الحضارة الإسلامية قامت على منظومة تشريعية متميزة تستمد أساسها من مصادر إلهية متمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية ومن خلال هذه المنظومة نجحت الدول الإسلامية المتعاقبة التي حكمت مساحات شاسعة من العالم في تحقيق العدالة والأمن والسلام والاستقرار والتعايش بين الشعوب المختلفة الأعراق والأجناس والأديان.

ومع ضعف العالم الإسلامي وسقوط الخلافة الإسلامية وخضوع البلاد الإسلامية للهيمنة الاستعمارية بدأ الاستبدال بالقوانين الإسلامية قوانين وضعية تستند إلى فلسفة مختلفة عن الفلسفة التي تقوم عليها قوانين الإسلام وتشريعاته والتي تقوم على الأخلاقيات ورقابة الضمير والإيمان بأن الله مطلع على كل إنسان ومحاسبه.

وهذه القوانين الوضعية أدت إلى تزايد النزاعات وتراكم مئات الآلاف من القضايا أمام المحاكم وأوجدت نوعا من القلق وعدم الاستقرار في المجتمع الإسلامي.

* العقيدة والأخلاق

* لكن الخلاف الأساسي بين الشريعة الإسلامية وبين القوانين الوضعية يكمن في الفلسفة الكامنة وراء كل منها فحتى لو تشابهت القوانين الوضعية مع الشريعة الإسلامية فإن الفلسفة مختلفة، هل تتفقون معنا في هذا الرأي؟

ـ هذا صحيح ففلسفة القوانين ليس لها أية علاقة بالجوانب الأخلاقية ولا الدينية والعقائدية، لكن ميزة الإسلام انه ربط في مجال التشريع بين العقيدة وبين الأخلاق والجانب التطبيقي العملي حتى يسهل المسألة وحتى لا يتحير الناس في مجال التطبيق بإيحاءات مختلفة وبالتالي يصبح من السهل عليهم التحايل على القوانين.

وضمائرهم مستريحة لكن إذا كانت فلسفة القانون قائمة على أساس أن التشريع مصدره الشرع أو الشريعة والشريعة مصدرها العقيدة والأخلاق ففي هذه الحالة اذا حاول الإنسان ان يتحايل على القانون أو على الخصم أو القاضي فسوف يعلم أن هناك رقابة قوية وهي رقابة الضمير والضمير هو العقيدة والأخلاقيات فهو يصلي.

ويصوم بالتالي ففي هذه الحالة يعتقد ان صلاته غير مقبولة وصومه، لذلك فهو يفكر اكثر من مرة حتى يعطي الحق لصاحبه ويسهل للقاضي مهمته وبالتالي لا يمكنه التزوير أو شهادة الزور لأنه لا يعلم ان هذه الشهادة هي شهادة مدنية وعندما يهرب من القاضي لا يهرب إلا من حكم فرد وليس من حكم الله سبحانه وتعالى.

فلسفة التشريع في الإسلام هي التي تعطي الحقوق والواجبات والحق في العدالة وتسهل للقاضي الحكم ولا يتنافر الخصوم فيما بينهم ولا يحاول أي طرف أن يضيع حق صاحبه بل يسهل للجميع الحق والعدل.

* وما مدى انعكاس تلك الفلسفة في تحقيق الاستقرار والأمن للمجتمع الإسلامي ؟

هذه الفلسفة كما قلت حققت السلام بين شعوب العالم وحققت استقرار المجتمعات وتعايش الناس على اختلاف عقائدهم في تسامح وهذا لم يتحقق في ظل أية تشريعات أخرى غير الإسلام.

* المستشرقون دائما يتهمون الإسلام وشريعته بالنقص فما الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك ؟

المستشرقون فريقان الأول يعلم الحقيقة، ولكنه يريد أن يدافع عن عقيدته ومبدأه ويبشر بأن منهجه وعقيدته ودينه هو الصواب وهؤلاء مبشرون، اما الفريق الآخر فهو مخلص في دعوته لكن تصل اليه الأحكام والمبادئ الإسلامية بصورة مشوهة أو قد يجهل أصولها وضوابطها التي ينبغي عليه ان يعرفها من أهلها وليس من غيره من المستشرقين فهذا الأمر يجب ان نكون على بينة ممن نخاطبهم فهم اما يعلمون الحقيقة وينكرون، وهذا كالذي يرى الشمس طالعة.

ولكنه ينكرها وهذا مهما فعلنا معه فلن يفيده شيء لأن المجادلة إنما تكون وفق أسس موضوعية وبالحكمة والموعظة الحسنة وهو يعتقد ويعلم انه مخطئ ويقبل ذلك أو انه يحاجج فقط ويريد ان يشوه ويشوش على الحقائق الإسلامية كما نلاحظ الآن مع الصهيونية العالمية ومع اليهود وغيرهم فالحقوق ظاهرة وواضحة.

