أبدى بعض الرحالة الكولونياليين البريطانيين أسفهم على ما ستؤول إليه الصحراء العربية.. صحراؤهم.. من تشويه سيصيبها بدخول الآلة الحديثة من سيارات وغيرها. فهل كان يا ترى لذلك الأسى والأسف ما يبرره في الحقيقة؟.

«إن إدخال الآلة إلى تلك المنطقة التي تتميز بالهدوء والسكينة كان يبدو أمراً غير مستساغ لأنه قد يشوه جمال الصحراء، على أن الأحاسيس التي تنشأ من خلال العمليات البطيئة لمثل هذه الرحلة، وكيفية التعامل مع رفاق الرحلة عبر شهور طويلة،

رغم ما هم عليه من الطباع الصحراوية، إلى جانب ما كانوا يتصفون به من خصال الشجاعة والرجولة، فإن كل هذه الأشياء بما فيها المسيرات الطويلة ومنظر القافلة، وحدة تجمعت لتشارك في رسم تلك الصورة الساحرة للجزيرة العربية.

هذا التبرير الذي يسوقه الرحالة برترام توماس والذي يرى في إدخال الآلة ما قد يشوه جمال الصحراء، صحراء الرومانسية الاستعمارية ـ الاستشراقية إن صح التعبير، سيسوقه فيما بعد ثيسجر الذي سيجوب آفاق المنطقة نفسها صحراء الرابع الخالي 1947 ـ 1948 وسنشير إليه فيما بعد.

ولعل أول سؤال كان يتبادر إلى أذهان البدو ويسألونه هو عن هويته ويشير إلى ذلك بالقول: «كان السؤال الذي يتكرر توجيهه إليّ من عرب الصحراء، هو السؤال عن هويتي ومن أي العرب أكون؟ وكلمة العرب تعني القوم أو جنسية الشخص، لا بمعناها العرقي».

ومازالت إلى اليوم تُستخدم صيغة السؤال نفسها وبالمعنى نفسه عند البدو، وكلمة «عرب» تعني لدى البدوي أيضاً «ضيوف» أو «بشر» بصورة عامة أو «ناس» ثم يناقش توماس نظرية: هل العرب من الناحية العرقية كلهم من أصل واحد ؟ فيجيب:

«إن هذه النظرية على أي حال لا يؤيدها كل من العالم جليسر والرحالة بيرتون، فعلى حين يعتقد الأول أن العرب ليسوا من أصل سام، وإنما هم من أصل حام، فإن الأخير أشار إلى أنه قد جمع من الأدلة القاطعة ما يثبت أن العرب ليسوا كلهم من أصل واحد وإنما ينحدرون من ثلاثة أصول عرقية متباينة عن بعضها البعض،

فإن افتراضات الرحالة بيرتون بوجود ثلاثة اختلافات فسيولوجية تكفي لوضع نشأة العرب موضع التساؤل، «رأيي ان الفوارق التي أشُير إليها قد ظهرت في الأجزاء الوسطى من جنوب الجزيرة العربية وهي ليست فوارق فسيولوجية فحسب وإنما فوارق لغوية وثقافية بحيث أنها تمثل تحدياً للقائلين بأن شعوب جنوب الجزيرة العربية تؤلف وحدة عرقية متكاملة».

مواضيع تناولها الرحالة

ومن هنا لا بد من ذكر عدد من المواضيع المشتركة التي تناولها أغلب الرحالة الذين جابوا منطقة شبه الجزيرة العربية، ومنها مواضيع تطرق إليها الرحالة الذين (عبروا) صحراء الربع الخالي، وهي مواضيع لها خصوصيتها ربما بسبب طبيعة المنطقة وطبيعة أو عادات وتقاليد القبائل الني تجوب هذه المناطق.

