الحضارة الإسلامية قامت على منظومة تشريعية متميزة تستمد أساسها من مصادر إلهية متمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية ومن خلال هذه المنظومة نجحت الدول الإسلامية المتعاقبة التي حكمت مساحات شاسعة من العالم في تحقيق العدالة والأمن والسلام والاستقرار والتعايش بين الشعوب المختلفة الأعراق والأجناس والأديان.
ومع ضعف العالم الإسلامي وسقوط الخلافة الإسلامية وخضوع البلاد الإسلامية للهيمنة الاستعمارية بدأ الاستبدال بالقوانين الإسلامية قوانين وضعية تستند إلى فلسفة مختلفة عن الفلسفة التي تقوم عليها قوانين الإسلام وتشريعاته والتي تقوم على الأخلاقيات ورقابة الضمير والإيمان بأن الله مطلع على كل إنسان ومحاسبه. وهذه القوانين الوضعية أدت إلى تزايد النزاعات وتراكم مئات الآلاف من القضايا أمام المحاكم وأوجدت نوعا من القلق وعدم الاستقرار في المجتمع الإسلامي.
وفي مختلف أنحاء العالم الإسلامي تتصاعد الآن دعوات لتطبيق الشريعة الإسلامية وإحلالها من جديد محل القوانين الوضعية ويؤكد البعض أن تطبيق الشريعة هو وحده الكفيل بتقدم الأمة الإسلامية ونهوضها من كبوتها واستعادة مجدها وحضارتها، رافضين لفكرة الفصل بين الدين والدولة التي تدعو اليها التيارات العلمانية والتي قامت عليها النهضة الغربية.
في هذا الحوار مع فضيلة الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق نتعرف على المنظومة التشريعة في الإسلام والتي نجح المسلمون من خلالها في إقامة حضارة إسلامية استمرت قروناً طويلة واسباب تراجع هذه المنظومة وكيفية استعادتها في الوقت الحاضر:
* الدولة الإسلامية حكمت معظم شعوب العالم في الماضي وكان لديها منظومة تشريعية متكاملة تقوم على القرآن والسنة ومع انهيار الدولة الإسلامية ووقوع الشعوب الإسلامية فريسة للاستعمار الغربي بدأت ظاهرة استيراد القوانين الوضعية فما الذي أدى بالمسلمين إلى هذا الوضع المزري في مجال التشريعات والقوانين؟
ـ الشريعة الإسلامية حضارتها في ذاتها وفي عقيدتها وأخلاقها فالشريعة كاملة متكاملة صالحة للدين والدنيا معا والتطبيق العملي لها تطبيقا صحيحا وسليما بحيث تتوازن العقيدة مع الأخلاق مع الشريعة سوف يحقق الهدف المنشود منها وهو السلام العالمي وتحقيق الأمن والأمان للبشر جميعا مع التوازن المادي والاقتصادي بين الإنسان والحياة التي يعيش فيها
بحيث تكون كالأواني المستطرقة ويحيا الناس جميعا كل حسب جهده وقدراته بعيدا عن الغش والتدليس والاحتكار والقتل والعنف والإرهاب ويعيشون جميعاً في سلام في داخل إطار الشريعة من خلال عقيدتها وأخلاقياتها والمنهج الذي تنظمه بين الناس ويحكم الناس به والتطبيق العملي لذلك في العصور الإسلامية الأولى وفي زمن النبوة والخلافة الراشدة وما تلاها من المراحل،
وبخاصة في عهد عمر بن عبد العزيز الذي يعتبر خامس الخلفاء الراشدين حتى مع وجود بعض الانحرافات المادية ـ وهي من طبيعة البشر ـ في ظل الخلافة الإسلامية فإنها حققت هذا الهدف وهو الحضارة للبشر جميعا في الشرق والغرب وحتى حضارة الغرب نفسها قامت على حضارة الإسلام والإسلام قام في حضارته على مبادئه وأخلاقياته مع الاستفادة مما سبقه من حضارات من الناحية المادية والروحية
وبنى عليها لأن الحضارات البشرية كلها وحدة متكاملة والبشر أصلهم واحد كما قال الله - سبحانه وتعالى- : «يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» فهم جميعا أسرة دولية واحدة وفي هذا الإطار فإن الإسلام لا يفرق في مجال الحياة المادية أو الاستخلاف الأرضي بين إنسان وإنسان أو بين جنس وجنس أو بين لون ولون أو بين ثقافة وثقافة أو بين عقيدة وأخرى لأن العبرة بالإيمان والعقيدة هي لله سبحانه وتعالى
وهو الذي يحاسب عليها في الآخرة اما بالنسبة للحياة الدنيا والاستخلاف فيها فهذا قائم على تحقيق الأمن والسلام وتعامل البشر فيما بينهم والحضارة الإسلامية ظهرت بعدالتها بين البشر جميعا في كل البلاد التي فتحت في مصر والعراق والشام وفي الأندلس وإفريقيا وكل البلاد التي تم فتحها لم يكن ذلك بالقتال وإنما بالدعوة والحكمة وأغلب دول شرق آسيا دخلت الإسلام عن طريق الهجرات والقوافل التجارية وليس عن طريق الجيوش والأسلحة وحققت الحضارة فعلا ونمت.
