يتناول الرحالة البريطاني بيرترام توماس قضايا ويخوض في مواضيع تدخل في باب الفلكلور والانثروبولوجيا ولكنه يخلط بين العادات والتقاليد والأساطير وبين المعتقدات وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف. كما لا ينسى أن يدون ملاحظاته عن الآثار وعلم الأنساب والسلالات ولغات ولهجات جنوب الجزيرة العربية.

يذكر د. جواد علي في مؤلفه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) «إن عرب شبه الجزيرة العربية ينحدرون على ما يبدو من أصلين مختلفين ومتميزين. فالنظرية السائدة عن قسمات العربي، هي أنه الرجل الطويل اللحية الأملس الوجه كالصقر، غير أن عرب جنوب شبه الجزيرة أصغر قامة وأخشن تقاطيع وأكثر سمرة وغير ملتحين تقريباً.

وتجمع المصادر كافة على أن عرب الجنوب ينحدرون من أصل حبشي. ومع ذلك فيبدو من الغرابة بمكان أن نقرر أن المصريين وعرب القارة الإفريقية هم العرب الاقحاح بين العرب الساميين، أما عرب الشمال فهم عرب مستعربة أي أنهم عرب بالتجنس والاستيطان أكثر منهم عرب بالسلالة.

ويذكر توماس رأياً للجنرال ميتلاند المقيم السياسي البريطاني في عدن إبان فترة وجود توماس في عمان مفاده أن علماء التاريخ العرب أنفسهم يذهبون إلى أن العرب ينحدرون من أصلين: قحطان وعدنان ومع ذلك فإن العرب الذين يقطنون الآن مناطق من شبه الجزيرة العربية من أن أحد هذين الأصلين ينتمون في الواقع إلى سلالات متباينة».

وكما نرى هنا فإن توماس كرحالة اهتم بعلم الأنساب والسلالات وقبله كثير من الرحالة و العلماء الأوروبيين أمثال جليسر وبيرتون وراتنجز وبعده أيضاً من الباحثين المهتمين بعلم السلالات من السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين والاتنوغرافيين والاثاريين، فقد اهتم الغرب بهذا العلم لأهميته في رسم تصورات متكاملة عن شعب معين أو أمة معينة عاشت أو ورد ذكرها في كتب التاريخ.

أو تحديد صورة مجتمع من المجتمعات البدائية منها أو الحديثة وعلاقة ذلك بحدث معين من أحداث التاريخ، هنا تنتفي التهمة الموجهة للعرب بأنهم أمة عصبية أي متعصبة لعرقها، أو هي أمة تعلي من شأن القبيلة أو ما إلى ذلك من التهم، والحقيقة أن البحث في أسباب عناية العرب بأنسابهم موضوع يطول الحديث فيه.

ولكن ما يهمنا هنا أن الدين شذّب عصبية العربي وإن كانت عصبيته لا تعبر تعبيراً سلبياً عن (تفوق عرقي) بقدر ما كانت تعبر عن هوية وانتماء لقبيلة كانت تمثل للبدوي في صحراء مترامية الأطراف سلطة وحيدة يمكن أن تحميه وتحمي حقوقه ودمه قبل نشوء الدول يمكن أن يلجأ إليها طلباً للحماية.

«إننا نجد أن كثيراً من الأمم والشعوب الأخرى تنتمي إلى أباء وأجداد، وليس العرب وحدهم، فهيللنHellen ، هو جد دورس Dorus ، ومنه أخذ الهيلينيون اسمهم هذا. وكان للرومان فالفرس وللهنود وللأوروبيين أجداد انتموا إليهم واحتموا بهم وتعصبوا إليهم على نحو ما نجده عند العرب وبقية الساميين.

وكما اهتم توماس بعلم السلالات، اهتم أيضاً بتاريخ الحضارات التي كانت سائدة في منطقة شبه الجزيرة العربية، فيذكر أن الكتب والآثار المختلفين في المناطق الجنوبية الغربية من الجزيرة تدل على وجود حضارات سبئية أو معينية قديمة قد اندثرت قبل ظهور الإسلام في القرن السادس بعد الميلاد.

