأت التنقيب عن هدايا أخرى، وكانت المفاجأة أنها كلها صناعة أجنبية، فهذه صنعت في الصين، وهذا السيف صنع في الهند أو باكستان، وهكذا تحولت الجولة السياحية إلى طرفة للعائلة الماليزية. ما حدث استفزني، فذهبت إلى عبدالله حمدان بن دلموك مدير عام قريتي التراث والغوص بدبي لأحمل له سؤالي المحير لِمّ نستورد تراثنا من الخارج؟!وبدأ الرجل حواره معي وهو يقول: إذا رغب المرء بإهداء هدية تذكارية لشخص ما، فهل سيفكر في كونها محلية أو مستوردة؟ المهم اختيار الهدية الأفضل، وبصراحة نحن نأكل ونلبس ما لا ننتجه، وهذه الابتكارات الحديثة والصناعات التي نتبادلها ونتشاركها في تعاملاتنا اليومية ما هي إلا بضاعة مستوردة بدءاً من المأكل وانتهاءً بالملبس.
* هل ينطبق هذا على التراث؟
ـ إن صناعة التراث بأياد أجنبية مفخرة لنا فلا ضير ولا قصور في ذلك. ولقد صدف أن سافرت للولايات المتحدة وعثرت على تي شيرت كتب عليه صنع في الإمارات، إن الانفتاح الاقتصادي شمل الجميع والتراث أيضاً.
* عودة للجمل التايواني كيف يكون مفخرة؟
ـ قد يوافقني الرأي البعض أو يختلف معي وأقولها بصراحة هؤلاء الصناع الأجانب محترفين في الجودة والتسويق وتتوفر لديهم آليات وإمكانيات لصنع أية تحفة تراثية محلية. فلماذا نغضب من امتلاء الأسواق بتحف جميلة تباع داخل الدولة وخارجها ومصنوعة بشكل مرتب، وسأفرح كثيراً عندما يصنع الأجنبي تراثاً يخصنا فهذه ثقافة ستجد طريقها إلى الانتشار حتى ولو بين عمال المصانع.
* وكيف ذلك؟
ـ عمال المصانع يكونون ثقافة بحد ذاتها، ويتعرفون على تاريخنا من خلال التحفة التي يصنعونها، وعلى النقيض سأحتج وأغضب إذا ما صادفت رمزاً من رموزنا يهان ويصور بشكل يسيء لتراثنا وتاريخنا، ولهذا أوجدنا جهات مختصة تتعامل مع هذه النوعية من التجاوزات.
* لا خوف على الموروث
* ألا نخشى من ضياع الموروث وسط التجاوزات؟
ـ أرفض هذه الفكرة، إن تراثنا أصيل ومادامت الوصلة الاجتماعية «الحسية» موجودة داخل الإنسان الإماراتي فلا خوف على الموروث.
* وما الوصلة الاجتماعية؟
ـ المقصود بها محافظتنا على أدق عاداتنا وتقاليدنا ولو أنها تطورت بشكل ما، فهي تعيش بين جنباتنا وتنتقل عبر الموروثات والجينات، وعلى سبيل المثال ملابسنا التقليدية منذ القدم لم نصنع خامة الكندورة ولكنا نرتديها ونعتبرها لباساً وطنياً، وعندما نقرر بناء منزل جديد فأول ما نقرر تشييده هو بناء مجلس للرجال والنساء، أليس ذلك وصل اجتماعي تركه الأجداد والآباء وحافظ علية الأبناء.
* كيف ترى تأثير تراثنا على حياتنا؟
ـ نحن نمتلك تراثاً غنياً من الموروثات والأخلاق وإذا وصفنا البعض بكوننا بدو وأهل جمال وخيل، ببساطة فليتقدم من يستطع التعامل مع الخيل أو الجمل لمدة ساعة، إن هذه المعرفة والخبرة أوصلتنا للعالمية في المرابع الرياضية.
والحديث عن تأثير التراث على حياتنا يعتبر معيناً لا ينضب، وعلى مستوى المفردات لا نجد كلمة شكرا في مفرداتنا المحلية القديمة بل نجد ما هو أفضل منها: جزاك ( بقلب الجيم إلى ياء) الله خيراً، يا مرحباً وسهلاً، بيض الله وجهك، والغريب إن القهوة ارتبطت بالعرب والبدو وهي دخيلة، والعبرة إن كرامتنا وتراثنا في كفوفنا البيضاء لا في قهوتنا السوداء.
* صناعة التراث
تعقيباً على حوار عبدالله حمدان بن دلموك مدير عام قريتي التراث والغوص ومع تقديرنا لوجهة نظره وغيرته على تراثنا المحلي، لكن يظل التساؤل قائماً «لم نستورد تراثنا من الخارج»؟
لقد حققت الدولة انجازات ضخمة في مجالات عدة، وحكومتنا لا تتوانى عن دعم هذه الخطط الناجحة فما السبب؟
وفي دول خليجية مجاورة صناعة الإنسان بيديه تعتبر مفخرة، فهو يصيغ جواهره بيديه ويشكل خنجره بأنامله، ويقدمها بفخر للسائح الأجنبي قائلاً هذه صناعة محلية.أمن المستحيل قيام صناعة بأياد وطنية تحفظ هذا التراث الجميل وتبرزه في أفضل صورة!! وكما يقال حلاة الثوب رقعته منه وفيه.
كتبت فاطمة الشامسي

