أنا مسرور جداً إذ سنحت لي الفرصة لكتابة هذه الرسالة إليكم «لأسجل إعجابي بمجلتكم الغراء التي أخذت تثب إلى العلا بخطوات واسعة ثابتة وإن الزهو والعجب ليملآن جوانحي كلما أطلت علينا تلك المجلة من عليائها وهي تحمل كل نفيس وغال من فيض الفكر الواعي ومن نبع الأدب الحي الوثاب.

وهي إنما ترفع صوت إمارات الخليج العربي عالياً وتضاهي وتباهي بأبناء هذه الإمارات وتثبت أن قدمهم في الأدب والنهوض أرسخ من الجبال الشم.

لقد شاءت عناية الله أن تحيي مجداً درست معالمه وطويت صفحاته في سجل النسيان، فانبثق فجر هذه النهضة في هذا القطر الشقيق على يد نخبة من أبنائه البررة فحطموا كل العوائق، واجتازوا مراحل الامتحان والاختبار بكل تفوق وانتزعوا حقوقهم الفردية بأيديهم غلابا، وأثبتوا أنهم خير كفء للأمانة التي وضعتها الأمة بأيديهم لرفع مستواها وإعلاء صوتها عالياً مدوياً بين الأمم، وأنهم خير من يؤدي رسالتها المقدسة على خير وجه وأكمله.

إنني باسم أبناء هذه الإمارات المتناثرة على الخليج العربي أبارك لكم هذه النهضة المشرفة الموفقة، إننا لننتظر معكم جليل الأعمال في سبيل التقدم والارتقاء. لست أدري كيف استرسلت في هذه المديح مع أني لم أكن أنتويه وإنما جئت ناقد لأخطاء صغيرة مررت عليها في مجلتكم الكريمة مروراً عابراً.

ولكن لا بأس إنما هو إعجاب تفيض به المشاعر ويزخر به الوجدان انتثر على هذه الصفحات دون أن أملك دفعه أو إيقافه. إذن فموضوع النقد هو أني كنت أطالع بحثاً للأديب الفاضل إبراهيم العليان، تحت عنوان «السعادة ومقوماتها» في العدد التاسع من «الصوت المحبوب» .

ومع احترامي الكبير للأديب العليان أقول إن العنوان الذي اختاره للمقال عويص جداً وعميق جداً وفي حاجة إلى من يعد له العدة ويحدد له الفكر ويركز له الذهن بل هو يتطلب بحثاً شاقاً طويلاً لا تجوز فيه الهرولة والإسراع أو المرور العابر كأنه خبر ترويه إحدى وكالات الأنباء!! أنا لا أغفر للأديب المحترم هذا الاختزال.

لقد كان الأجدر به أن يغوص إلى أعماق الموضوع ويجهد نفسه بل ويجهد معهد «قارئه» حتى يخرج بجوهرة فكرية ثمينة يلمسها القاريء بيده ويراها بعينيه ويتملى بجمالها وحسن نضارتها وإلا فلا داعي للكتابة عن هذا الموضوع العميق المجهول.

كيف أستطيع أن أقول مثلاً «إن الشقاء الذي يسببه ضعف الصحة أكثر من أي شقاء؟» ولهذا أوثر أن أضع الصحة في المقدمة لمقوماتها للسعادة ان المعنى الصريح لهذه النظرية ـ التي أوردها الأستاذ بكل بساطة ويسر ـ ان الفقر والعوز والتشرد والحاجة الملحة هي استياء لا تعني السعادة .

ولا يدخل في نطاقها من قريب أو بعيد. وماذا عن الإخفاق والفشل في مشروعات أدبية أو مادية حسية كانت أو معنوية؟ بل ماذا عن منغصات الحياة المتعددة النواحي التي تورث المرء هموماً ثقالاً وتدعه يرزح تحت أعبائها فتنقض ظهره أو تقصم عوده فتراه يائساً شقياً ولو كان في صحة شمشون الجبار؟!!

فهناك الشقاء العائلي الذي تزلزل له عزائم الرجال، وهناك الخوف من المستقبل والخوف من المجهول الذي يتمخض عن الغد، بل هناك أشياء تحول دون السعادة لست ادري متى وأين اقف لو حاولت سرداً. من هذا كله نرى ان الموضوع أعمق مما تصوره الأستاذ.

وأنه في حاجة ماسة إلى من يشبعه درساً وبحثاً وتمحيصاً، ولست أريد هنا ان أعالج هذا الموضوع فليست لدي القدرة الكافية على تتبعه خطوة خطوة وإلا لامتلأت أوراق وأوراق دون أن اخرج بنتيجة ترضيني أو ترضي القراء على الأقل.

وعلى ذكر هذا فلقد كتب أندريه مورو» الأديب الفرنسي المعاصر بحثاً طويلاً تناول مشكلة السعادة من جميع نواحيها في كتابه عنها، ولقد قرأت له هذا الكتاب مترجماً بل وقرأته مراراً وتكراراً فهل خرجت منه بنتيجة بارزة واضحة؟!!

اني أتساءل الآن هل خرجت بشيء من هذا؟ أكاد أقول ان الكاتب أجهد نفسه في وضع كتاب تتجاوز صفحاته المئات وأجهد قراءه لأنه لم يشف لهم غليلاً ولهم يبل له صدى.

إذن فموضوع السعادة عويص في جوهره معقد كل التعقيد ولست أريد أن أقول أنه ليس من الجائز البحث فيه حاشا لله!! بل ان من أفحش الأغلاط ومن أكبر الخطل ان يتناساه الأدباء فيمرون عليه مرور الكرام دون ان يطرقوه ويخرجوا منا بنتائج ملموسة واضحة، وإنما الذي أقوله انه لا يجوز اختصار الحديث في عدة سطور ـ في موضوع كهذا ـ يقرأها القاريء ثم يتذكر ما قرأه فإذا به ارتجال وإسراع لا يستسيغه المرء ولا يرضاه.

تلك هي نظرة عابرة حول مقال «السعادة ومقوماتها» دفعني اليها ـ ويشهد الله ـ الرغبة الأكيدة في محاولة استجلاء بعض الحقائق الأدبية لا غير. وبعد فمن أنا حتى أحاول ان أصحح أغلاطا أو أهدى إلى سبيل أنا في حاجة إلى من يهديني إليها؟

وهل أنا إلا تلميذ على يد هذه المجلة المحبوبة استقي من منابعها الصافية السلسالة! وانني اذ اختم رسالتي اكرر اعتذاري الشديد للأستاذ الفاضل العليان وأرجو منه ألا يحمل رسالتي هذه إلا على محمل الحق والإخلاص . الشارقة ـ أ. ع. ع