ولكنهم دائما ينكرونها ويقولون إننا على حق وصواب وغيرنا على باطل دائماً إذن المسألة تقتضي جهداً من المسلمين ووسائل الإعلام ينبغي ان تكون على مستوى المسؤولية وتخاطب الآخرين وليس المسلمين فلا نخاطب أنفسنا ولابد ان تكون قوة الجهاد بالكلمة وفي الاماكن وبين أصحاب الثقافات المتنوعة في الغرب بلغاتهم هم ولا نخضع لادعاءاتهم.

من ذلك على سبيل المثال الرد على فوكوياما الذي يطالب المسلمين أن يصلحوا من أنفسهم ويرى ان عقيدتهم ودينهم هما سبب الإرهاب والعنف، فهذا إما يعلم الحقيقة وبذلك يكون مفسدا ويريد ان يزيف وإما أن يكون جاهلا بالحقيقة وبالتالي فعلينا أن ننبهه ونبين له الحقيقة بالحجة أيضاً ويجب ان يكون ذلك باللغات المختلفة وليس بالعربية وحدها.

أعداء ما جهلوا

* الغربيون يتهمون القوانين الإسلامية خاصة الحدود بالوحشية.. كيف نرد عليهم؟

ـ الناس أعداء لما جهلوا فعامة الناس في الغرب يجهلون أحكام الإسلام لأننا قصرنا في الوصول بدعوتنا إليهم واما المتخصصون إما أن يكونوا موظفين لجهات معينة تقدم لهم الإغراءات من مال وغيره مثل فوكاياما وغيره خاصة للصهيونية العالمية وإما أن يكون علمه لم يصل إلى هذا ويأخذ عن المستشرقين أفكارهم .

وبالتالي يتهم الإسلام والمسلمين بذلك إذن القضية في نهاية الأمر هي تقصير منا نحن اي من المسلمين سواء كانوا على مستوى القيادات العليا السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية. كل في تخصصه ففي المجال الإعلامي والدعوى نحن مقصرون دون شك لأننا نخاطب الناس على قدر عقولهم.

* نشر الوعي

* وماذا عن مستقبل تطبيق الشريعة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي؟

ـ تطبيق الشريعة بين المسلمين لابد أن نهيئ الجو ونخاطب الناس ونعلمهم مبادئ الدين والشريعة حتى يخضعوا ويقتنعوا لأننا إذا أردنا أن نطبق الشريعة الآن في ظل جهل الناس بالشريعة سوف يقول البعض كيف نقطع يد السارق ونرجم الزاني المحصن ونطبق الحرابة ويزعم ان هذا انتهاكا لحقوق الإنسان وللأسف عامة الناس وبعض المثقفين يصدقون الغرب في هذا لأننا لم نربهم .

ولم نعلمهم مبادئ الدين منذ نعومة أظفارهم ولابد ان يكون المجتمع كله متقبلا لتطبيق الشريعة ويعلم المبادئ الأساسية والضوابط ويعلم انها في صالحه وبالتالي اذا عرف الحكم يخشى ان يقع فيه لأن مسألة تطبيق الحدود في الإسلام ليست خروجا عن حقوق الإنسان وانما هي لحفظ حقوق الإنسان.

وانه يكاد يكون من المستحيل تطبيق الحدود التطبيق العملي الفعلي لانها تدرأ بالشبهات لكن ليس معنى ذلك ان نلغيها وانما نضع لها ضوابط شديدة لكن اذا لم يمكن تطبيق الحدود نطبق التعازير وهي العقوبة المناسبة .

وبالتالي لا يفلت المجرم بأي حال من الأحوال وهذه ميزة الشريعة الإسلامية لأنه في ظل القانون الوضعي يفسر الشك في مصلحة المتهم وانه اذا ثبتت الجريمة بنسبة 99% في الجناية وثبت الشك بنسبة 1% يحصل المتهم على البراءة سواء كان من الناحية الموضوعية أو الإجرائية لكن في ظل الشريعة الإسلامية إذا لم تثبت العقوبة حدية ولو بنسبة 100% يكون هناك عقوبة تعزيرية.

ومن خلال مجموعة القرائن والقواعد يكيف القاضي الجريمة على أن يعطيها ما يناسبها من العقوبة وبالتالي لا يمكن أن يفلت المجرم في ظل نظرية تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في مجال الحقوق والواجبات من العقوبات سواء العقوبات العامة أو الخاصة.

القاهرة ـ ضياء الدين أحمد