أقسم الله العلي القدير بالسماء ذات الحبك وذلك فيما جاء في سورة الذاريات آية «7» (والسماء ذات الحبك) صدق الله العظيم. وجاء في التفاسير أنها السماء ذات الحسن والجمال ولكنها أيضاً تحمل معنى أنها محبوكة وقوية ومتينة ولا تسمح بتسرُّب أي قطرة من الماء خارج الغلاف الجوي كما لا تسمح بتسرُّب الموجات الصوتية وإلا أصبح حالنا كما على سطح القمر ولا تسمح بتسرُّب الجاذبية الأرضية فنكون سكارى كما على سطح القمر، بل السماء الدنيا ذات الحبك.

كما أنه يوجد ربط مصيري لحياة الإنسان بين السماوات والبحار، والسماء الدنيا هي إحدى السماوات التي تقوم بمجموعة مهام رئيسية وفيها آيات لليقين، حيث يؤمن بها المتقون ونرى على صفحاتها النجوم والكواكب والشهب والنيازك والمذنبات كلها نراها ليلاً، والقمر نراه بين الليل والنهار والشمس نراها نهاراً،

ويرى أهل القطب الشمالي شمس منتصف الليل حينما يكون النهار سرمدياً وذلك في الفترة ما بين 12 مارس حينما تكون الشمس الظاهرية في برج الحمل وتستمر رؤية النهار السرمدي إلى 22 سبتمبر حيث توجد الشمس الظاهرية في برج الميزان ثم تحتفي بعدها ليحل بعدها الليل السرمدي أي الدائم في القطب الشمالي لمدة ستة أشهر أخرى.

وتتكون السماء الدنيا من خمس طبقات تحيط بكوكب الأرض من جميع الجهات واسمها الغلاف الجوي ويُطلق على الطبقة الأولى اسم التربوسفير أي المحيط المتغير ويبلغ ارتفاعها 11 كيلومتراً فوق سطح البحر وهي طبقة الخيرات حيث يتجمع فيها بخار الماء الصاعد من البحار والمحيطات والأنهار،

وهذه الطبقة لا تسمح بتسرب قطرة ماء واحدة، والتاريخ شاهد على إحكام هذه الطبقة إذ أنه منذ 4 آلاف مليون سنة وهو التاريخ التقريبي لخلق كوكب الأرض لم تنقص المسطحات المائية كوب ماء واحداً برغم ما نستهلكه في الزراعة وفي الشرب. ثم تأتي الطبقة الثانية ويبلغ سمكها 30 كيلومتراً فوق طبقة «التربوسفير» وكلنا نرى هذه الطبقة،

بل ونعيش فيها حيث تطير الطائرات داخل هذه الطبقة بعيداً عن السحب التي في أغلب الأحيان تغطي الطبقة الأولى ويُطلق على الطبقة الثانية اسم «الستراتوسفير» أي المحيط ذو الطبقات ويقل فيها الاكسجين ويقل الضغط الجوي وهو ما ينبّه إليه قائد الطائرة حينما تعطي المؤشرات هذا المعنى فيتدلى من سقف الطائرة قناع يلبسه الراكب ليعوِّض قلة الاكسجين،

أما الطبقة الثالثة فهي طبقة «الازونزسفير» أي منطقة تجميع الأوزون حيث يتحوّل فيها جزء من غاز الاكسجين إلى غاز الأوزون وذلك بامتصاص جزء من الأشعة فوق البنفسجية القوية التي تصدرها الشمس، وبالتالي تعمل طبقة «الأوزنوسفير» كمرشح ليمنع وصول الموجات فوق البنفسجية القصيرة بتركيز كبير إلينا ويبلغ سمكها حوالي 120 كيلومتراً.

* الطبقتان الرابعة والخامسة

أما الطبقة الرابعة فهي طبقة «الايونوسفير» أي الطبقة المتأينة، وهي منطقة واسعة غامضة تتعرض لأشعة الشمس وخاصة فوق البنفسجية التي تعمل على تحطيم ذرات غاز الاكسجين بها فتفقدها أحد الكتروناتها فتصبح متأينة أي مشحونة كهربياً، وتعمل هذه الطبقة أيضاً على إرجاع الأمواج اللاسلكية والتلفزيونية حيث ترتد إلى السماء إذا أرسلت إليها بسبب انعكاسها على الطبقات العليا الأيونية من الأرض،

