دأب الفنان العربي والمسلم، على استخدام الحروف العربية في أكثر من مجال فني تطبيقي، وتعبيري وجمالي، فاعتمده في العمارة، وتزويق الحرف والصناعات والمشغولات اليدوية، وتفنن بطرزه وأنواعه وأشكاله، فكان الخط الكوفي، والثلث، والنسخ، والتعليق، والديواني، والفاطمي، والرقعة.. وغير ذلك.

كتب الخطاط العربي القرآن الكريم بأبدع الحروف، وكذلك المخطوطات وكتب الطب والعلوم والشعر والأدب والتاريخ. أدخله على الرسوم التوضيحية، وزخرف به الحواشي والأغلفة والواجهات المعمارية وسطوح المشغولات والأبواب والنوافذ والمنابر، كما أدخله أنواع الأنسجة كافة،

وحاول به ومن خلاله، الرسم والتشخيص، حيث حوّل الكلمة إلى شكل وهيئة تمثل معناها وما ترمز إليه، كأن يرسم بكلمة «عصفور» عصفوراً، وبكلمة «شجرة» شجرة، أو يستخدم عبارة أو نصاً كاملاً، في تشخيص مضمون هذه العبارة أو النص... وهكذا.

البعض الآخر من الخطاطين أو الفنانين العرب والمسلمين، حاول عكس مضمون الكلمات والعبارات والنصوص، من خلال تشكيلات لا تشخيصية، أو شبه تجريدية، حيث تركوا لحركة الحروف، وتكوين اللوحة العام، المؤلف من الكلمات وتوزيعات الرسم واللون، الإيحاء بمضمون الكلمات والعبارات.

من هؤلاء الفنان «محمد الحسن الداغستاني» الذي يأخذ في أعماله الحروفية آية قرآنية، أو مثلاً شعبياً، أو حكمة متداولة، أو عبارة متكاملة المعنى والدلالة، ثم يقوم بإخضاعها لصياغة تشكيلية زخرفية تتداخل فيها الألوان والمساحات والخطوط، مشكلة تكوينات فنية فيها الكثير من حساسية السجاد الشعبي العربي بتشكيلاته وألوانه،

ما يجعلها سهلة التحويل إلى جداريات نسيجية رائعة، ذلك لأن طبيعة صياغتها التشكيلية البسيطة والجميلة في أشكالها وألوانها، تساعد كثيراً على تحقيق ذلك، إضافة إلى الملمس الخاص الذي تميزت به الألوان وتكنيكها الخشن الشبيه بخواص الخيوط الصوفية والقطنية الملونة المنسوجة.

هذه الخاصية، تنطبق على معظم أعمال الفنان الداغستاني الحروفية التي يعتمد فيها على خط ثابت، انسيابي السمة، مشكلاً من الأقواس الرشيقة، والاستدارات اللينة، تتحول فيها النقاط إلى دوائر، بغية خلق حالة من التوافق والانسجام بين الحروف والنقاط، وبينها وبين الخلفية التي يقوم بتقسيمها هي الأخرى، إلى مجموعة من المساحات اللونية المتداخلة مع معمار الحروف، بهدف شدها إليها، وتمتين البناء التكويني التشكيلي للعمل ككل.

هذه الصياغة، تقترب بأعمال الفنان الداغستاني من خاصية الاتجاه التكعيبي في التشكيل العالمي المعاصر، وبالتالي يمنحها نوعاً من التفرد والاستقلالية، عن التجارب الحروفية العربية والإسلامية المعاصرة التي باتت أكثر من أن تحصى وتعد، في الحيوات التشكيلية العربية والإسلامية المعاصرة المنشغلة بهم المواءمة بين التراث والمعاصرة.

وقد ذهب البعض من الخطاطين والفنانين ومهندسي العمارة، العرب والمسلمين، إلى تحويل الحروف والكلمات العربية، إلى نوع من المجسمات الفراغية، أو النصب التذكارية الساكنة على مداخل المدن والبلدات، أو في الشوارع والساحات. وهي إما تزيينية بحتة، أو اعتبارية احتفائية رمزية، تعكس قيماً عظيمة مقدسة، بعضها يرتبط بالدين ورموزه، وبعضها الآخر بالشهادة والشهداء، وبعضها الثالث، يشير إلى اسم المدينة أو البلدية، أو أحد شخصياتها البارزة.

محمود شاهين