لأي مكان في الأرض سمات قد تجعل منه مكاناً قريباً من القلب أليفاً وحميماً، أو قد يكون طارداً موحشاً غريباً على الروح، ولكن بعض الأماكن تبادرك بالشعر والحكايات يسبقها اسمها اليك وكأنها تختزل المسافة عبر اسم أخذ نكهتها وقدم شهدها معجوناً بالسحر والجمال، وهكذا كان وادي مي .. من تلك الأماكن التي يمتزج اسمها بتاريخ يحمل معه تفاصيل الماضي، فتجد للمنطقة حكاية وللاسم حكايات ..

أخذتنا الرحلة بين جبال الفجيرة نحو وادي مي ونحن نحاول أن نتلمس وجهتنا عبر لافتات الطريق مأخوذين بجمال الجبال وقاماتها الشاهقة وهي تطل على جانبي الشارع المتعرج وكأنها ترحب بالعابرين وما أن وصلنا إلى قرية وادي مي ..حتى انفتحت بوابات الجبال نحو الوادي الذي يتسع لبيوت القرية وكأنه بيت كبير يتسم بالخصوصية ويحمي أبناءه من عيون الغرباء، وكان أول بيوت الوادي بيت مضيفنا عبدالله خميس الكندي الذي خرج مرحباً وكانت البشاشة واضحة في بيته الذي ضم عائلة جميلة تميزت بترابطها وانسجامها.

وقد استقبلتنا أم عبدالله «عائشة راشد خلفان الكندي» في مجلسها تحيط بها حفيداتها اللائي تعلمن منها الكثير من الأعمال اليدوية القديمة وعند الحديث معها عن مصنوعات سعف النخيل قالت «هذه المصنوعات كانت أدوات منزلية نستخدمها في حياتنا العادية، وقد حرصت على إبقاء صناعتها في البيت لكي لا ينسى أولادنا عيشتنا الماضية. ولكي تتعلم البنات هذه الأعمال خاصة أننا نرى الكثير من الفتيات لا يعرفن شيئاً عن أعمال المنزل أو الصناعات اليدوية، بينما كانت المرأة في الماضي تطحن وتخبز وتروي وتسرح بالحلال، وتهوش الذرة وتطحنها وتعمل منها العصيد، وكانت حياتنا نشيطة.فنحن نصعد الجبال بحثاً عن العسل و«الفقع» والحماض والصقب، والأعشاب المختلفة مثل الصخبر واليعدة والحرمل والسيداف، وتقوم النساء بمساعدة الرجال في معظم الأعمال وأنا اليوم أقوم بصناعة الأدوات من الخوص فنضع «المكبة والمخرافة والسرود وغيرها من الأدوات».

وتتحدث أم عبدالله عن عروس الماضي فتقول: «في أيامنا كانت العروس تلبس كندورة ملونة وتتقعص بالياس والورد وتسوي الصناع»، وهو مجموعة من العطور والأعشاب توضع على رأسها وسوالفها وكنا نجمع «الصناع» من المحلب والمسك وجوزة الطيب والزعفران المسري والزعفران العادي، ومازلت أجمع الصناع واحتفظ به عندي.

ونعود إلى مجلس ابي عبدالله الحاج خميس عبدالله خميس الكندي الذي يحدثنا عن وادي مي وقصة تسميته فيقول: «يقال إن هناك امرأة اسمها مي سكنت الوادي وكانت ثرية وطيبة ومعروفة فسمي الوادي باسمها، وتروى عنها حكايات وشعر منها أنها في أحد الأيام قدم عليها ضيوف فلم تذبح لهم وبخلت وقدمت العشاء «خبز وروب» فقرر هؤلاء الضيوف الانتقام منها فنهبوا عنها «الغنم والهوش».

ويقال أخذوا بناتها كذلك وعادوا عبر طريق كلباء إلى عمان، وكانت تعرف طريقاً مختصراً فوصلت إلى منطقة اسود في عمان قبلهم و«فزعت» الناس واخبرتهم أن الرجال نهبوا حلالها فقطعوا الطريق عليهم وأعادوا إليها ما أخذ منها، فقالت في ذلك شعراً هو:

واربحي وادي ميّه

سكنى بلا مطلوب

وخبزي قرّف عليه

يوم الغموس بروب

لو ناقله الصبحيه

ما داسني معتوب

ووادي مي فيه عدة مناطق لها تسميات عديدة منها طوي منزفة لأنهم كانوا ينزفون الماء منها وقارة الحمقه، والرويك ومنطقتنا الشعبية تسمى »قرون البيض« بسبب وجود جبال صغيرة تشبه القرون، وكذلك كانت هناك منطقة تسمى يوار خليفة كانت تسكن فيه امرأة تحمل الاسم نفسه، والجبل «العود»، يسمى غليل اليفره، وكان هناك كهف يسمى «كهف الجنية» يقع في جبل معول، وكان الناس القدماء يسكنون في «المهاب» وهي كهوف صغيرة يضعون لها باباً من الحصا.

