تمتد جذور الحضارة العربية والإسلامية عبر الحقب التاريخية القديمة، قبل الإسلام وأخذت تنمو وتترعرع مع بدايات الدعوة الإسلامية وتمد أغصانها عالياً، لتطال جميع نواحي الحياة، عمرانية وثقافية وعلمية واجتماعية وصناعية.
ولعل القطب الأساس الذي تدور عليه الحضارة صناعة الكتاب، ومنه تتفرع سائر الأقطاب. وصناعة الكتاب ترتكز بداية على ما يكتب عليه وما يكتب به. وقد ألجأت الحاجة العرب إلى إتقان تلك الصناعة، بداية لتسجيل ما كانوا يسجلون من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية حيث كانوا يستعملون الحجارة والعظام والجلود لذلك الأمر.
ثم امتدت أمامهم آفاق المعرفة باحتكاكهم بالأمم الأخرى، واكتسابهم الثقافات العامة ممن دخل في الإسلام من غير العرب، كما طوروا أدوات الكتابة. ولم يكتفوا بذلك، فصنفوا كتباً تتضمن مبادئ تلك الصناعات وأساسياتها وطرق التصنيع حتى ينشروها في البلدان الإسلامية الممتدة التي تحتاج إلى تلك المواد في كتاباتها المتعلقة بأمور دينها، وعلومها وثقافتها.
ولعل كتاب الأبرار في بري القلم وعمل الأحبار من الكتب التي كانت ثمرة تلك الصناعات، والكتاب لا يزال مخطوطاً لم تمتد يد إليه بالإحياء والنشر والتحقيق، وهو من مخطوطات المكتبة العامة في تطوان بالمغرب.
* المؤلف:
لم نجد ذكراً لمؤلفه فيه، كما لم نجد من ذكر هذا الكتاب، ولعلها نسخة فريدة ليس لها أخت في مكتبات العالم، فالفهارس التي راجعناها تخلو من هذا العنوان.
فبذلك نقول إن مؤلفها مجهول، غير معروف لنا، وقد ذكر في آخرها تاريخ نسخها، 19 محرم الحرام 980هـ وبذلك يكون مؤلفها قد عاش قبل هذا التاريخ، أي في القرن التاسع أو العاشر.
يعد هذا الكتاب من الكتب التي تعالج موضوع الصناعات المتعلقة بسبب ما بصناعة الكتابة، ولعل المنهج الذي اتبعه المؤلف في تقسيمه الكتاب على أبواب من المناهج الدقيقة في ترتيبه وتقسيمه وتناوله، إذ بدأ بأسهلها وأقلها كلفة ومجهوداً وهي عملية بري القلم وطوله والمادة الخشبية التي يصنع منها، والدواية ينبغي أن تكون من أحسن الخشب وأغلاه ثمناً.
ثم انتقل إلى عمل أجناس المداد ذاكراً المواد المستعملة في صنع كل نوع منه ثم الطريقة التي يتم بها معالجة المواد وخلطها، مبتدئاً بالمداد الصيني ثم الهندي ثم الكوفي وبعد ذلك بين عمل الاحبار السوداء البراقة، ثم الملونة، ثم طريقة عمل الليق الأحمر والخمري والأصفر والمشمشية، والذهبية والوردية، ثم انتقل إلى طريقة خلط الألوان والأصباغ بالمداد، وانتقل إلى الكتابة بالذهب والفضة والنحاس والرصاص.
وطريقة حل كل نوع منها، ثم طريقة صنع الأحبار السرية التي لا يستطيع قراءتها كل واحد ثم تحدث عن طريقة صنع مواد تمحى بها الكتابة في السرية التي لا يستطيع قراتها كل واحد، ثم عن طريقة صنع مواد تمحى بها الكتابة في الرق والورق، ثم تحدث عن طريقة صنع المصاقل وألواح الصقال، ثم انطلق ليتحدث عن عمل الكاغد وتوشية الأقلام ونقشها.
وبذلك نلاحظ أن المؤلف قد استقى معلوماته ومعارفه من خلال التجارب التي قد يكون قام هو بنفسه بها، أو قام بها غيره؛ لأن الطرق التي عرضها تنم عن معرفة جادة مؤكدة متقنة تؤدي مهمتها بكل ثقة واقتدار، لذلك كنا نجد في الكتاب بعد كل طريقة عبارة وهو مجرّب.