كما أن هناك أثاراً لمستعمرات إغريقية وآرامية، كذلك فقد تعرضت هذه المنطقة للغزو الحبشي والروماني خلال تاريخها. ثم يتساءل: من يكون هؤلاء العرب يا ترى؟

ويكمل بالقول «لو افترضنا أن الإجابة على هذا السؤال من اختصاص علماء الأجناس، كما هو الأمر فعلاً، فإن جمع الأدلة والمعلومات عن عرب الجزيرة العربية يعتبر أمراً مهماً وعلى الأخص خلال هذه الرحلة التي أقوم بها».

* قرابين الدم

وقد جمع توماس بالفعل مجموعة من الجماجم البشرية القديمة وأرسلها إلى إنجلترا لدراستها. ويروي كيف استطاع أن يحصل على جمجمة إنسان في غفلة من مرافقيه وجدها بالصدفة في كهف مهجور: «أثناء رحلتي خلال عامي1930- 1929 كنت في منطقة حاسك، مررت بالصدفة بأحد الكهوف .

ويبدو أن بعض الحيوانات المتوحشة قد هاجمت ذلك الكهف في وقت من الأوقات وكان الوقت نهاراً ففكرتُ في التوقف في هذا المكان واخترت منطقة قريبة من الكهف.

ولم يعرف أي إنسان بأن الجمجمة التي كانت في ذلك الكهف قد انتقلت إلى خيمتي، ولكن عظمة الفك لم تكن في الجمجمة كما أن القسم الأكبر من الهيكل لم يكن موجوداً. وقد أخذت هذه الجمجمة معي إلى مسقط، ومنها إلى كلية الجراحين الملكية في لندن».

ثم يتكلم توماس عن النذور والمخلفات القديمة وقرابين الدم، فيذكر أنه بعد ليلة غير مريحة بسبب وجود البعوض بكثرة في منطقة سهل الحصيلة، وهو سهل كانت تتناثر فوقه الكثير من المعالم الأثرية، غادر هو ورفاقه المكان إلى جبل «ناشب» وهو أعلى منطقة في سلسلة جبال القرا. وفي سفح على أحد المنحدرات الجبلية الكثيفة الشجر جلس يراقب الماء يتدفق من الجدول مكوناً بحيرة تحيط بها صفوف من الأشجار العالية.

فاسترعى انتباهه كما يقول «وجود بعض الأطعمة والأرغفة ملقاة بالقرب من مجرى الجدول. وعرفت أن هذه الأطعمة تسمى النغوش ويقصدون من إلقائها في المكان طرد الشياطين التي تزور موتاهم، فهم يعتقدون ـ أي أهل المنطقة ـ بأن أرواح الموتى تنتقل إلى هذا المكان بعد وفاتهم.

وفي وسع هذه الشياطين التي تزور الموتى أن توقع الضرر بهم ـ حسب زعمهم بالطبع ـ وتتكون هذه القرابين من الطعام أو التبغ وعند إلقاء الأطعمة وغيرها في هذا المكان يردد أصحابها بعض العبارات مثل: أيتها الأرواح إنما نحن أبناؤك وبناتك فلا تؤذينا وظلي يقظة دائماً لرد كيد الأشرار والأرواح الخبيثة عنا».

وهذا يدل على اهتمامه كرحالة وعالم أنثروبولوجيا بمواضيع تتعلق بالأساطير والميثولوجيا وهذا ما لم يتعمق فيه وغيره من المواضيع المتنوعة الأخرى ثيسجر عندما قام برحلته، كما لم يهتم بإيراد مثل هذه الاستطرادات. كما أورد توماس بعض الاستشهادات لعلماء ورحالة سابقين.

حيث استشهد بأحد الآراء للرحالة العربي ابن بطوطة في معرض حديثه عن سكان ظفار حيث يقول: «وقد كتب الرحالة المغربي الذائع الصيت ابن بطوطة الذي عاش في القرن الرابع عشر وقام برحلته التاريخية إلى العراق والجزيرة العربية كتب يقول:

«وبالإضافة إلى ذلك فإن سكان ظفار يشبهون إلى حد كبير سكان شمال افريقيا في عاداتهم، وملامحهم وعلى الأخص الأجزاء البارزة منها فهي لا تدل على أنهم يمتون بصلة إلى عرب الجزيرة وإنما تدل على انتمائهم إلى البربر».

