سلاطن باشا قد يكون اليوم منسيا بعض الشيء، لكنه كان شخصية مهمة في السودان فترة ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين، فهو كان ضابطا نمساويا تولى حاكمية دارفور في العام1884 وحين اعتقلته جيوش المهدي المظفرة، اعتنق الإسلام ثم فر لاجئا الى الجيش المصري عاملا ضمنه حتى استرداد ونقلة مرام درمان وهو ظل مستشارا لحكومة السودان حتى العام 1814 حين اندلعت الحرب العالمية الأولى وعاد إلى بلاده.

وقد كتب سلاطن باشا مذكرات بعنوان «السيف والنار» اعتبرت وثيقة مهمة حول أوضاع السودان في ذلك الحين. ومن هذه المذكرات هذه الصفحات التي يصف فيها الكاتب احتفال الخليفة عبد الله وبلاطه في العيد. كان الخليفة في السنوات الأولى من حكمه يحضر الى ساحة الاستعراض العسكرية كل يوم جمعة حيث تجري حفلة استعراض الجنود على اختلاف رتبهم ودرجاتهم...

لكنه خلال سنوات حكمه الأخيرة صار يكتفي باستعراض الجيش أربع مرات في السنة لأربع مناسبات هي يوم ذكرى المولد النبوي ويوم ذكرى المعراج وأول أيام عيد الفطر وأخيراً أول أيام عيد الأضحى. وكان ما يذكر عن اعتناء الخليفة عبد الله بحفل عيد الأضحى خاصة، انه كان يجمع فرق جميع البلاد المجاورة مع جنود دارفور والقفارف للقيام بالعرض العام وسط دق الطبول والنفخ في الأبواق.

أما الصلاة في ذلك اليوم فكان يؤديها وجنوده تضرعا الى الرحمن في ساحة الاستعراض حيث يئم الجند وهو واقف وسط غرفة مدببة الحواجز كأنها تشبه المحراب في المسجد الكبير. وفي ذلك الوضع كان يحيط به من خارج الغرفة كثير من ضباطه الاخصاء وبعض أعيان السودان الذين يخصهم الخليفة بثقته وحبه، أما بقية الضباط والجنود والعامة فكانوا يتوزعون في صفوف متلاحقة.

وحين تنتهي شعائر الصلاة يصعد عبد الله الى أعلى منبر خشبي ليلقي خطبة كان حفظها غيبا اذ قرأها له من كتبها من معاونيه. وعند نهاية الحفل كان عدد من الضباط يطلقون سبع طلقات نارية إيذاناً بالختام، وبعد ذلك يتقدم واحد منهم لذبح الخراف الضحية مرسلين لحومها الى السوق العام بواسطة الجنود بغية توزيعها صدقة على الفقراء.

بيد ان هذه الصورة المريحة يجب ان لا تنسينا حقيقة ان سوء الوضع الإداري وفقر الدولة كان لا يتيح ذبح العدد الكافي من الخراف لتقديمها الى المعوزين... ما كان يجعل هؤلاء يستعيضون عن لحم الأضاحي بقصاع تقدم بدورها مجانا، لكنها لا تلقى قبولا عاما.إذا كان ذلك اليوم المقدس لواجب الصلاة والشكر لله، ما يعني انه لم تكن تتم خلاله اية معاملات رسمية. اما التشريفات والمقابلات فكانت تجري خلال الأيام الثلاثة التالية،

حيث يتوجه الى دارة الخليفة عبد الله صباح كل يوم أعداد كبيرة من أمراء واعيان ام درمان وما جاورها حاملين راياتهم ومن خلفهم اتباع يلوح على وجوههم البشر والتفاؤل بقدوم العيد السعيد. وهكذا يجمع كل امير حاشيته ورجاله ويسير بهم الى الناحية المخصصة له في ساحة الاحتفال وانطلاقا من تلك الناحية كانوا يستأنفون سيرهم الى دارة عبد الله، اللهم إلا إذا بادر الخليفة نفسه وأعلن رغبته السامية في التوجه بنفسه الى ساحة الاستعراض.

أما يعقوب ابن الخليفة وصاحب أعلى مكانة في السودان بعد أبيه، فكان يتولى حمل العلم الرئيس الذي هو عبارة عن قطعة من القماش الأسود توضع مباشرة أمام الحاجز المدبب الذي اشرنا إليه، علما بأن العلم يبعد عن الحاجز الى ما يصل الى مائة وثلاثين مترا.

ثم بعد ان يركز يعقوب رايته يقوم بقية الأمراء بتركيز رايتهم التي تميز كل واحدة منها قبيلتهم. علما بأن اكبر بيرق يظهر بعد راية يعقوب كان يجب ان يكون عادة بيرق الخليفة على وادهلو الذي يركز في الجهة الشمالية من الميدان يميزه لونه الأخضر وقيام بعض الخطوط على جانبيه.

