ارتبط اسم عبده الحامولي منذ منتصف القرن التاسع عشر بأشهر أسطورة حب في دنيا الطرب في مصر مع مطربة عصره والتي شاركته مجده سكينة سليم ابنة الصائغ السوري الذي استقر في مصر في عهد محمد علي باشا والتي اشتهرت باسم «ست ألمظ» ولم يكن يذكر اسم عبده الحامولي إلا مقترناً باسم ألمظ حتى صارا علامة من علامات العصر الفني في ذلك الوقت.
فقد ألقى الحامولي وألمظ بظلالهما على النصف الثاني من القرن التاسع عشر في ساحة الطرب والغناء وحفلات القصور ابان حكم الخديوي إسماعيل ومن بعده ابنه الخديوي توفيق. وارتبطا بقصة حب يضاهيها المؤرخون الموسيقيون مع قصص الحب القديمة في التاريخ العربي مثل قيس وليلى وجميل وبثينة وعنتر وعبلة وكثير وعزة.
ولد عبده الحامولي في قرية الحامول الواقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بإحدى محافظات الوجه البحري وهي محافظة كفر الشيخ حالياً وكان ذلك في العام 1830 في أسرة ميسورة الحال من الأسر التي تملكت الأرض في عهد محمد علي صاحب النهضة المصرية الحديثة.
تلقى الحامولي تعليمه الأولي في «كتاب» القرية مثل أبناء الفلاحين تمهيدا لانتقاله إلى الأزهر ليكمل تعليمه، وكان من الطبيعي أن يحفظ القرآن الكريم ويختمه في سن مبكرة ويتوافر على تجويده وقراءته.
وكان الوجه البحري وخاصة مدينة طنطا يشهد الكثير من فرق الإنشاد الديني في مولد السيد البدوي ومولد إبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق على الطرف الشمالي الغربي من دلتا النيل وكانت هذه الفرق مدارس للإنشاد يؤمها كل من يتوسم في نفسه حلاوة الصوت واجادة تلاوة القرآن الكريم والأوردة والمدائح النبوية.
وكانت مدارس الإنشاد تلقى تأييد مشايخ الطرق الصوفية التي كانت تسيطر على عواطف الناس الدينية وخاصة من البسطاء.وفي ظل هذه المدارس تربى صوت عبده الحامولي وكان أحلى الأصوات في عصره ولم تلبث حلاوة صوته أن جاءته بالشهرة العريضة في الوجه البحري وتجاوزته إلى الإسكندرية والقاهرة.
* مع مشايخ الإنشاد الديني
رأى الحامولي أن يأتي إلى القاهرة لتوسيع دائرة دراساته الدينية في الأزهر الشريف ويستمر في تلاوة القرآن الكريم والمشاركة في فرق الإنشاد الديني والتتلمذ على أيدي أساطين القراء المشاهير ومخالطة الشعراء والأدباء حتى لم يعد يجاريه في شهرته وحلاوة صوته مقرئاً ومنشداً إلا بعض من المشاهير أمثال الشيخ يوسف المنيلاوي.
والشيخ درويش الحريري والشيخ سيد المفتي والمطرب محمد عثمان، وكانت عادة هؤلاء أن يتنقلوا في الأفراح ويترددوا على حلقات الإنشاد والذكر كلما سمعوا بمنشد أو مقرئ مشهور وكان عبده الحامولي منذ أن هبط إلى القاهرة قد أصبح صديقاً مقرباً من الشيخ يوسف المنيلاوي وكانا يترددان على الحفلات التي يغني فيها محمد عثمان.
كان عبده الحامولي بداية العصر الذهبي للغناء في مصر أو بداية الغناء المصري الحقيقي وهو العصر الذي نفض الغناء عنه آثار الجراكسة وموسيقى الفرس والترك واعتمد اعتماداً كاملاً على ما في الحياة الدينية من قدسية وتطويع للنفس وهو العصر الذي كان فيه المطرب أو المطربة إذا انقطع عن الغناء احترف ترتيل القرآن الكريم.
بدأت شهرة الحامولي تعلو وبدأ يتسيد عرش الغناء في مصر وربطته صداقة حميمة مع الشيخ يوسف المنيلاوي، لا يكادان يفترقان ويشدهما الحرص على سماع كل جديد وسمعا أن هناك مطربة تسمى «ألمظ» فشدا الرحال إليها.
دق صوت ألمظ الساحر أبواب قلب الحامولي ونوافذه وبدأ معها رحلة الحب والنغم التي جعلت منهما أشهر قصة حب فنية.كان أول لقاء بينهما في عرس احدى العائلات الغنية في مصر كانت ألمظ تغني في العرس وشعر في تلك الليلة .
وهو يسمعها أن صاحبة ذلك الصوت قد ملكت عليه شغاف قلبه وتمكن هواها من نفسه وعندما جاء دوره في الغناء كان يغني لها ويناجيها ويبثها حبه ويحمل صوته زفرات قلبه وعشقه. وكانت ألمظ أيضاً تحمل له المشاعر ذاتها.
* سكينة سليم.. «الست ألمظ»
اسمها الحقيقي سكينة سليم وكانت يتيمة الأبوين، حملت اسم ألمظ فيما بعد وقد اشتهرت بحلاوة الصوت وهي تختفي وراء الحجاب وترتل القرآن الكريم، كانت الفتاة صغرى أربع فتيات من أب يدعى سليم نزح من سوريا وطنه الأصلي إلى مصر أثناء حكم محمد علي.
