للإسلام رؤية تنموية تنبعث من فلسفته في العلاقة بين الإنسان والكون ومالكهما رب العالمين، وهذه الرؤية تحتاج إلى مجاهدة لاستخراجها وفي تاريخنا الحضاري اكتشف المسلمون بعضها وعاشوا بها، ومازالت كنوزها تحتاج إلى جهود العلماء الأتقياء لينفضوا عنها ما تراكم حولها من جهالات التصورات ويحثنا الإسلام على الأخذ بالتقنية الحديثة وبتطورات العلم مع إعلاء القيمة الاقتصادية والاجتماعية لهذا العلم.

وفي كتابه رؤى إسلامية في التنمية التقنية المستقلة يركز المؤلف د. سيد دسوقي على توضيح أهداف التنمية في الإسلام، والتي تتمثل في عنصرين أساسيين هما الإطعام من جوع والأمن من خوف، والإطعام ليس من شبع ولكن من جوع، والأمن ليس عن غفلة ولكن أمن من خوف، فلا يأكل إلا من جوع،

وكذلك ينبغي أن يظل الإنسان في حالة انتباه وخوف فيأتيه الأمن من ربه، وحالتا «الجوع والخوف»، هما المقابلتان لحالتي، «الترف والغفلة»، والإسلام يكره «الترف والغفلة»، وأصل الداء في كل مجتمع هو هذا المزدوج «الترف والغفلة» (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) (الإسراء:16).

وحول معنى القصد والاقتصاد في التعاملات الإسلامية يرى المؤلف أنهما يمثلان جوهر التعامل الإنساني مع البيئة المحيطة في النظرة الإسلامية فيقول: ينبغي على الفرد المسلم أن يقتصد ولو كان على نهر جار، وما عال من اقتصد كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، الترف ظاهرة محتقرة في القرآن الكريم، وهي من أمراض الحضارات التي تعمل في النهاية على تقويض ما أنتجه الإنسان في فترات السمو الروحي والنمو العقلاني.

ولذلك ينبغي أن يخطط المجتمع المسلم لتنميته بحيث لا تؤدي بطائفة من هذا المجتمع أو بالمجتمع كله إلى نزيف مهلك، فإذا كان الخيار في تخطيط منظومتنا التنموية بين تكثيف العمل أو تكثيف الإنتاجية اخترنا تكثيف العمل، ذلك أنه يمكن تكثيف الإنتاجية من خلال الميكنة بينما نكثف العمل من خلال جهد الناس، وفي ظروف مجتمعاتنا حيث يستدعي تكثيف الإنتاجية رأسمال ضخماً لشراء مصانع من غيرنا يصبح الخيار واضحاً لا لبس فيه، ألا وهو خيار تكثيف العمل.

ولأن الإسلام يعظم الوسطية في الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا من مأكل ومشرب وملبس ومسكن بينما يعظم الاستعداد بالقوة لإرهاب أعداء الله في الأرض، فينبغي على مخططي التنمية أن يأخذوا ذلك في الحسبان، فيعيش الناس في حياتهم بتنمية البقاء متأسين بسيرة سيد خلق الله القائل: «اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا»،

بينما كان هذا النبي الأمي عليه أفضل الصلاة والسلام يرسل البعوث ليتعلم الناس صناعة المنجنيق من أجل ذلك ينبغي على الأمة أن تحرص على تنمية النماء أو السبق فيما يختص بأمور الدفاع، وهو عكس ما هو قائم الآن حيث يعيشون على عالم أشياء هو أحدث نتاج للمدينة الغربية بينما وسائلهم الدفاعية شبه معدومة.

وعن الهيكل الأساسي للتنمية يذكر الكتاب أن شعوب العالم الإسلامي لا تخطط لمستقبلها إلا قليلا، ويقول: وهي إن خططت تضع هياكل ناقصة، ثم تسأل بعد ذلك أين الداء، وتستمع حينئذ إلى العلماء وهم يشخصون أدواء أمتهم فتشعر بالمرارة والغثيان.

والداء هو في كثير من الأحيان في المنظومات المفقودة أو هو في المنظومات الناقصة، ولو انتبهنا إلى ذلك لوضعنا أيدينا على كثير من الأدواء الشائعة، ومن هذه المنظومات الناقصة منظومة التنمية، وهي منظومة يعهد بتصميمها في بلادنا لرجال الاقتصاد، وهم إن كان لهم دور لا ينكر في مثل هذا التصميم لكنه جزء من كل، ومن ثم يأتي التصميم دائما ناقصا، ونعاني من تدهورنا التنموي والاقتصادي معا.

