أشياء كثيرة تحدث عنها المفكر المغربي المعروف والمناضل السياسي عبد الكريم غلاب في كتاب ذكرياته «القاهرة تبوح بأسرارها» الذي خصص معظم صفحاته للحديث عن سنوات دراسته الجامعية في العاصمة المصرية.

حيث كان الدكتور طه حسين من بين أساتذته. وها هو هنا في صفحات من هذه الذكريات يرسم لنا صورة فكرية لطه حسين، أهميتها انها تكشف نظرة مثقفي المغرب العربي الى صاحب «حديث الأربعاء» و«في الأدب الجاهلي».

في كلية الأدب التقيت بأساتذة اعرف منهم أكثر بكثير مما كان يعرف معظم زملائي الطلبة، كما كان الأمر في كلية الحقوق، وكان من بينهم طه حسين. وقد اختار في سنتنا تلك ان يخالف المألوف في دراسته الجامعية.

كان من عادته ان يتناول في دروسه مع طلبة السنتين الثالثة والرابعة دراسة الأدب الجاهلي بطريقته التي اتبعها في كتابه «في الأدب الجاهلي» الذي أثار عليه ضجة كانت من أسباب شهرته، ثم الأدب الأموي والعباسي بطريقته التي اتبعها في كتابه «حديث الأربعاء» وذلك بأسلوبه الجامعي المدقق الذي يقف عند الأفكار الكبرى في الأدب، وليس عند تاريخ الأدب الذي كان يتركه عادة لدروس يقوم بها معيد في الكلية تحت إشرافه ويتابع فيها منهجه العلمي.

ولكن في سنته تلك ارتأى ان يبدأ تدريسه مع طلبة السنة الأولى بالأدب الحديث، ،لم يكن من برامج الكلية دراسة الأدب الحديث. فالمحدثون لم يكونوا ممن يدخلون حرم الجامعة لان التاريخ لم يعترف لهم بالمكانة التي اعترف بها لامرئ القيس او ابي تمام او المتنبي او المعري.

وبدأ طه حسين دراسة الأدب الحديث ببداية عصر النهضة، في مصر طبعا. فالبلاد العربية الأخرى يكفيها انها عرفت مجد الأدب شعره ونثره في التاريخ. أما النهضة فقد بدأت بمصر وتوقفت عند مصر.

كان طه حسين يدخل حرم الجامعة كاستاذ وعميد. كان يشعر بكرسيه الثابت الصامد بعد ان انتصر في عدة معارك أرسى فيها قدمه كأستاذ الجيل، وقدم الكلية كمركز للبحث والدرس والتفكير. كان يدخل باب الكلية وكاتبه الخاص يتأبط ذراعه ويرشد خطواته بصوت هامس فلا يكاد يتعثر أو يخطئ حتى إذا اقترب منه أستاذ يحييه، كان اسبق منه في ذكر اسمه وتحيته والحديث إليه.

وكان الطلبة والأساتذة يتوقفون في سيرهم إذا ما أهاب بباب الكلية في قامته المستقيمة وبطربوشه الطويل وهندامه الأنيق، يشعر بأنه يدخل محراب علم ومعرفة يخطو فيه يحذر، يقصد مكتبه÷ عادة ما كان يأتي قبل موعد الدرس بساعة أو أكثر ليباشر شؤون العمادة قبل أن يفرغ شؤون الدرس، وينتهي من دروسه ليختلف إلى مكتب العميد يباشر شؤون العمادة ويتحدث مع الأساتذة في مشكلاتهم يستقبل زائرا أو مريدا.

لم يتخلف عن موعد دروسه، ولا وصل متأخرا عن موعد. يلقي الدرس في خمسين دقيقة وكأن فكره مع الساعة. يبدأ الدرس بربط الصلة مع المحاضرة السابقة ويستمر في الجديد من القول حتى إذا اقترب موعد النهاية، بدأ يلخص الأفكار التي قدمها حتى تكون الخاتمة مع الجرس الذي يعلن نهاية الحصة.

مرة واحدة اخطأ الحساب فقاطعه الجرس وهو يلخص. سكت برهة ثم قال ولم يكن يخرج عن موضوع الدرس فيما يقول: أسخف شيء في دور العلم هو هذا الجرس».

وأخذ من فسحة بين الدرسين دقيقتين أو ثلاثا أنهى فيها الحديث. كانت محاضرته لا تقبل المناقشة فهو هنا يملي كما يملي كتبه، لا يناقشه الطلبة ولا يبادلهم مناقشة. ربما كانت هذه السيرة تختلف عن سير محاضري الجامعة او ما يجب ان تكون عليه المحاضرة الجامعية.

ولكن طه حسين كان يخلق من نفسه محاورا يلقي الأسئلة والاعتراضات ويناقشها ويجيب نفسه، كما لو كان هو الطالب وهو الأستاذ. وهو في كل ذلك يثير قضايا أساسية حول النظريات الأدبية وفنون الشعر والنثر مرتبطة بحياة الشعراء والكاتبين الذين يدرسهم.