لهذا نستطيع أن نلتقط إذاعات الأميركتين وأوروبا وآسيا وأستراليا وجميع المحطات في العالم بعد انعكاسها من السماء، لولا هذه الطبقة ما انتقلت الأخبار والعلوم والحضارات وطبقة «الأيونوسفير» (الطبقة الرابعة) أشبه بمرآة عاكسة ترجع ما يصل إليها، فهي جزء من السماء ذات الرجع، فهي تعكس الأشعة الحرارية تحت الحمراء فترجعها إلى الأرض لتدفئها،

ولهذا ولأكثر من هذا أقسم الله العلي القدير بالسماء ذات الرجع كما جاء في الآية «11» من سورة الطارق (والسماء ذات الرجع) صدق الله العظيم. وكلمة «ذات الرجع» كلمة قرآنية دقيقة تحتوي على الكثير من المعلومات والعلوم الفيزيائية حيث يحاول العلماء اليوم ببعض الأجهزة البسيطة والمعلقة بين هذه الطبقة وبين الأرض الحصول على كهرباء ذات سعر رخيص جداً وهي كهرباء دائمة لا تنتهي ولا ينتج عنها أي تلوث، إنه التقدم العلمي.

ثم تأتي الطبقة الخامسة وهي طبقة «اكسوسفير» والتي تقع ما بعد خمسة آلاف كيلومتر، حيث هي الفراغ المطلق، وتدور في هذه المنطقة بعض الأقمار الاصطناعية. وتوجد مشكلة الآن في أن بعض هذه الأقمار الاصطناعية قد انتهى عمرها الاستهلاكي ودمرت

وأصبح الفضاء الخارجي مملوءاً بنفايات من هذه الأقمار الاصطناعية، ولكن الله العليم الخبير خلق من إحدى مهام المذنبات امتصاص هذه النفايات وكنسها حتى يبقى الفضاء الخارجي نظيفاً، وقد أشار الله تعالى في الآية «16» من سورة التكوير (الجوار الكُنَّس) صدق الله العظيم.

* السماء ذات الرجع

جعل الله العلي القدير آيات كثيرة في السماء الدنيا، وكانت الآية ما سبق ذكره عن حفظها لبخار الماء وإرجاعه مرة ثانية على هيئة ماء عذب صالح لنشربه مباشرة. وبديهياً لو تسرب بخار الماء من طبقة «التربوسفير» وهي السماء ذات الرجع لتصحرت البحار والمحيطات والأنهار وانتهت الحياة تماماً على كوكب الأرض،

ولكن الله الكريم أراد للحياة أن تستمر إلى اليوم الموعود، فأعطى للغلاف الجوي آيات أخرى تحقق استمرار الحياة، فجاءت الآية الثانية عدم السماح للجاذبية الأرضية من التسرب والحفاظ عليها وعلى قوتها حتى تستقيم الحياة. فلو تسربت الجاذبية الأرضية لكان حال أهل الأرض في حالة سكر بيّن،

وما استقامت الحياة، ولكن الله لطيف بالعباد، ثم الآية الثالثة هي حفظ الموجة الصوتية من التسرب، وبالتالي نحن نتكلم ويسمع بعضنا الآخر ويصل العلم إلى الدارسين دون الحاجة إلى بوق أو سماعة على الآذن. وبمقارنة بسيطة لرواد الفضاء على القمر نجد أن لغة التفاهم هي الإشارة باليدين وذلك لأن الغلاف القمري ضعيف،

وبالتالي لا يوجد ما يحفظ الموجة الصوتية من التسرب. والآية الرابعة فإن السقف المحفوظ يحفظ كوكب الأرض من ضربات الشهب والنيازك قبل أن تصل إلى أهل كوكب الأرض على هيئة حبات الرمال، فما تراه ليلاً نجوماً منفصلة وساقطة ما هي إلا جبل ينصهر بلطف من الله ويتحوّل إلى غبار خفيف وضعيف لا يتسبب في حدوث الكوارث إلا بإرادة الله حينما يبطل الله جل شأنه عمل السقف المحفوظ.

وآية خامسة حيث يقوم الغلاف الجوي بحماية جميع الكائنات على كوكب الأرض من الأشعة القاتلة وهي أشعة ألفا وبيتا وجاما والأشعة السينية، ويعمل السقف المحفوظ على امتصاص هذه الأشعة وعدم وصولها إلى أهل كوكب الأرض.

إن آيات السماء الدنيا كثيرة ولم يكتشف العلماء إلا بعضاً منها، ويكفي أن نعلم أن باقي كواكب المجموعة الشمسية لا يوجد بها غلاف جوي عظيم الشأن، كما في كوكب الأرض، وجاءت الآية 32 من سورة الأنبياء لتشير إلى الآيات العلمية الموجودة في السماء (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون) صدق الله العظيم.

الربان قاسم لاشين