* الاستعمار الغربي
*لماذا حدث التراجع بعد ذلك ؟
ـ التراجع والتأخر الذي حدث لنا يرجع في جزء منه إلى تخلخل الجانب الديني لدى المسلمين وابتعادهم عن دينهم وعقيدتهم وانخداعهم واغترارهم بمظاهر الحياة الدنيا والجزء الآخر يرجع إلى أن غير المسلمين استغلوا هذه الفرصة فبدأوا يفرقون بين المسلمين ويشيعون الفتن وينشرون مبادئهم غير الأخلاقية التي تفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان وهذا ما أدى إلى نشوب القتال والحروب
سواء كان ذلك على المستوى الداخلي أو الخارجي وفي نهاية الأمر أدى هذا إلى تفرق المسلمين بعد ان كانوا خلافة واحدة، إلى دول ودويلات ووقوع الدول الإسلامية فريسة للاستعمار من الغرب بعد أن ضعفت شوكة المسلمين وقوتهم وبدأ الغرب بحضارته المادية فقط البعيدة عن الروحانيات يؤثر في الجانب الثقافي في المسلمين في مراحل معينة حتى غرس في نفوس غير المتمسكين بعقيدتهم وشريعتهم
أن هذه الحضارة الغربية المادية هي الحضارة التي يجب أن تسود بين الناس جميعا بدليل التكنولوجيا والتقدم الذي تحقق على أيدي هذه الحضارة وهذا يعد نوعا من الإغراء الذي أغرى العلمانيين والإلحاديين الذين نظروا للإسلام على انه عقيدة فقط ويطالبون الآن بالفصل بين الدين والدولة في البلاد الإسلامية وهذا خطأ فاحش لأن الإسلام عقيدة وشريعة ودين ودنيا وله سياسة عامة فيها الديمقراطية وفيها الشورى والحرية وفيها الحضارة
وتتضمن أيضاً تكريم الإسلام للعلم والعلماء والشريعة تجعل العلماء في مكانة الأنبياء وتجعل العلم الديني والدنيوي يكملان بعضهما البعض سواء كان عالما في الطب أو الهندسة أو الزراعة أو الكيمياء، وقوة المسلمين لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال قوتهم في استخلاف الدنيا وعن طريق العلم وعن طريق التكنولوجيا المتقدمة التي للأسف غابت عن المسلمين في بلادهم وهم أصل في بناء قاعدتها الأساسية،
لكنهم تركوها لغيرهم ونجد أيضاً أن من بين المسلمين من كانوا قوة دعم لغير المسلمين في بلادهم، سواء في أميركا أو في بلاد الغرب فكثير من العلماء الذين لم يجدوا في بلاد الإسلام فرصة لتوظيف واستثمار ما وهبهم الله من العلم والتكنولوجيا انتقلوا إلى بلاد الغرب واستغل غير المسلمين هذه الكفاءات وقامت عليها حضارتهم ونحن نشاهد الكثيرين من العلماء العرب والمسلمين قد نبغوا في بلاد الغرب مثل الدكتور فاروق الباز والدكتور أحمد زويل وغيرهما وفي مختلف التخصصات.
