الإمام ابن تيمية علم بين أعلام الإسلام غير مجهول ولا منكور الفضل والقيمة، وإنما يتزايد فضله ووزنه كلما جد زمان وتعاقبت الأيام، فهو في موكب التجديد والنقد والتصحيح إمام وحجة ثابت القلب والقدم، رضي الله عنه وأرضاه..!

وهو ـ رحمه الله ـ لم تكن إمامته في فن واحد أو علم واحد أو طريق واحد، وإنما كان مبرزاً في كل ما تكلم فيه، بشهادة كل من لقيه من المنصفين، وإذا كان تعرض للبلاء والفتنة .

وما يزال يلقى إلى اليوم، فذلك أمر أشار إليه القرآن، كسنة من سنن الدعوة، إذ حتى الأنبياء كان الحق تبارك وتعالى يقيض لهم الأعداء، الذين يساهمون بعداوتهم لهم في نشر الدعوة بين من لم تصلهم الدعوة من الناس، وبين من وصلتهم مشوهة أو صحيحة.

لأن الاعتراض يبعث الحياة على صفحة الأفئدة فلا تخلد إلى النوم والموت الفكري، فالبيئة الحية النابضة هي التي يتربى على نورها الأجيال، وهكذا خدم الأعداء فكر ابن تيمية وابن القيم أعظم خدمة قدمت إلى أئمة فكر إلى اليوم وإلى ما شاء الله..!!

وشاءت إرادة الله ان يمن على هذه الأمة ببعث من يجدد لها دينها كل قرن، وقد يكون هذا المجدد فرداً وقد يكون جماعة، وقد يكون في بقعة من بقاع الأمة دون غيرها، من شرق أو غرب.. وقد تظاهرت الآراء على اعتبار شيخ الإسلام ابن تيمية مجدد القرن الثامن، أو إن شئت الاحتياط من أبرز مجددي الإسلام في هذا القرن، وتتأكد هذه المكانة يوماً بعد يوم..!

ولأن علومه وفنونه التي عالجها باقتدار حتى برز فيها جميعاً وسبق باجتهاداته عصره، بشهادة العلماء الاثبات، حتى من كان في خصومة معه، مثل كمال الدين بن الزملكاني؛ الذي يقول:

«كان إذا سئل عن فن من الفنون ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن وحكم أن أحداً لا يعرف مثله.. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في سائر مذاهبهم منه ما لم يكونوا يعرفونه قبل ذلك..»®.!

ونقل عن الشيخ إبراهيم الرقي: «الشيخ تقي الدين يؤخذ عنه، ويقلد في العلوم، فإن طال عمره ملأ الأرض علماً، وهو على الحق ولابد من أن يعاديه الناس، لأنه وارث علم النبوة..».

وقال العمري: «هو نادرة العصر، وهو البحر من أي النواحي أتيته، وهو البدر من أي الضواحي رأيته، قطع الليل والنهار دائبين، واتخذ العلم والعمل صاحبين إلى أن أسر السلف بهداه، ونأى الخلف عن بلوغ مداه، جاء في عصر مأهول بالعلماء مشحون بنجوم السماء، إلا ان شمسه طمست هذه النجوم، وبحره أغرق تلك العلوم، ترد إليه الفتاوى فلا يردها، وتغدو عليه من كل وجه فيجيب عنها بأجوبة كأنه كان قاعداً لها يعدها.

ووصفه الذهبي بالعلم الغزير في الحديث وعلومه وللتفسير ودقائقه، ويقول: ولفرط إمامته في التفسير وعظمة إطلاعه، بين خطأ كثير من أقوال المفسرين، وينصر القول الذي يوافق القرآن والسنة والعقل الصحيح..!

وقال كذلك؛ بكل حيدة وإنصاف: «ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير فيه، ومن نابذه وخالفه قد ينسبني إلى التغالي فيه، وقد أوذيت من الفريقين؛ من أصحابه وأضداده.. وأنا لا أعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية، فإنه كان مع سعة علمه، وفرط شجاعته، وسيلان ذهنه.

وتعظيمه لحرمات الدين ـ بشراً من البشر، تعتريه حدة في البحث، وغضب وصدمة للخصوم تزرع له عداوة في النفوس، ولولا ذلك لكان محل إجماع، فإن كبارهم خاضعون لعلمه، معترفون بأنه بحر لا ساحل له، وكنز ليس له نظير، ولكنهم ينقمون عليه أخلاقاً وأفعالاً، وكل يؤخذ من قوله ويترك»®.!

ولقد رآه حجة عصره في الحديث وعلومه والفقه ودروبه ابن دقيق العيد، وهو ما يزال شاباً، فقال فيه: «رأيت رجلاً جمع العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريده..»®.!

وهنا يجب ان نتبين موقعه في علم التفسير؛ وهو مجال زاخر بكثير من المدارس والمذاهب، هل كان مشايعاً لمدرسة من المدارس السابقة عليه، أم ناقلاً لآراء سلفه دون تشيع لأحد، أم ناقداً للمنقول ومحققاً لصحيح المعقول؟!

والدارس لتراث الإمام ابن تيمية يجده في الفريق الثالث بجدارة وألمعية فذة، وإذا كان قد أشيع عنه انه له تفسير كامل لم يظهر بعد، أو ظهر ثم استولى عليه أعداؤه فأخفوه أو أحرقوه، غيرة وحسداً، فإن الشيخ أبا عبدالله بن رشيق ـ وهو من أخص أصحابه لما سأله في آخر عمره في الحبس ان يكتب على جميع القرآن ـ أي يفسره ـ فأجاب قائلاً: «إن القرآن فيه ما هو بين بنفسه، وفيه ما قد بينه المفسرون في غير كتاب.

ولكن بعض الآيات أشكل تفسيرها على جماعة من العلماء. فربما يطالع الإنسان عليها عدة كتب ولا يتبين له تفسيرها. وربما كتب المصنف الواحد في آية تفسيراً ويفسر غيرها بنظيره. فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل لأنه أهم من غيره، وإذا تبين معنى آية تبين معاني نظائرها»®. (العقود الدرية).

ومن هذا نتبين أن همته لم تكن متجهة نحو وضع تفسير كامل للقرآن الكريم، لأن القرآن كله ـ في نظره ـ لا يحتاج إلى تفسير كامل، فهو بين بطبعه، إذ نزل بلسان عربي مبين، ولكن قد يحتاج بعضه إلى بيان لمشكله فقد بينه المفسرون السابقون، غير ان بعض المسائل التي اختلف حولها العلماء، لزمه من جهة الأمانة ان يجلي وجه الحق والحقيقة فيها، فتكلم عنها.

ومن رحمة الله به وبالمسلمين ان ساق إليه العزلة التي اعتبرها منحة ينفرد فيها بالقرآن، ويخلو معه ويضع النقاط على الحروف.. حتى ليقول: «قد فتح الله عليَّ هذه المرة، أي الحبس في القلعة في مصر، من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، أو نحو هذا»®.!

وقبل ذلك حينما كان يحاول جلاء الحقيقة في فهم آية أو آيات، كان يلجأ إلى ربه مستغيثاً به مستلهماً عونه وتوفيقه، فيقول: (ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني، وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها، وأمرغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول: يا مفهم سليمان فهمني) .. (العقود الدرية)..!

ولقد قرأنا له مما وضعه في التفسير قبل الحبس، تفسير سورة الإخلاص، ورد فيه على المتكلمين والفرق المبتدعة، في العقيدة والصفات ومنهج السلف بين منهج النفاة والمعطلة والجهمية والمعتزلة، وكل ذلك انتصار لمنهج الاعتدال وأهل السنة.

وحرب على المبتدعة في اتجاههم وطلبهم من غير الله ومقتضى سورة الإخلاص تحرير العقيدة من الالتجاء لأحد غير الله كائناً من كان، وقد قدم لهذا التفسير الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي وصححه وراجعه الشيخ طه يوسف شاهين، وقامت على طبعه مطبعة أنصار السنة المحمدية، أيام ان كان لها وجود ودور في إحياء كتب أهل السنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله وحده..!

كما قرأنا له تفسير سورة النور، تحدث فيها عن معالم حدود الله التي فرضها لحماية الأعراض وحماية الحرمات وصيانة المجتمع من المفاسد والعدوان، والمحاذير التي قننها الشرع الحنيف سداً للذرائع من الالتزام بمعالم الزينة المقبولة وحدود ظهورها أمام غير المحارم.