اما الناحيتان اليمنى واليسرى بالنسبة الى نقطة تمركز الجيش فهما مخصصتان لطوائف من الحضور معينة: ففي الناحية الأولى ينتشر رجال الخيالة والمجانة وفي الناحية الثانية يقف حملة البنادق النارية وهم عادة من المجاهدين واتباع بعض الأمراء، ولنذكر هنا ان الخليفة لم يكن ليسمح لحملة البنادق بحمل بنادقهم هذه الا خلال هذه الأيام الثلاثة من كل عام.

وفي كل يوم ما ان تبدأ الشمس بالغياب، حتى يبارح الخليفة عبد الله مجلسه في غرفة المدبب فيمتطي جواده يحيط به ضباطه ورجال حرسه الخاص. وفي هذه الأثناء يكون الجيش بفرقه وصفوفه قد بدأ السير، اما الخليفة الذي لا يفوته هنا ان يوزع الجبب والعوائم على المرضى وكبار السن من بينهم

كان المتبع ان يمتطي الخليفة صهوة جواده في مثل تلك المناسبة وعند بدء السير غير ان عبد الله كان في بعض المرات يفضل ركوب جمل خاص به زينت حمائله بشكل فخم غير انني اذكر كيف انه تخطى هذا التقليد المزدوج -تقليد ركوب الخيل او الجمال_ مرة واحدة خلال سنوات حكمه. كان ذلك حين فضّل ركوب عربة كان السودانيون قد اغتنموها في الخرطوم بعدما الحقوا الهزيمة بحاكم عام سابق ولقد بقيت تلك العربة بعد ذلك ملكا للمسلمين فحفظت في بيت المال.

وبما ان ركوب تلك العربة بذلك الشكل الاستثنائي كان أمرا غريبا أثار فضول الجموع لا بد أن نتوقف هنا بشيء من التفصيل عند ذلك الحدث: منذ أخرجت العربة من بيت المال في ذلك اليوم نظر اليها الناس كأعجوبة حقيقية ولا سيما حين راحت تختال بأناقتها وزينتها أمام الدراويش والبائسين من السايلة، يجرها جوادان مطهمان.

واللافت ان العربة راحت تسير على مهل بسبب خوف الخليفة من ان تنقلب العربة في حال ما اذا زاد الجوادان من سرعتهما..ولم يكن ذلك بالامر الغريب طبعا على من لم يعتد ركوب العربات مكتفيا بالجياد والجمال. وفي مطلق الأحوال فان الخليفة بعد تلك المحاولة اليتيمة لم يرتح كما يبدو لركوب العربة،

فأعيدت الى بيت المال ليعود هو الى عادته القديمة المألوفة في المواكب والرحلات أي الى الخروج على ظهر الجواد مباشرة من المسجد الكبير،الى الطريق الغريبة حيث تخفق راية ابنه يعقوب السوداء فاذا ما وصل اليها يتوقف للحظة ليحدق فيها متأملا مظهرا احترامه الكبير لمقامها.

وهنا بعد تقديم هذه التحية السامية الساراية يعقوب، يولي عبد الله وجهه شطر الحاجز المدبب، حيث الى جانبه مكان مسقوف مصنوع من قوائم الاشجار المتراصة بعضها الى البعض الآخر وقد غطيت بحصائر النخيل. فاذا ما وصل الى ذلك المكان نزل عن جواده واستند الى مرتكز يحيط به كبار القضاة والمقربون اليه.

وقد اقتضت التقاليد الدينية في السودان، في ذلك الحين ايضا خروج الخليفة من داره ايام الاعياد الكبرى متجها الى الناحية الغربية من المدينة حيث تقوم ثكنات الجيش وكان من ضمن التقاليد ايضا ان يصطف الجنود في تلك المناسبة وخلال مرور الخليفة وهم ممتشقون دروعا على الطرازين الاوروبي والآسيوي وعلى رؤوسهم خوذات ثقيلة وأغطية قطنية غريبة الشكل ملونة بشتى الالوان. وكان اهم ما يميز تلك الاغطية لفائف مخصوصة تشبه العمائم.

اما الخيول فتكون مسرجة بأقمشة مبطنة وقد يكون هناك تشابه بين تلك الاغطية المبطنة وما كان يضعه الفرسان على خيولهم زمن المبارزات في العصور القديمة.. بحيث انه لن يكون من المغالاة القول ان المتفرج النبيه قد يظن نفسه يحضر استعراضا من استعراضات القرون الوسطى. ثم اخيرا حين ينتهي كل هذا وينتهي ثالث ايام العيد، تعود جماعات الجنود الى بلدانها وثكناتها مسبحة بحمد الخليفة في انتظار العيد المقبل.