* الدين والدولة
* الدول الإسلامية المتعاقبة حكمت معظم شعوب العالم وكان لها منظومتها التشريعية التي حققت السلام والأمن في العالم فلماذا تخلت عن هذه المنظومة؟
ـ للأسف البلاد الإسلامية بعد وقوعها تحت الاستعمار أراد المستعمر ان يوظف في مجال ثقافته من يهيئه من بعد وسواء كان هؤلاء ممن تعاونوا معه أثناء الفترة الاستعمارية أو فيما بعد الفترة الاستعمارية على انه اذا رحل الاستعمار من البلاد ظل الاستعمار الثقافي ولذلك من تولوا الحكم فيما بعد حاولوا فصل الدين عن الدولة لمطابقة النظام الغربي ظنا منهم ان ربط الدين بالدولة في نظام الشريعة الإسلامية يؤخر الحضارة
وهذا خطأ فاحش فهناك فرق بين الإسلام في نظامه الذي يجمع بين الدين والدنيا وبين العلم المادي والعلم المعنوي ويوازن بين الروح والجسد في حين أن الديانات الأخرى ومنها الدين المسيحي كانت تعتبر ان العلم أو التقدم ضد الحياة وانه في ظل ذلك تأخر الغرب فيما أطلقوا عليه الأصولية وتفشى الظلم والاضطهاد وللأسف نقل مصطلح الأصولية إلى المسلمين وبدأوا يتداولونه وهو ليس من عقيدتهم وليس من شريعتهم.
* الاجتهاد
* التشريعات الإسلامية عجزت في فترة من الفترات عن مواكبة العصر وتلبية احتياجات المجتمع المسلم فهل كان ذلك بسبب الاستعمار ام كان نتيجة لإغلاق باب الاجتهاد؟
ـ بالطبع كان نتيجة للاستعمار اما الاجتهاد فلم يحدث ان توقف أبداً، فالاجتهاد لم يتوقف طوال تاريخ الأمة الإسلامية حتى وقتنا الحاضر لأنه حتى في الفترات التي دعا فيها العلماء إلى عمل الاجتهاد والاعتماد على ما هو موجود
كان ذلك على اساس أن الجهل كان منتشرا وان بعض غير المؤهلين يتصدون للاجتهاد ومناصرة بعضهم لجوانب سياسية بما يضر الإسلام والمسلمين فلم تكن هذه الدعوة من اجل منع الاجتهاد أو إغلاق بابه وإنما من اجل منع دخول غير المؤهلين في مجال الاجتهاد حتى لا يفسدوا على الناس حياتهم ودينهم.
* ما هي الضوابط التي ينبغي مراعاتها عندما نستورد بعض القوانين من الخارج؟
ـ أحد الأسباب التي أدت إلى الإفساد والإضرار بالعالم الإسلامي وتوقف النهضة الإسلامية هو استيراد النظم الغربية من جانب البلاد الإسلامية وتطبيقها وهذا بدأ مع مجيء الاستعمار وتحت حجة ان الإسلام لا يعرف النظم القانونية الحديثة التي هي الآن مطبقة على هيئة مواد وغيرها،
والإسلام كما نعلم نظام كامل متكامل ففقه الإسلام وفقا للشريعة الإسلامية صالح للتطبيق في كل زمان ومكان، ويمكن استخلاص المواد منه ولذلك نجد انه حتى القانون المدني الموجود حاليا في مصر وفي معظم الدول العربية والإسلامية أصله الشريعة الإسلامية
وكل مواده ومجالاته متطابقة مع الشريعة الإسلامية وثبت فعلا مصدرها وقد اثبت السنهوري ان مبادئ القانون كلها تكاد تكون مأخوذة من الشريعة الإسلامية لكن للأسف أصل القانون ومصدره المعتمد عليه هو القانون الفرنسي على حسب ما أخذت كل دولة ونقلت.
القاهرة ـ ضياء الدين أحمد