في الأدب الحديث درس كل الذين أبدعوا منذ نهضة مصر على عهد محمد علي. وتوقف عند اسماعيل صبري والبارودي وشوقي وحافظ. لم يدرس الأحياء فالأحياء من الأدباء لم يكونوا يدخلون حرم الجامعة لا في الدراسة ولا في الرسائل الجامعية.

كان يكلف الطلبة بأبحاث على هامش ما يدرس. واختار احد الطلبة يوما جانبا من شعر شوقي وقدم بحثه للأستاذ كسائر الطلبة.

وتعرض البحث الى حادث غرامي مع سيدة من سيدات المجتمع في عهد شوقي بكلام ربما كان جارحا لكرامة السيدة. تحركت مشاعر الغضب في الدكتور وهو يطلب من الطالب ان يقرأ فقرات من بحثه حتى إذا شفى غليله من كلامه الغاضب، نهض طالب آخر ليقول بصراحة: «يا أستاذ هذا البحث كتبه فلان ومنشور منذ سنوات في مجلة كذا.

وما رأيت الرجل اهتز من الغضب وهو يقول بلغته العربية التي لم يتخل عنها حتى في ساعات الغضب: «وهذه ايضا.... تسرق البحث وتقدح في عرض سيدة. لا... هذا كثير» ولا ادري كيف عالج هذا الكثير في ورقة الامتحانات فالدكتور طه لم يكن يغفر لمن أساء ويؤكد هذا الذين عرفوه عن قرب.

لم يكن يسمح لأحد ان يحدث أو يتحدث الطلبة إليه باللهجة الدارجة، ومرة زاره احد الطلبة÷ الكاتب المسرحي لاحقا نعمان عاشور وكان اعتاد ان يكتب مسرحياته الجيدة باللهجة العامية، قال نعمان وهو يقدم نفسه: «انا احد طلبتك يا دكتور»، فأجابه طه حسين بصراحته الساخرة: «لا لست من طلبتي». «لقد حضرت دروسك ولو أني من خريجي القسم الانكليزي». «يا أستاذ طلبتي لا يكتبون بالعامية».

كان لا يتحدث الى زائريه والأساتذة من حوله بغير العربية الفصحى، كما لا يقبل ان يتحدث الى بعض الأجانب الذين يزورونه بفرنسية مكسرة. كان اكبر الذين كانوا يعتزون بالعربية كلغة تملك ثقافة وحضارة وفكرا وعلما.

لذلك تحس بأنه يشعر بهويته وهو يتحدث بها ويملي ويحاضر ويرتفع الى أعلى قمة السخرية وهو يقرأ لكاتب يستعمل كلمات مرذولة، ولو عبر عن آراء متميزة. وكانت سخريته لاذعة من الدكتور عثمان أمين وهو يطلق على نظريته الفلسفية اسم «الجوانية».

ولقد وقف طه حسين ذات يوم يرثي الكاتبة مي زيادة التي ملأت قلوب المثقفين المصريين تقديرا واعتزازا في الثلاثينات. وكانوا كلهم توافدوا على ندوتها الثقافية كلهم تركت في نفوسهم آثارا من حب بلغ حد الهيام عند بعضهم، وتقديرا بلغ حد الإعجاب عند الكثيرين منهم. وحين أصيبت بنكبتها نقدت الحياة الثقافية في مصر، الإحساس الناعم الذي كانت تبثه منها تلك الفتاة اللبنانية الجميلة المثقفة المتحضرة.

بكاها كثير من المثقفين في محنتها قبل ان تموت، وعادت الى مصر بعد ان شفيت وافرج عنها من مستشفى المجانين. فكانت وهي تحاضر في قاعة إيوارت مئات الشباب المثقفين زهرة ضائحة بالبهاء والجمال والفكر النير. رغم التاج الفضي الذي كان يطل مجللا هامتها.

ولقد عرفت ساعتئذ لم أحبها من أحبها من المثقفين. ولم أعجب بها من أعجب. ولكن سنة وبضعة أشهر بعد ذلك كان كبار المثقفين في مصر يمجدون ذكراها الأربعين بعد ان قضت، فكانت آخر السيدات العربيات اللاتي ازهرن الحياة الثقافية العربية بالأدب الرفيع والذوق الجميل والعلاقات السامية. ولقد كان طه حسين وهو يرثيها يعتصر الألم الذي أحس به المثقفون. كلماته نقلت إلينا نحن الحاضرين أي اثر تركته مي زيادة في الأدب العربي الحديث والثقافة العربية والحياة الفكرية في الوطن العربي.

وحضرت مرة محاضرة في كلية الحقوق ألقاها الاستاذ عباس عشماوي وهو احد كبار القانونيين ووزير المعارف في إحدى الحكومات. وكان من رأيه الا تمض الجامعة المصرية في استقبال الطلاب العرب.

ولم يكد ينته من محاضرته حتى نهض الدكتور طه حسين يجابهه دون استئذان بكثير من العنف مطالبا بتشجيع كل البلاد العربية على إنشاء فريد من الجامعات لان الجامعة هي بيت العلم والبحث والحكمة والتقدم الحضاري....