كما اهتم توماس بموضوع لهجات القبائل من الناحية اللغوية Philology حيث درس لهجات قبائل الشحرة والمهرة والبطاحرة والحراسيس، بل وأعدّ جدولاً خاصاً بهذه اللهجات يتألف من500 كلمة لكل منها. كما استخلص بضع قواعد لغوية بسيطة، وأرجع أصول هذه اللهجات إلى المجموعة السامية.

ويذكر أن هذه اللهجات لها جذور أساسية في اللغة الحبشية أكثر مما في اللغة العربية على حد قوله. وهنا أيضاً يستشهد بآراء للغويين متخصصين حيث يفصل الأمر بالقول في هذا المجال فالفصائل القبلية التي تتكلم لغة الشحرة هي قبائل القرا والشحرة وبورحمة وبيت الشيخ، واللهجة المهرية تتكلمها قبائل المهرة، ولهجة البطاحرة تتكلمها قبائل البطاحرة.

ولهجة الحراسيس تتكلمها قبائل الحراسيس وعفار، وبالنسبة للهجة الشحرية فلا يفهمها الذين يتكلمون اللهجات الأخرى ويصعب التفاهم فيما بينهم، ولم أكن أعرف من قبل بأن الدكتور ماكسمليان بتنر عالم اللغات الألماني قد تعرض إلى موضوع اللهجتين الشحرية والمهرية.

وذلك في سياق تعليقه على المعلومات التي سبق أن جمعها الدكتور موللر في كل من حضرموت وسومطرة خلال رحلته إلى شبه الجزيرة العربية سنة 1902 ثم حول ما جمعه الكونت لاندبرغ عن رحلته إلى المنطقة خلال 1898 ـ 1898 ويبدو أن لهجة الحراسيس والبطاحرة تختلف عن لهجة المهرة ولكن لم يقم أحد بالبحث في هذا الموضوع».

* الختان

وتحدث عن «الختان» كعادة من العادات ذات الأهمية البالغة عند قبائل المنطقة حين سأله بدويان: هل تمارسون ـ يقصدون الإنجليز ـ الختان؟ يقول فرددت عليهما بالإيجاب ولكني قلت إن الختان ليس إجبارياً عندنا. فقالا: معنى هذا أن هناك بعض الأشخاص لم تجر لهم عملية الختان؟

فرددت عليهما بالإيجاب، وهنا قال محدثاي «غفر الله لكم» ثم يضيف توماس معقباً على كلام سائليه، يُعتبر الختان من العادات ذات الأهمية البالغة بين هذه القبائل ويختلف عنه في أنحاء شبه الجزيرة العربية الأمر الذي يوحي بأن للختان جذوراً تكاد تكون مستقلة.

ثم يورد وصفاً لطقوس عملية الختان، وكيف وأين تُجرى، والغريب أنه يقارن بينه (كعادة) وما كان متبعاً في مصر في العصور القديمة، ثم يصف الاحتفالات المصاحبة لهذه المناسبة ولكنه لا يأتي أبداً على مسألة ربط عملية الختان بالدين الإسلامي ولا يتطرق إليها ولو تلميحاً.

كما ذكر بعض معتقدات القبائل حول السحر ورد العين الشريرة وطرق عدم الإصابة بها، فيذكر بأن هناك اعتقاداً بين سكان القرى الساحلية بأنه عندما يبني أحدهم بيتاً فإن أول شيء يفعله عند بناء البيت هو دق مسامير طويلة في الأركان الأربعة منه بقصد رد العين.

وعندما يتم بناء البيت يقوم صاحبه بذبح خروف على عتبته كقربان يحفظ البيت من الشر ويديم لأهله الخير، وذلك على غرار ما نفعله نحن في الغرب عندما تسكب زجاجة من النبيذ عند تدشين البواخر. وفي بعض مناطق عمان يقوم صاحب البيت بعد الانتهاء من بنائه بذبح ماعز ورش شيء من دمها عند عتبة البيت.

وهذا التقليد معمول به في ظفار أيضاً وإن كان يختلف في تلك المنطقة بعض الشيء حيث تجري العملية أثناء بناء المنزل، وليس عند الانتهاء منه، ويوزع لحم تلك الماعز على عمال البناء، وأما الدم فَيُرش بطريقة عشوائية على جدران المنزل. «كما تكسر بيضتان عند عتبة البيت وبيضتان أخريان على السلم ومثلهما على السطح».