من هذه المواضيع العامة على سبيل المثال: العلاج الروحي والسحر، نظام الاستطلاع، حماية العدو المستسلم، كرم البدو، حماية الدخيل، نظام المرعى والديرة القبلية، والتنقلات السنوية، حياة البدوي الشاقة النجعة، و الآثار، الخيمة ولوازمها، نظام البدو الاجتماعي، الضيوف وتقاليد الضيافة، وحرمة النساء، الزواج والطلاق، ملابس الرجال والنساء،

الأدوية والعلاج البدوي، الوشم، بعض العبارات المستخدمة في مواقف مختلفة كالعزاء، والزواج أو عند الأكل، وطقوس صنع القهوة، العيد بين البدو، الفصول والرياح والأمطار والموت والدفن والعالم الآخر، رواية القصص، الصيد بالصقور، إعلان الحرب، وصيحات الحرب، الأدلاء وقص الأثر، والإبل أنواعها وسلالاتها المشهورة، الرق، الطيور البرية وأنواعها، عداوة الدم، الخاوة (أو الخوّة)الخ.

هذه المواضيع وغيرها في الحقيقة لم يتناولها الرحالة فقط، بل ومن ضمن من بحث فيها وكتب عنها أيضاً المستشرقون والأنثروبولوجيون والمهتمون بالآثار من الاركيولوجيين والمهتمين بالسلالات وأنواعها من الاثنولوجيين واللغويين والمؤرخين وغيرهم من المهتمين بموضوع البدو والبداوة.

أما أهم المواضيع المشتركة التي تطرق إليها رحالة الربع الخالي في كتاباتهم فهي: أمور ذات أهمية جغرافية خاصة بالمنطقة كتحديد منطقة (البحر الصافي) أو أم السميم، عادة التقبيل على الأنف بين سكان الصحراء بدل المصافحة باليد، الثأر، الاعتقاد بالسحر، ومعتقدات أيام السعد وأيام النحس، المرعى وأنواع الطعام، مهمة الدليل في المناطق الصحراوية، معرفة البدو أسماء البروج والكواكب،

الأسباب التي تدفع القبائل قديماً إلى عمليات القتل والنهب، اقتفاء الأثر، مجاهل الربع الخالي، لهجات القبائل، الأسماء الإقليمية للرمال، طقوس وعادات الزواج، قرابين الدم، الختان عند القبائل، بعض العبارات المستخدمة عند بدو المنطقة، الحسد وطقوس النار، سؤال البدو للرحالة عن سبب قدومهم، التيمم والوضوء والصلاة، خصائص القبائل الجبلية والصحراوية، الخطوط والنقوش على بعض الصخور،

وقبور الأولياء، مواقع الآبار وأسمائها وسبب تسميتها، وملاحظات واستشهادات رحالة سابقين وصلوا أرض الجزيرة العربية، شجر اللبان، الأودية، المطر بالنسبة لسكان الصحراء، فلسفة التوكل على الله عند البدو أو الإيمان بالقضاء والقدر، تخطيط الخرائط وصعوبات ضبط التوقيت،

تسامح البدو،اتهام بعض البدو بعدم التقيد بأداء الشعائر والفروض الدينية، المعتقدات الشائعة، بعض المواقع الأثرية والحديث عن مدينة (أوبار) أو (أفار)، طريقة تحضير الخبز، أعلى كثبان الرمال، مناداة الرجل باسم ابنه، الخيول والصحراء، أصُول عرب الجزيرة العربية، أزيز الرمال أو قول البدو بأن (الرمال تغني). الخ.

أما نظرية إن العرب ليسوا كلهم من أصل واحد، فقد ناقشها أغلب الرحالة الذين جابوا منطقة جنوب الجزيرة العربية، بل وضع السير أرثر كيت ود.ويلتون كروجمان ملحقاً لرحلة توماس ضمناه دراسات عن أصول عرب الجزيرة العربية وعرب الجنوب، ومن أين جاءت قبائل الجنوب،

ووضع خريطة توزيع قبائل المنطقة الجنوبية من شبه الجزيرة العربية، ضمنها أيضاً بحوثاً س.ج.سيلجمان حول سكان المنطقة، وفحص توماس لبعض الجماجم ومقارنته بين عرب الجنوب والصوماليين، ومقارنات أحجام الرؤوس مع الرؤوس الأرمنية وأشكالها، ومقارنة الخواص الحامية الموجودة في عرب الجنوب، ومقارنات بين عرب الجنوب وعرب الشمال. ثم دراسة سلالات قبائل اليافع والقرا والمهرة والشحرة.