إضافة إلى ما نجده من اطلاعهم على صناعات الأمم الأخرى، كالصينية، والهندية، حيث وجدنا في الكتاب طريقة صنع المداد الصيني، وطريقة صنع المداد الهندي، ولمسنا اختلاف المواد بين الطريقتين، واختلاف طريقة الصنع بينهما، وكذا طريقة المداد الكوفي، ولعل الاختلاف نابع من أن بعض المواد متوافرة في بيئة وغير متوافرة في الأخرى.
لذلك قسم المؤلف كتابه هذا على أبواب ووضع لكل باب منها عنواناً وهي:
الباب الأول: في بيان بري القلم وصفة الدواية.
الباب الثاني: في بيان عمل وأجناس المداد.
الباب الثالث: في بيان عمل الحبر الأسود.
الباب الرابع: في بيان عمل الأحبار الملونات.
الباب الخامس: في بيان عمل اللياق.
الباب السادس: في بيان عمل تخليط الأصباغ والألوان بعضها من بعض وتوليدها.
الباب السابع: في بيان الكتابة بالذهب والفضة وغيرها. الباب الثامن: في بيان وضع الأسرار في الكتب «صناعة الحبر السري والكتابة به حيث لا تظهر تلك الكتابة، فيراها الناظر إليها خالية من الكتابة».
الباب التاسع: في بيان عمل ما يُمحى به الكتابة جميعها من الرق والجلد والورق.
الباب العاشر: في بيان عمل غرى الحلزون وفي بيان غرى السمك واللصاق لورق الذهب والفضة وصفة مصاقلها وصفة أقلام الشعر والريش وذلك لتجليد الأوراق بعضها ببعض لتكون كتاباً.
الباب الحادي عشر: في بيان عمل الكاغد وتعتيقه وجميع النقش به. كانت تلك الأبواب التي قسّم كتابه عليها، مما يعني، من خلال قراءة عناوينها، أن المؤلف قد استقصى في كتابه هذا كل ما يتعلق بصناعة المواد الأساسية التي تحتاج إليها الكتابة من ورق وأحبار بألوانها المتعددة، وخلط ألوانها لتوليد لون جديد، إضافة إلى الكتابة بماء الذهب، وتذهيب صفحات الكتاب، وتزيينها بزخارف ذات ألوان.
تكمن أهمية هذا الكتاب بأن نسخته هذه نسخة نادرة، لم نتمكن من الوصول إلى أي نسخة أخرى منه، إضافة إلى كونها تعد مصدراً رئيساً من المصادر التي يمكن أن يعتمد عليها في صناعة المداد بأجناسه المتعددة، وألوانه المتنوعة، حيث استقصى المؤلف فيه المواد المستعملة في صناعة ذلك.
كما يمكن أن يعد ما ورد فيه تأريخاً للصناعة الإسلامية ومدى تطورها في ذلك. نموذج منه: الباب الثاني: في بيان عمل أجناس المداد: صفة مداد صيني: يؤخذ لازورد ودخان النفط وصمغ السّقمونيا وصمغ عربي ودخان عقد الصنوبر، من كل واحد جزء فيعجن بماء الصمغ، ويستعمل ما شاء الله.
وصفة مداد هندي: يؤخذ جوز الأرز أو ثمر الصنوبر الجاف منها جميعاً، ويجعل في جرّة جديدة، وتبيت في فرن حتى يصير فحماً، ويخرج به من الغداة وينعّم سحقه في صلاية بماء الأس المطبوخ. وشيئاً من زنجار، فماذا استحكم سحقه بماء الأس يجفف فإذا أردت استعماله فتسحقه بماء الصمغ على قدر ما يحتمله من الصمغ، لكل رطل فحم منخول وقيتان من صمغ، ويترك في الظل فيجيء حسناً إن شاء الله تعالى.
وصفة مداد كوفي: تأخذ قشور الرمان جمعة، احرقه واعجنه بلبن حليب وشيء من صمغ مبلول، ثم اجعله أقراصاً وجففه في الظل فإنه أجود ما يكون المداد. مجرّب صحيح.
عبد القادر أحمد عبد القادر
بالتعاون مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث