قام الكاتب الأندلسي أبو الحسن حمد بن احمد المعروف بابن جبير، بثلاث رحلات إلى المشرق العربي، لم يعد من ثالثتها إلى دياره إذ توفي في الإسكندرية وبلغ من العمر عتيا. اما كتاب رحلاته الأشهر المعروف برحلة ابن جبير، فانه ذاك الذي يصف رحلته الأولى التي، بعد أن انطلقت بحرا، من غرناطة إلى المشرق، بدأت برا في الإسكندرية لتنتهي في عكا بعد تجوال في مصر والجزيرة، فالعراق وبلاد الشام.
وهنا وقفة عند هذه الرحلة التي بدأت بحكاية غريبة عن قدح نبيذ. إذا كان ابن بطوطة هو الذي نال الحصة الأكبر من اهتمام باحثي الشرق والغرب، بوصفه الرحالة العربي الأشهر، فان ابن جبير لا يقل عنه باعا في هذا المضمار، حتى وان كان حيز ترحاله أضأل من حيز ترحال زميله المغربي، علما بان الفارق الزمني بينهما قرن ونصف القرن.
بشكل عام تبدو رحلات ابن جبير (وأهمها رحلته الأولى إلى المشرق العربي) اقل استعراضية وأكثر تركيزا من رحلات ابن بطوطة. ومع هذا لا بد لمن يقارن من ان يلاحظ بسرعة دقة وصف ابن جبير، واهتمامه بالتفاصيل، على طريقة تعتبر حديثة بالنسبة إلينا.
والمعروف ان رحلة ابن جبير الأولى، وهي أشهر رحلاته، بدأت العام 1883 حين انطلق من غرناطة على متن سفينة من مدينة جنوى الإيطالية اخذته إلى الإسكندرية في مصر، وهي المدينة التي افتتحت نظرته إلى المشرق. اذ انه توجه بعد ذلك من الإسكندرية إلى القاهرة.
ومن هذه إلى مدينة قوص في الصعيد المصري. وهو انطلاقا من قوص، وصل إلى عيذاب التي اجتاز البحر الاحمر عندها ليصل إلى جدة في الجزيرة العربية. ومن هناك، كان من الطبيعي لابن جبير أن يتجه من نوره إلى مكة كي يؤدي فريضة الحج، ثم زار المدينة المنورة.
ويروي لنا ابن جبير في كتاب رحلته، الذي دونه على شكل يوميات بالأحرى، كيف انه بقي في الديار المقدسة ستة شهور، اخذ خلالها يعد عدته لاستكمال جولته. وما ان اكتفى بالإقامة في قلب الإسلام هناك حتى انطلق متمما بقية جولته: نقصد الكوفة ثم بغداد والموصل لكنه لم يمر هنا عابرا فقط، بل كان يمكث في كل مدينة ردها من الزمن يمكنه من ان يلم بأحوالها ويقارن بين ديار المسلمين ويستنبط كل جديد ومهم.
ويروي لنا ابن جبير بعد ذلك كيف انه انتقل إلى بلاد الشام و«كان للفرنجة فيها مستعمرات كثيرة» خلال ديارهم قبل ان يركب البحر أخيرا عائدا إلى دياره «على متن سفينة مسيحية» أخذته من عكا إلى صقلية التي قبل ارتحاله إلى بلاده أواسط العام 1185 زارها وتجول فيها.
إذا، فلقد استمرت رحلة ابن جبير تلك ما يزيد قليلا على عامين، لكنها لن تكون الوحيدة أو الاخيرة، ذلك انه لاحقا حين سمع بفتح صلاح الدين الأيوبي للبيت المقدس واستيلائه عليها من أيدي الصليبيين، حتى حدثته نفسه ان يزور هذه الأماكن وعلم الاسلام والعرب يرفرف عليها. وهكذا كانت رحلته الثانية بين 11911189.
اما رحلته الثالثة فكانت في العام 1217، حيث اقام معظم الوقت في مكة المكرمة ليتحول عنها بعد حين إلى الإسكندرية التي ظل مقيما فيها إلى حين وفاته.يعرف كتاب «رحلة ابن جبير» لدى العلماء باسم «تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار» وهو اذ كتبه مؤلفه حوالي العام 1186، يتحدث كما هو واضح عن الرحلة الأولى التي قام بها.
والحكاية الطريفة التي تقف وراء هذا الكتاب وسبب تأليفه، بل سبب قيام ابن جبير بالرحلة الأولى أصلا، تقول لنا انه حدث مرة ان كان ابن جبير في مجلس أمير غرناطة أبو سعيد بن عبد المؤمن سيده وولي نعمته منذ كان شابا، وخلال الجلسة التي كان الحديث يدور فيها حول كتابة ابن جبير كتاب عن الأمير، ناول هذا ابن جبير، قدحا من النبيذ، فاعتذر هذا عن شربه.
فالح الأمير مقسما إيمانا غليظة، بشكل لم يعد في إمكان ابن جبير معه الممانعة... فشرب ثم ناوله الأمير ستة أقداح أخرى شربها ابن جبير صاغرا يتأفف، وانتهى الأمر بان أعطاه ابو سعيد ملء الأقداح السبعة ذهباً فقرر ابن جبير أن يستخدمها في رحلة إلى الحج يكفر فيها عن خطيئته.
وكانت تلك الرحلة الأولى.... ليكون بعد ذلك الكتاب الذي دون فيه الرحالة «الحاج» الكاتب جميع ما شاهده وجرى معه، ما جعل الكتاب في نهاية الأمر سجلا لأحوال الناس وأحوال البلاد إسلامية كانت أو مسيحية في ذلك العصر. بل جاء الكتاب أيضاً في جزء منه أشبه بقاموس لمصطلحات ذلك العصر في بناء السفن وفنون الملاحة البحرية وثبتا بأسماء ابرز علماء المسلمين وملوكهم في أواخر القرن السادس الهجري.
ويضيف الباحث المصري د. محمد زينهم احد محققي هذا الكتاب انه كان «أشبه بدعاية سياسية لدولة الموحدين اذ لا يكف ابن جبير في صفحات كتابه عن تمني ان يمتد نفوذ تلك الدولة من مصر إلى الحجاز». ومع هذا فان ابن جبير أبدى إعجابا كبيرا بشخصية صلاح الدين على الرغم من انه لم يلتقيه خلال الرحلة الأولى بل سمع عنه كثيرا كانوا التقوا بكل الحروب المناهضة للصليبيين، وردا عنه...
ولعل من الممتع هنا ان ننقل الصورة القلمية التي رسمها ابن جبير لصلاح الدين في صفحات كتابه. ولعلها هي في اصل الصور القلمية العديدة التي رسمت لصلاح الدين في ذلك العصر. يكتب ابن جبير عن القائد انه لا يأوي لراحة ولا يخلد إلى دعة، ولا يزال سرجه مجلسه.
وسمعنا احد فقهاء المسلمين بسدة هذا السلطان والحاضرين مجلسه يذكر عنه ثلاث مناقب في ثلاث كلمات حكاها عنه: احداها ان الحلم من سجاياه، فقال وقد صفح عن جريرة احد الجناة عليه، أما أن أخطئ في العفو، أحب الي من ان أصيب في العقوبة.
وقال أيضاً وقد تنشد بحضرته الاشعار، وجرى ذكر من سلف من أكارم العرب وأجودهم: والله لو وهبت الدنيا للقاصد الأمل لما كنت استكثرها له، ولو استفرغت له جميع ما في خزينتي لما كان عوضا مما اراقه من حرماء وجهه في استمناحه اياي، وحضره احد مماليكه المتميزين لديه بالخطوة والاثرة، مستعديا على جمال ذكر انه باعه جملا معيبا: فقال له السلطان: ما عسى ان اصنع لك وللمسلمين قاض يحكم بينهم، والحق الشرعي مبسوط للخاصة والعامة... وانما انا عبد الشرع، فالحق يقضي لك أو عليك.
ولقد كانت قلعة القاهرة مما شاهد ابن جبير عملية بنائه في الحاضرة المصرية. وهو يذكر لنا بالمناسبة كيف ان صلاح الدين اراد ان يتخذ منها سكنا وصنعا. وان جميع المسخرين لتلك المنشآت كانوا من أسرى الافرنج. اما وصف ابن جبير لبغداد فانه يشكل في رأي دراسي رحلته زوثيقة تاريخية كبرى، فهو قدم اوضح تصوير لعاصمة العباسيين قبيل الكارثة التي الحقها بها المغول على يد هولاكو وجنودهس.
كما ان في ثنايا وصف ابن جبير لبغداد ملاحظات دقيقة في احوال الخلافة العباسية في اواخر القرن السادس (...) ووصف لبعض سجايا عامة اهل بغداد، كنموذج لدقة وصفه وملاحظته اذ يقول «لا تكاد تلقى منهم الا من يتصنع بالتواضع رياء، ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء، يزدرون الغرباء، ويظهرون لمن دونهم الأنفة والآباء... قد تصور كل منهم في معتقده ان الوجود كله يصغر ازاء بلده،
فهم لا يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم، كأنهم لا يعتقدون ان لله بلادا أو عبادا أو سواهم... ومما جاء خلال وصف ابن جبير حول بلاد الشام ان الحروب الصليبية لم تعطل حركة التجارة بين رعية الفريقين في انماء البلاد مدللا على هذا بما رصده من تبادل مكثف بين دمشق الإسلامية وعكا الصليبية على الرغم من قيام صلاح الدين بحرب ارناط صاحب حصن الكرك ومحاصرته لذلك الحصن».
