إنه رجل ينتظر أن يظهر هلال شهر رمضان المبارك حتى يخرج من بيته لممارسة عمله الموسمي. هذا العمل الذي يبدأ مع ساعات الليل الأخيرة وينتهي عندما يستيقظ الناس على ايقاع طبلة المسحراتي (كانت تسمى قديما البازة) ونداءاته، انه إزعاج محبب على قلوب وآذان النائمين، فهو دعوة إلى تناول طعام السحور قبل أن يضرب مدفع الإمساك، معلنا بدء يوم الصوم.
* المسحراتي قديماً
مهنة المسحراتي ليست حديثة العهد وان اختلف شكلها وتنوعت طرق ممارستها ففي عهد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، كان الصحابي بلال بن رباح، رضي الله عنه، أول مسحراتي في التاريخ الإسلامي حيث كان يجوب الشوارع لإيقاظ الناس للسحور طوال الليل ولحين أذان الفجر الذي يتولاه ابن أم مكتوم.
واستمر هذا العمل بالانتشار والتطور حتى بات المسحراتي في العصر العباسي ينشد شعرا شعبيا يسمى «القوما» طوال ليالي رمضان، أما بداية ظهور الإيقاع أو الطبلة في يد المسحراتي فكانت في مصر حيث كان هذا الرجل يجوب الشوارع وفي يده الطبلة وقطعة من الخشب ليقرع بها عليها.
* في لبنان
وقد وصلت هذه الحرفة إلى لبنان فانتشرت في الريف وضواحي العاصمة بيروت لتعود وتسود في مختلف المناطق اللبنانية المسلمة. وقد درجت العادة أن يكون المسحراتي رجلا كهلا مارس المهنة طيلة حياته، يأتي وحيدا وينادي كل شخص على حدة باسمه حتى يتأكد من استيقاظه،
وكان يتعرض لمضايقات الأطفال الذين يلحقون به ويحاولون الوصول إلى الطبلة في يده. وكان المسحراتي معروف بالأناشيد التي يبتكرها فتجذب الناس وتسليهم وتخفف عنهم وطأة الاستيقاظ من نوم لذيذ ليصطفوا على شرفات المنازل ويراقبوا المسحراتي بثيابه التقليدية.
أساليب جديدة
أما الآن فقد تغير الأمر إذ أصبحنا نرى ثلاثة أو أربعة شبان ينطلقون خلال الليل في جولات متعددة، يحمل كل واحد منهم آلة موسيقية: طبل، مزمار، دف واحدهم يحمل المذياع وينشد العديد من اللازمات التي عرفت منذ القدم وما زالت تتردد حتى الآن من قبيل( اصح يا نايم، وحد الدايم ـ قوموا على صحوركم ـ أهلا أهلا يا رمضان...).
ولا يقتصر فعل «التسحير» على عمل الشيخ الكهل أو الشباب المتحمس للشهر الكريم. ففي السنتين الأخيرتين بدأت جهات دينية مختلفة تعتمد وسائل أكثر حداثة في التسحير، فتخلت عن دور المسحراتي واستبدلته بسيارة أو شاحنة كبيرة تحمل مسجلات ومكبرات صوت وتذيع أناشيد دينية خاصة بالشهر الكريم.
لا يطلب المسحراتي مبلغاً كبيراً من المال لقاء عمله لأنه ينظر إليه بوصفه عملاً حسنا ومباركاً في هذا الشهر الكريم، لذلك فإن بعض المسحرين يجولون على المنازل في أول أيام عيد الفطر ليحصلوا على مبلغ متواضع يكون بمثابة المعايدة من أهالي الحي وبادرة لطف وتعاون في يوم العيد.
* منافسة التزوير
تواجه مهمة المسحراتي حالياً منافسة شرسة تجلت في ازدياد أعداد رواد المقاهي والخيم الرمضانية التي قد تلجأ في بعض الأحيان إلى استقدام أو الى «تزوير» مسحراتي لإضفاء أجواء تراثية على جلسات الساهرين، من ناحية أخرى فإن ازدياد ساعات السهر الى ما بعد منتصف الليل أمام شاشة التلفزيون خففت كثيرا من الحاجة إلى المسحراتي.
إلا أن هذا الأمر لا يعني أن المسحراتي اختفى أو زال من الوجود. وان كان إيجاده في شوارع المدن الراقية أمراً نادراً فانك ستجده حتما في أية قرية لبنانية، لا يأبه ببرد قارس أو بلهب حارق، يخرج في الليل ويدور بين البيوت، محافظا على عادة مميزة من عادات شهر رمضان التي شارفت على الانقراض.
بيروت ـ دينا زين الدين