وعن أثار المنطقة يقول أبو عبدالله: «كانت توجد صخور عليها رسومات قديمة فيها صور سيوف وأشكال للقتال، وتوجد صخرة تسمى «حصاة الكتاب» يقال إن أهلنا وجدوا عليها كتابات لم يعرفوا أصلها فاعتقدوا أن الجن كتبوا عليها، وتوجد حصا أخرى فيها صور جمال وآثار قديمة لم نعرف من رسمها، كما توجد مقابر قديمة لا يعرف حتى أجدادنا أصلها أو أصحابها فهي قديمة جداً وعندما سكن أهلنا الوادي وجدوها».

وللرجل في ماضي حياته نشاط متميز في القنص إذ يتحدث قائلاً: «كنت أذهب إلى الجبال لقنص الظباء والوعول، وكنت اصف قرونها في «العريش» وكانت عندي بندقية «وكندروسكتون» وفي ذلك الوقت كنا نشتري الذخيرة من كلباء، وحياتنا في الماضي لم تكن «ضنكة».

فقد خرجت إلى الدنيا كان أبي عنده ثروة وهو أمير المنطقة في ذلك الوقت ولديه أعمال تجارية لذا كان يحرص على تعليمنا ولم يكن في المنطقة مطوع يعلم الصبيان، وعندما جاء أحدهم من عمان إلى «وادي الحلو» وعلّم أمير المنطقة هناك، وجاء به أخي سالم وتعلمنا القرآن على يديه».

ويروي الحاج أبو عبدالله كيف كان الناس يستقبلون شهر رمضان ويعرفون مواعيده قائلاً: من فضل الله سبحانه وتعالى أن الناس كان عندهم ذهن صافٍ، وهم يمشون على الحساب، وكذلك ينتقلون إلى المناطق المختلفة يسألون عن رمضان في كلباء والمناطق المجاورة، وكانت الحكومة «تضرب مدفع» عند هلال رمضان والعيد، وفي ذلك الوقت كان عدد الناس قليلاً والبيوت متباعدة وكل شخص يفطر في بيته.

ولكنهم كانوا «يتعازمون» أوقات الفطور أو بعد صلاة التراويح، ويتسحرون على النجم، وكان الفطور يتكون من التمر والبشيت أو اليقط والكامي واللبن وأحياناً مزيد أو خبيص وهريس، وهناك أكلة تسمى مقطوعة تتكون من الدخن والعسل والسمن، وحين يأتي العيد نصلي غرب البلاد في الوادي ثم تقام الولائم ويتبادل الناس التهاني.. وينقعون تفك .......... ويرزقون قائلين:

عيد السنة خذنا دغيله

ولا يا على حل الوعايد

وين الذي معنا فهيم

الهلال شافه بالوكايد

وكان الناس يبنون «سبلة» من الحجر في رمضان يجتمعون فيها، وكانت هناك «سمرة» تتجمع في ظلها اسمها «ظهرة العقدة» وفي ذلك المكان يعرف الناس أخبار بعضهم ويتواصلون فيما بينهم.. ويتحدث مضيفنا عبدالله خميس الكندي عن المنطقة قائلاً: «تقع قرية وادي مي عن مركز إمارة الفجيرة غرب مدينة كلباء، وهي منطقة خصبة فيها عيون ماء وكانت تهطل بها الأمطار بغزارة لسنوات عديدة.

لذا انتشرت الخضرة في المنطقة وتميز جوها بالنقاء فضلاً عن الهدوء الذي تتميز به المنطقة الألفة والقرابة بين سكانها». ويتشعب الحديث عن أصحاب البيت فنسأل شواب المنطقة ويأخذونا إلى منزل الوالد راشد خلفان راشد الكندي الذي يتمتع بذاكرة حاضرة قلما تجدها في هذا الزمان، فهو راوٍ للشعر من الطراز الأول وعندما طلبنا منه أن يسمعنا شيئاً قال قصيدة عن النبي سليمان عليه السلام تبلغ حوالي أربعين بيتاً من الشعر.

فضلاً عن القوة التي مازالت تبدو على ملامحه فآثرنا أن نسمع منه الشعر، وندرك أن الروايات التي كانت تقال عن تناقل تراثنا العربي القديم والشعر الجاهلي عبر الرواية الشفاهية والحفظ في الصدور أمر لم يأت من فراغ فقد أخبرنا أحد أبناء الرجل أنه يحفظ القصيدة بمجرد سماعها، وهذه ثروة لا بد أن يكتب عنها وتوثق بشكل مستقل. غادرنا وادي مي مع أول ساعات العصر ونحن ندرك أن مثل تلك الأماكن تشكل ملاذاً حقيقياً للروح من صخب الحياة وضجيجها في المدينة.

استطلاع: دلال جويد