ودراسة عن الآثار والحفريات التي وجدها في المنطقة. وهذا ما لم يقم به ثيسجر بعده حين زار المنطقة بل أشار إليها في كتابه (الرمال العربية) إشارات عابرة فقد كان اهتمامه منصباً على مواضيع أخرى سنأتي على ذكرها عند الحديث عن رحلته بالتفصيل.

* بداية رحلة الاستعدادات

يذكر توماس أنه اختار لمرافقته مجموعة من البدو من قبيلة الرواشد هم سهيل وخويتم ومعيوف وقد اختار ثيسجر بعده أيضاً عدداً من بدو الرواشد لمرافقته اشتهر منهما (بن كبينة) و(بن غبيشة). ويصف توماس هذه القبيلة بأنها «أهم قبيلة في منطقة الرمال الجنوبية ولم أكن لأستطيع اجتياز الربع الخالي بنجاح دون مساعدتها»

وقد وجد توماس بالفعل الاستعداد لدى هذه القبيلة لمساعدته: «فكرت في تجهيز فرقة تحملني إلى بعض عيون الماء الواقعة على حافة الصحراء حيث يحتمل وجود ثلاث من هذه العيون، وأن أعهد إلى قبيلة الرواشد بانتظاري هناك لتأخذني إلى وجهتي وقد بنيت هذا القرار على أساس العلاقة السابقة التي تربطني بهذه القبيلة وما لمسته من استعداد لديها لمساعدتي».

وحين التقى «خويتم» و«معيوف» كشف لهما عن خطته لاجتياز الرمال بمساعدة من قبيلتهم بعد أن اخذ عليهما عهداً بعدم إفشاء السر ووعدهما بمكافأة سخية إن التزما بذلك. وبعد هذا الاتفاق «خرجا مودعين وكانت لهجتهما إلى حد كبير تبين معدنهما الصلب وقوة إرادتهما» ثم تحركا في طريقهما إلى منطقة الجبال حيث كان هناك أحد زملائهما ويدعى «سالم طميطم» وكان الغرض من التوجه إليه أن يزودهما بأفضل أنواع الجمال ومن هناك يتسللان سراً إلى الصحراء.

وقد علق توماس على عودتهما ببعض رجال القافلة التي سترافقه أمالاً كبيرة وإلا سيكون الفشل من نصيبه، وبقي ينتظرهما في ظفار «يحدوني أمل ضعيف في نجاح المهمة التي جئت من أجلها». وعند إقامته في ظفار يصف المنطقة بأنها تُعد من المناطق المحظوظة «فهي تتميز بمناخ فريد، إذ تهب عليها الرياح الموسمية القادمة من الهند خلال شهور الصيف فتسبب هطول أمطار غزيرة عليها وتحيلها إلى فردوس مقيم،

وعلى هضاب هذه المنطقة تتكاثر أشجار اللبان التي يرجع لها الفضل في شهرة هذه المنطقة، فهذا المحصول القيم مصدر رخاء منطقة ظفار على مر العصور، و ظفار تلك التي نعنيها هي غير ظفار الريان التي تقع في اليمن» ويتحدث عن القبائل التي تستوطن المنطقة فيذكر بأنهما «قبيلة القرا التي تقيم في منطقة الجبال، وتعتمد في حياتها على الرعي وزراعة اللبان،

وقبيلة آل كثير التي تعيش على الصيد والزراعة في القرى الواقعة على السهل، وعندما يضطرب البحر في شهور الصيف الممطرة وتهب العواصف ويتعذر الصيد تهاجر هذه القبائل من السهل إلى المرتفعات حيث تتوافر المراعي ويحل موسم حصاد اللبان».

يشير توماس في كتابه العربية السعيدة إلى تاريخ المنطقة بقوله «أما الأمجاد التاريخية لظفار فهي محدودة ببعض الفترات بدءاً من العصر الإسلامي عندما حكمها محمد بن أحمد المنجوي، الذي لا تزال آثار عاصمته قائمة إلى اليوم على ضفاف بحيرة روري. ويعد المنجوي من أهم الشخصيات التاريخية المرتبطة بالمنطقة والتي يتردد ذكرها على لسان المواطنين وتنسب الآثار الموجودة في هذه المنطقة إلى عهده.

وبعد المنجوي، حكم المنطقة سالم بن إدريس الحبوضي، وذلك في عام 1279 بعد الميلاد وبسبب موجة الجفاف التي أصابت حضرموت موطن سالم. نزح فجأة إلى ظفار، يدفعه من ناحية حبه لهذه البلاد، ثم طمعه في الاستيلاء عليها.

وفي القرن السادس عشر ظهر الملك المظفر الغساني الذي ينحدر من إحدى قبائل صنعاء، ويعتبر قصره في البليد من أهم الآثار الباقية في سهل ظفار، ولقد عمت المنطقة فوضى قبلية استمرت نحو مئة عام، وأسفرت عن استيلاء أحد أفراد عشيرة الكثيري على السلطة، ثم تلا ذلك فترة أخرى من الصراع لم تبرز خلالها أي شخصية مهمة، وامتدت طوال القرن الثامن عشر.

وفي بداية القرن التاسع عشر قام أحد السادة الذي يمتد نسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم واستولى على الحكم الذي دام نحو خمسة وعشرين عاماً إلى أن اغتاله أحد أفراد قبيلة القرا. وبعد خمسين عاماً من هذا التاريخ وفي سنة 1880 بعد الميلاد على وجه التقريب ظهر على المسرح فضل بن علوي، وقد بنى ادعاءه بحقه في السلطة على أساس تفويض منحه إياه الحكام العثمانيون غير أنه أقصي عن السلطة بعد فترة حكم قصيرة.

وكان من نتيجة ذلك أن قرر أهل ظفار اللجوء إلى البيت الحاكم في مسقط ـ إن سلطة العثمانين كانت محيطة بظفار قبل هذا التاريخ بزمن طويل ولكن استقرت من عهد البوسعيديين - يعرضون عليه أن يتولى حكمهم. وسرعان ما تطور نفوذ آل بوسعيد في هذه المنطقة تطوراً كبيراً. ولقد رحب أهل ظفار بهذا القرار أيما ترحيب».

وفي مدينة صلالة التي وصلها لمقابلة أحد «أغنى تجار المنطقة» حل ضيفاً عليه ونزل في قصره، ويصف مباني المدينة العالية المتعددة الطوابق والمبنية من الأحجار المنحوتة من تربة السهل بأنها تشكل منظراً ساحراً فضلاً عن الزخرفة والتشكيلات المتنوعة والتي كانت في مجموعها رمزاً لعصر من العصور،

حيث تعتبر زخرفة السقوف التي تسمى بلهجة أهل المنطقة بـ (التباشير) السمة المميزة للبيوت الكبيرة وتتم هذه الزخرفة في زوايا السقوف وفي الأطراف وهي تشبه الزخرفة التي كانت سائدة في بترا ومعان في عهد النبطيين. وقد علمت بأن هذا النوع من الزخارف منتشر في منطقتي الشحر والمكلاو غيرها من مناطق حضرموت ولم ير ما يشابه هذه النقوش والزخارف في عمان.

ومن الأسئلة المتوقعة التي يمكن أن يوجهها بدو المنطقة لرجل أجنبي يختلف عنهم في الشكل والحجم واللون واللغة، حيث يذكر توماس أن أحد شيوخ القبائل سأله يوماً : لماذا أنتم أيها الأوروبيون كبار الحجم بينما نحن لسنا كذلك؟

يقول: فأجبت، لعل السبب في ذلك هو المناخ والتربة.

فرد عليه الرجل البدوي: إن العالم هو الله. إننا أصغر قامة من أجدادنا، انظر إلى القبور في منطقة خور روري تجد أن طول الواحد منها عشرين قدماً، لقد كانت أجسام أجدادنا بهذا الحجم وتلك القامات، يقول توماس: فأومأت إليه بالإيجاب مؤكداً على قوله، الله العالم فعلاً. حتى لا أمس شعوره الديني.

ليعود ويتحدث مجدداً عن السمات العرقية والسلالات، ويورد معلومات في هذا الصدد كتبها الجنرال ميتلاند، المقيم السياسي البريطاني في عدن في ذلك الوقت (يذكر توماس أن معرفته بالمنطقة بدأت من عام 1915 إلى أن قام برحلته الأولى عام 1927).

تأليف: عمار السنجري