ويشير المؤلف إلى أنه يشعر أحيانا وهو يقرأ في سورة النحل أن آية واحدة منها تعطينا الفلسفة الأساسية للتنمية (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لأية لقوم يتفكرون) (النحل: 68، 69)

فالله تبارك وتعالى قد ألهم النحل أمورا ثلاثة، كيف يسكن، كيف يأكل، كيف يكون حرا، ثم عقب المولى بأن هذه الأمور الثلاثة متى تحققت في حياة النحل فإن هذه الحشرة الصغيرة سوف تعطي الإنسانية والوجود عسلاً مختلفاً ألوانه في شفاء للناس.

ويتساءل المؤلف: هل لنا أن نقول بأن هذا المفهوم النحلي للتنمية، ؟ وما الذي يمنع الناس أن يكونوا كالنحل؟ وما دور الدولة وأنظمتها المختلفة في هذا المنع؟ وما دور نظمها القانونية ونظمها الاقتصادية، والتعليمية، والاجتماعية، في منع الناس من أن يكونوا كالنحل؟!

ومتى تخلي الدول بين الناس وبين ترابهم الوطني ليتفاعلوا معه؟ وما هي التنمية من جانب الدول إن لم تكن هي التخلية بين الإنسان وترابه الوطني يتفاعل معه في ظل عقيدة موحية بالخير وشريعة منظمة لهذا الخير حتى يصنع بنفسه ولنفسه مسكنه وطعامه وشرابه وكل حاجياته في هذه الحياة الدنيا في حرية يتطلبها وجوده الإنساني؟!!

فإذا وضعت الدولة من القوانين والأنظمة المتعارضة والمتضاربة في مجالات الحياة المختلفة ما يعوق الإنسان عن التفاعل مع ترابه الوطني فلا تسل بعد ذلك عن تنمية أو نمو وبقاء.وقد تفعل الدولة ذلك عن جهل وقد تفعله عن سوء نية من قبل بعض الفلاسفة من أهل الحكم، ولكننا نحسب أن معظمه يحدث عن طريق الغفلة،

ولهذا يستدعي الأمر أن تكون هناك منظومات حاكمة تحدد أهداف أجزائها المختلفة بوضوح شديد وتنشئ لنفسها نظما للمراجعة والمحاسبة، ولعلنا في هذا البحث نضع الهيكل العام للتنمية وارتباطاته المختلفة بعالم الأشياء وبالتعليم والتدريب، ولابد من جهد يبذل لتفصيل هذه العلائق المختلفة والتأثير المتبادل بين المنظومات المختلفة.

* تنمية النماء

وتناول المؤلف الحديث عن نوع آخر من أنواع التنمية وهو تنمية النماء، حيث يتبنى هذا النوع من التنمية عالم أشياء من النوع السائد في الحضارة المعاصرة، وخاصة الضروري منه، وهو ما يتعلق بوسائل الدفاع واستخراج كنوزنا المدفونة وتصنيعها،

وما يستتبع ذلك من نظام تعليمي وتدريبي وبحثي، ويكون من ثمرات هذا الطريق نمو عالم الأشياء نموا سرطانيا قد يضر الإنسان، ومن ثم فإنه ينبغي تصميم منظومة تنمية النماء بحيث نحاول تلافي ما حدث في الغرب من تلوث في البيئة.

ورغم أن تنمية النماء إذا أحسن إعدادها قادرة على استيعاب كل أفراد الأمة في العمل فإننا في عالمنا البائس نتوجه إلى استيراد عالم الأشياء دون أن نصنعه فتضيع علينا فرصة العمل في عملية التعليم والتدريب، والأصل ألا نتبنى عالم أشياء نحن غير قادرين على صناعته وكذلك ينبغي ألا نتبنى خدمات يصنعها لنا غيرنا،

وفي تنمية النماء ينبغي أن يكون معدل النمو في عالم أشيائنا أبطأ من تقدمنا العلمي والتقني إلا في حالات الضرورة القصوى والتي ينبغي ألا تزيد عن نسبة ضئيلة تتجه معظمها إلى قضايا الدفاع، وتستطيع برامج تنمية النماء أن تعمل على تطوير آليات البقاء من خلال البحوث المتقدمة التي تهتم بتطوير الوسائل المستخدمة وإبداع طرائق جديدة لترشيد الطاقة وتحسين الأنواع والقضاء على المعوقات والأمراض، وكذلك عمليات التكامل بين الأنشطة المختلفة في تنمية البقاء.