وما زالت إلى اليوم الدراسات والبحوث يجريان حول هذه المواضيع المرتبطة بمعتقدات وعادات الشعوب من قبل الأنثروبولوجيين والفلكلوريين، ويمكن أن نذكر هنا أهم المواضيع التي تطرق إليها توماس ودونها في كتابه (العربية السعيدة) والذي يُعد سفِراً يكاد يكون شاملاً .

حيث لم يحو فقط ما يمكن أن نطلق عليه وصف خط سير الرحلة، بل هو مجموعة من البحوث والاستقصاءات والاستطرادات تدخل في صلب تاريخ منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية، ومن أهم تلك المواضيع يمكن أن نجد إضافة لبعض العادات والمعتقدات المرتبطة بالسحر والزواج والختان فقد تطرق إلى موضوع الأضرحة ومواقعها، وأكثر القبائل خبرة بالطرق التي تؤدي إلى الرمال.

وعنايته ببعض النقوش والخطوط على بعض الصخور التي صادفها، وخيمة الرحالة وأجهزته، وحياة الجمل في الصحراء، وذكره لأهم الأودية ووصفها، كما تحدث عن البدوي ومقدرته على حل ألغاز الصحراء، كما استعان كما ذكرنا بمعلومات أو بآراء أوردها رحالة سابقون أمثال..

ويمان بيري وبيرتون وفون ريد وغيرهم. ويمكن وصف أسلوب توماس في تسجيله لمشاهداته بأنه أسلوب علمي، ووصف أيضاً من قبل روبن بيدول بأنه «أسلوب متكلف»، ويفتقر إلى اللمسات الفنية والأدبية التي تذكر برومانسية وشاعرية الصحراء لكنه يبقى أسلوب يتصف بالدقة.

على أن هناك قضايا مشتركة تطرق إليها كل من توماس وبعده ثيسجر فيما كتباه عن منطقة الربع الخالي وقبائله وعادات وتقاليد ومعتقدات تلك القبائل وجغرافية المنطقة وآثارها، وسنناقش في الصفحات القادمة أهم هذه القضايا كما يمكن أن نذكر العوامل المشتركة التي ساهمت في تكوينها المعرفي والفكري كرحالة أو المنطلقات التي انطلق منها للتعرف على المنطقة وعلى العرب بصورة عامة.

* دوافع

ويمكن وضع تلك المنطلقات الشخصية التي انطلق منها توماس وبعده ثيسجر في نقاط عدة منها..السلطة، إتقان اللهجات القبلية والعادات العربية، التمسك بمسيحيتهما، حب المغامرة، كره الآلة.

والسلطة لا نعني بها هنا فقط السلطة السياسية الحقيقية، بل هي السلطة المالية، وإن كان الغموض يكتنف مصادر تمويلهما، إلا أن واقع الحال يقول بأن وراءهما سلطة كانت تمولهما، مع أن ثيسجر كان كما يقول يعتمد على جمعية مكافحة الجراد في الشرق الأوسط في تمويل رحلاته التي كان هدفها المعلن هو البحث عن مواطن الجراد الأصلية في الجزيرة العربية.

أما توماس فيكيفه أنه كان مستشاراً مالياً في حكومة عُمان ووكيلاً سياسياً في منطقة الخليج، وكان يقول للبدو انه يمول رحلاته من جيبه الخاص ولا أحد يموله أو يدفع له مصروفات رحلاته.

ولد ثيسجر عام1910 في أديس أبابا في الحبشة حيث كان والده وزير بريطانيا المفوض هناك، وعرف مشقة السفر منذ أن كان عمره ثلاث سنوات فقد حملته أمه معها على ظهر جمل من العاصمة إلى ميناء جيبوتي. وعاش متردداً على بلاد إمبراطور الحبشة، فيسمع قصص رجال يتوغلون في الغابات، ويلاقون الحيوانات المفترسة والقبائل الفتاكة.

فنشأ، وحب المغامرة يجري في دمه، وذهب إلى إنجلترا ليدرس في كلية إيتون ثم ليلتحق بعد ذلك بجامعة أكسفورد. وقبل أن يتم دراسته دُعي لحضور حفل تتويج هيلاسلاسي إكراماً لوالده الذي آوى ابن الملك أثناء الثورة الكبرى التي قامت في الحبشة.

واغتنم فرصة وجوده فحاول أن يعرف سر نهر «أواش» الذي ينبع من الجبال الواقعة غرب أديس أبابا، ثم يجري في صحراء الدنكلة، ولا يعرف أحد شيئاً عن مجرى النهر لأنه لا يصب في البحر الأحمر. وصحراء الدنكلة نفسها كانت شبه مجهولة في ذلك الحين، حيث تقع بين هضبة الحبشة والبحر الأحمر، وقطعها في غاية الخطورة.

وقد حاول رحّالون أوربيون أن يعبروا تلك المنطقة فلقوا حتفهم، ولم ينجح في قطع صحراء الدنكلة إلا (نيسبت)، إذ قطعها عام 1928 من الجنوب إلى الشمال، بعد تعرضه للموت مراراً، وربما كانت تلك المغامرات هي تمريناتهِ الأولى لمغامرته اللاحقة الأهم وهي عبور الربع الخالي.

وقد ترك لنا وصف هذه الرحلة في كتابه (صحراء وغابة) ولكنه لم يستطع اكتشاف نهر أواش لأن قبائل الدنكلة كانت غاية في الشراسة. وهنا نجد الكثير من أوجه الشبه خاصة في حب المغامرة بين ثيسجر والروائي الأميركي أرنست همنغواي والذي دَوّن مغامراته في بعض كتبه واستعان بمشاهداته خاصة في افريقيا في بعض رواياته.

في عام 1935 عين ثيسجر في وزارة الخارجية، وذهب إلى السودان معيناً في الخرطوم، ولكنه سعى لينقل إلى منطقة نائية يستطيع منها أن يقوم بجولاته في مناطق السودان الجنوبي المجهولة.

وتنقلّ بعد ذلك بين سوريا وكردستان العراق وجبال هندكوش وجنوب العراق (منطقة الأهوار) والمغرب والحبشة. ولم تكن تلك الرحلات والاستطلاعات الني قام بها إلا تهيؤاً للعمل الذي خلد ذكره فيما بعد، وهو اجتياز الربع الخالي.

وكان ثيسجر متأثراً بتوماس بشكل كبير حتى أنه يقول: «عندما كنت في اكسفورد قرأت كتاب بيرترام توماس عن رحلته في الربع الخالي، ثم قرأت كتاب لورنس ( ثورة في الصحراءRevolotion in the Desert ) فاستيقظ في نفسي توق الصحراء، وتملكتني رغبة لا تقاوم، تدفعني دفعاً إلى كشف المجهول منها».

وأتاحت له الظروف الفرصة فيما بعد حين عرضت عليه جمعية مكافحة الجراد في الشرق الأوسط أن يذهب إلى الجزيرة العربية لاكتشاف مواطن الجراد الأصلية (وظل هذا هو الهدف المعلن من قيامه برحلاته تلك).

فقد انتشرت أسرابه بكثرة كادت توقع المنطقة كلها في مجاعة، وكان الخبراء يظنون أن أحد مراكزه الرئيسية في المملكة العربية السعودية. وسمح الملك عبد العزيز لجمعية مكافحة الجراد بإرسال مندوبيها إلى المملكة، وذلك في عامي 1944 -1943،.

وكان رئيس الجمعية يعتقد أن مواطن الجراد أيضاً جنوب الجزيرة العربية على أطراف الربع الخالي، وكان على ثيسجر أن يتوجه إلى هذه المنطقة وبالفعل توجه إلى عدن في أواخر شهر سبتمبر 1945، وفي 15 أكتوبر طار إلى صلالة عاصمة منطقة ظفار في عمان حيث بدأ رحلته.

ومن الأمور المشتركة أيضاً بينه وبين سابقه توماس، هو استعانته ببدو من قبيلة الرواشد، كذلك اهتمامه بموضوع لهجات القبائل العربية في جنوب الجزيرة.

وخرج من ملاحظاته بنتيجة وهي أن لهجة قبائل قرة ومهرة لا تختلف كثيراً عن لغات المعينيين والسبئيين والحميريين، وهي النتيجة التي توصل إليها توماس قبله. كذلك لاحظ إن من عادات القبائل التي تعيش على حدود الربع الخالي أن يلحق باسم الأبناء اسم ألام، لا الأب.

ويبقى كتابه (الرمال العربية) الذي يتميز بأسلوب جميل جذاب، ليس فيه شيء من أسلوب (داوتي) الملتوي، أو تكلف برترام توماس في كتابه (العربية السعيدة).

تأليف: عمار السنجري