للتأويل معان في اللغة كما في اصطلاح العلماء كل حسب الفن الذي ينسب إليه. وقد ساعد على هذه الكثرة في التعريفات ورود كلمة «تأويل» كثيراً في القرآن بحيث اجتهد المفسرون في الكشف عن مرادها وذلك بالنظر في سياقها في الآية. فما ورد في معناها:
في اللغة: ورد في لسان العرب تحت مادة (أول) ما نصه: «الأول الرجوع آل الشيء يؤول أولاً ومآلاً رجع. وآل إليه الشيء رجعه. وألت عن الشيء ارتدت. وفي الحديث: «من صام الدهر فلا صام ولا آل» أي لا رجع إلى خير والأول الرجوع. وأول الكلام تأوله دبره وقدره وأوله وتأوله فسره وقوله عز وجل:
«ولما يأتهم تأويله» أي لم يكن معهم علم تأويله. وفي حديث ابن عباس: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» وسئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن التأويل فقال: التأويل التفسير والمعنى واحد».
وفي القاموس: «آل إليه أولاً ومالاً رجع وعنه ارتد. ثم قال: وأول الكلام تأويلاً وتأوله دبره وقدره وفسره والتأويل عبارة الرؤيا».
وقيل التأويل مأخوذ من الإيالة وهي السياسة فكأن المؤول يسوس الكلام ويضعه في موضعه. قال الزمخشري في أساس البلاغة: «آل الرعية يؤولها إيالة حسنة وهو حسن الإيالة وائتالها وهو مؤتال لقومه مقتال عليهم أي سائس محتكم..».
ويذكر الفوطي البغدادي في معنى التأويل لغة بأنه على وزن تفعيل من آل الشيء إلى كذا يؤول أولاً إذا صار إليه وأولته تأويلاً إذا صيرته فسمي تأويل الكلام تأويلاً لأنه بيان ما يؤول معناه إليه ويستقر عليه.
ولقد عقد ابن قيم الجوزية فصلاً ممتعاً عن التأويل في كتابه «مختصر الصواعق المرسلة» منه قوله «التأويل تفعيل من آل يؤول إلى كذا إذا صار إليه فالتأويل هو التصيير وأولته تأويلاً إذا صيرته إليه. قال وتأول وهو مطاوع أولته».
ومن المعاني اللغوية للتأويل التفسير والبيان وعليه يخرج قوله تعالى: «فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله».
ويأتي بمعني العاقبة لأن الأمر يصير إليها وعليه قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً).
ويأتي بمعني حقيقة الشيء المخبر به وعليه قوله تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق) وكذلك قوله: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله).
ويرد بمعني التعبير في الرؤيا المنامية وعليه آيات كثيرة كذلك يأتي بمعني العلة الغائبة والحكمة المطلوبة بالفعل لأنها بيان لمقصود الفاعل وغرضه وعليه قوله تعالى (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً).
في الاصطلاح: اختلف السلف والخلف في المقصود من التأويل وذلك حسب اتجاه كل منهم فالسلف يعنون به أحد معنيين: التأويل ويقصد به مراد الكلام أي تفسيره وبيان معناه وهذا عند المفسرين والسلف من أهل الفقه والحديث سواء أوافق ظاهره أو خالفه فيكون التأويل والتفسير على هذا مترادفين. وهذا هو ما عناه مجاهد من قوله إن العلماء يعلمون تأويله يعني القرآن. ومنه قول ابن جرير وغيره: القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا.
ومنه قول الإمام أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية فيما تأولته من القرآن على غير تأويله فأبطل تلك التأويلات التي ذكرها وهو تفسيرها المراد بها وهو تأويلها عنده. فهذا التأويل يرجع إلى فهم المؤمن ويحصل في الذهن والأول يعود إلى وقوع حقيقته في الخارج.
وثاني المعنيين عند السلف هو نفس المراد بالكلام سواء كان طلباً أم خبراً. والطلب كما يروى عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن».
ويعني ذلك في قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً). أما الخبر فيكون تأويله نفس الشيء المخبر به وبين هذا المعنى والذي قبله فرق ظاهر. فالذي يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام كالتفسير والشرح والإيضاح ويكون وجود التأويل في القلب واللسان وله الوجود الذهني واللفظي والرسمي. وأما هذا فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج سواء أكانت ماضية أم مستقبلة.
فإذا قيل: طلعت الشمس فتأويل هذا هو نفس طلوعها وهذا في نظر ابن تيمية هو لغة القرآن التي نزل بها وعلى هذا فيمكن إرجاع كل ما جاء في القرآن من لفظ التأويل إلى هذا المعنى الثاني.