واشتهر بصياغة الذهب والحلي واشتغل بالتجارة بين وطنه الأصلي ووطنه المختار مصر، أثناء حروب الشام، وتزوج من سيدة مصرية أنجبت له أربع بنات كانت سكينة هي صغراهن والتي قدر لها فيما بعد أن تصبح أشهر مطربات عصرها وأجمل صوت اعتلى عرش الغناء باسم ست ألمظ.
وقد عبث القدر بالبنات الأربع إذ مات والدهن سليم ولحقت به زوجته بعد وقت قصير وتولت أسرة صديقة تربية وتنشئة الفتيات ورعايتهن حتى أصبحت يافعات جميلات صالحات النشأة، وأصبحن محط أنظار الشباب، وابتسم الحظ للبنات الثلاث وتزوجت أكبرهن عالماً فاضلاً من علماء الأزهر الشريف.
وتزوجت الثانية من رجل يعمل متعهداً من متعهدي قصر عابدين، أما الثالثة فقد تزوجت أحد التشريفاتية في قصر عابدين أيضاً وقد حدث ذات مرة أن كانت الابنة الصغرى سكينة تزور أختها زوجة التشريفاتي وفوجئ الزوج بسماعها وهي ترتل آيات الذكر الحكيم بصوت ساحر ورقة في الأداء فطرب .
وانتشى إعجاباً وكانت قصور الحضرة السنية في تلك الفترة وقصور الخديوي وحاشيته هي ملاذ وموئل الفنانين من أصحاب صنعة الطرب والألحان والعلماء وكبار الشعراء والأدباء ومشاهير المقرئين وحدا هذا الإعجاب الكبير في نفس زوج الأخت إلى أن يتحدث عن صوت أخت زوجته سكينة إلى بعض الفنانين .
وألح عليهم المرة بعد المرة أن يستمعوا إليها وأن يدربوها على التلاوة وقراءة القرآن الكريم ويعلموها أصول الغناء والعزف على العود وبعد فترة أصبحت سكينة أفضل من يقرأ وينشد ويعزف على العود ويغني الطقاطيق والأشعار والقصائد من بنات جيلها.
ولم تكن سكينة جارية من جواري الخديوي ولا محظية من محظياته اللاتي تدربن على لون واحد يجدنه من الغناء الذي ساد تلك الفترة ولم تكن أيضاً تلك الفتاة التي وصفوها بأنها فلاحة اضطرت أن تكسب قوتها من عرق الجبين وهي تحمل قصعة المونة على رأسها وتسير فوق سقالة البنائين تغني للعمال بصوتها الرخيم العذب.
وكان الباشا أغا في بلاط الخديوي مملوك طيب يدعى ألمظ سمعها ذات يوم في بيت زوج أختها التشريفاتي واستبد به الطرب فأخذ يضرب رأسه بيديه إعجاباً وهو يصيح عليها: أمان ربي أمان.. غنينا كمان ستي.. إطربينا ستي أنت ست ألمظ وتاج راسه.
ومنذ ذلك اليوم كسبت سكينة اسم شهرتها وعلا صيتها في بلاط الخديوي وبين حاشيته من كبار الأسر وأثرياء الطبقة الراقية، وبدأت تصبح حجر الزاوية في الغناء المصري وبدأ الفنانون وكبار المغنيين يحرصون على سماعها ويترددون على حفلاتها الغنائية. بل فتنهم عزفها وبراعة أناملها وهي تداعب الأوتار لكنها كانت حريصة على التقاليد والأصول فلم تكن تغني إلا من وراء حجاب.
ولم تنقطع أبدا عن تلاوة القرآن الكريم في الساعات الأخيرة من الليل وقبل صلاة الفجر حتى أن الجيران كانوا يسهرون لكي ينعموا بترتيلها وهي تسري في سكون الليل. وأصبحت «ست ألمظ» في منتصف القرن التاسع عشر أشهر المطربات في مصر وحدث أن تقرب منها شاب من أسرة كبيرة عريقة كان قد أنهى جانبا من دراسته في مصر..
وتوشك الأسرة أن ترسل به إلى فرنسا ليكمل الدراسة وربط بينها وبينه كثير من الود والإعجاب المتبادل لم يلبث أن تحول إلى حب، واستجابت ألمظ لرغبة حبيبها لإعلان خطبته لها، على أن يتم زواجهما بعد عودته من استكمال دراسته بفرنسا، وبعد سفره بدأت أغاني ألمظ تتسم بذلك الحنين العاطفي الذي يعاني منه العشاق والمحبون، واشتهرت لها أغان مثل:
«خبط الهوى على الباب.. قلت الحلو أهو جالي» على أن الهوى الذي يخبط الباب لم يلبث أن تحول إلى رسول حزن عندما جاء نبأ وفاة خطيبها في بلاد الغربة. فبكته ألمظ وسيطر عليها حزنها العميق لفراقه وانقطعت فترة عن الغناء مستسلمة للحزن، لكنها لم تلبث أن عاودت سيرتها الأولى .
وإن سادت صوتها رنة حزن وشجن، وأصبحت تلاوتها الليلية للقرآن عزاء للقلب المكلوم فشغفت سامعيها أكثر وأكسبت رنة الحزن والشجن صوت ألمظ حلاوة وقوة وأعطته سحراً وحناناً، وبدأت توصي صناع الألحان بأن يؤكدوا في ألحانهم على رنة الحزن والشجن هذه وتختار طبقات صوتية تعمق تلك النغمة.
عادل السنهوري