وآداب الاختلاط وآداب الاستئذان على البيوت وغض البصر عن المحارم للرجال وللنساء على السواء ثم يخلص إلى أهل الأهواء من مبتدعة الصوفية، وخروجهم عن آداب الإسلام في مطاوعتهم الهوى في النظر إلى المردان ومخالطتهم بالشهوة والهوى، وكذلك محبتهم للسماع المحرم، ثم يختم ببحث عن الأسماء الحسنى وآدابها..!

ورأينا كذلك تفسيره القصير لسورة الكوثر ووقوفه أمام وعيد الله لكل شانئ لبنيه ومعنى وسريان هذا الوعيد إلى ان يشاء الله، وعدم قصره على معاصري النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك تفسيره للمعوذتين تجد فيه لمساته النورانية المبهرة والمعبرة عن دقيق الفهم ونور العقل..!

أما مجموعة التفسير، فهي كنز بمعنى الكلمة، سيجد فيها المطلع عليها ما لم يقرؤه في أي كتاب من كتب التفسير السابقة عليه، وإن كان قد نقل عنه بعض من أتى بعده من تلاميذه ومن غيرهم ـ وللأسف بعضهم نقل دون ذكر له مع وضوح اختلاف المناهج والمشارب، والأمر فيه وفيهم مفوض إلى رب العباد يحكم بين الجميع يوم القيامة..!

وقد نشر هذه المجموعة خليل شرف الدين ـ بمباى ـ بالهند، وحققها عبدالصمد شرف الدين، كل ذلك على نفقة حكومة المملكة العربية السعودية عام (1374 هـ ـ 1954 ميلادية) ومن عجب ان هذه المجموعة لم تكن إلا الحديث عن بعض سور قصار.

أولها الأعلى ثم الشمس ثم آية من سورة الليل، ثم أول سورة العلق، ثم الحديث عن مشكلات في تفسير سورة التين، ثم تفسير سورة البينة ثم تفسير سورة الكافرون؛ وينتهي الكتاب، ولكنه قبل ان ينتهي يكون القارئ قد تعرض لصدمات لذيذة يستضيء بها الفكر والخاطر ويجد شيئاً لا عهد له به في كتب المفسرين الآخرين..!

فحينما يفسر سورة الأعلى يتحدث عن صفات العلو، وان الحق تبارك وتعالى هو المتصف بصفات الكمال، وعن درجات الهداية وتقديرها، وحكمة الخلق وتسويته، ومعنى (وقاية الملبس للإنسان من الحر) ومعنى شرطية الانتفاع من التذكير، ولماذا يتذكر من عنده خشية، ثم الحديث على غربة الإسلام وحقيقتها.

. وهكذا وحينما يتعرض لسورة الشمس يتحدث عن حقيقة القسم بمخلوقات الله، ويرد على القدرية والجبرية وغيرهما ويذكر ان ضرب المثل بثمود رغم انها قبيلة عربية صغيرة وليست أمة كبيرة من الأمم العظمى، إنما هو من قبيل التنبيه على الأعظم بالأدنى والأصغر..!

ويتخير آية واحدة من سورة (الليل) وهي: «إن علينا للهدى» ولو رأيته بعد عرض أقوال أئمة التفسير الاثبات قبله ونقد جميع النقول ثم ترجيح ما يراه، وانها تناسب وقوله تعالى: «وعلى الله قصد السبيل» وقوله تعالى: «قال هذا صراط عليَّ مستقيم» لعلمت انه صاحب فيض ينبع من بصيرة ملئت نوراً..!

وفي تفسيره لسورة العلق، يتحدث عن مناهج إثبات وجود الخالق وإمكان الحشر والنبوة، والاستدلال بخلق الإنسان، وحل مشكلات سورة التين، وأن معرفة الرب سبحانه وتعالى ـ فطرية لا تحتاج إلى الفلسفة أو اجتهادات المتكلمين وفذلكاتهم.

واختصاص الرب بصفات الكمال، وان الصريح من مقتضى العقول لا يمكن ان يختلف أو يتناقض مع صحيح المنقول، والكتاب والسنة هما المرجع الأساسي والرئيس في أصول الدين وفروعه بحمد الله..!!