ارتبط تطور البريد في المجتمعات العالمية بتطور وسائل الاتصال. فمن أول استخدامات وسائل الاتصال كالسفن والسكك الحديدية وخطوط الطيران كان لنقل البريد من مكان لأخر. وقد اكتسب نقل البريد بين أرجاء الإمبراطورية البريطانية أهمية كبرى كونه كان الوسيلة المثلى لنقل الأوامر العسكرية والسياسية ولتسهيل المعاملات التجارية ولنقل الأخبار وكوسيلة سهلة ومهمة للتواصل الإنساني بين مجتمعات العالم.
وهكذا تطور نقل البريد من بريطانيا إلى ومستعمراتها والعكس بداية عن طريق السفن البحرية ثم عن طريق الخط الجوي الذي كانت أهم وأبرز استخداماته نقل البريد الإمبراطوري من والى المستعمرات البريطانية في الهند والخليج العربي والشرق الأقصى.* الحاجة لتطوير الخدمة ارتبط ظهور الخدمات البريدية الحديثة في منطقة الخليج العربي بالتواجد البريطاني ورغبته في التواصل مع مستعمراته في الشرق. لقد كانت هذه هي بدايات دخول الخدمات البريدية الحديثة في الخليج، أي لاستخدامات السلطات الاستعمارية ومصالحها الاقتصادية والسياسية.
ولكن ما أن تطورت مجتمعات الخليج قليلا حتى أصبحت الخدمات البريدية ضرورة ملحة من ضرورات الحداثة والمعاصرة لمجتمعاتها. ففي دبي مثلا، ظهرت الحاجة إلى الخدمات البريدية كنتيجة حتمية لتطور حركة التجارة والأعمال المصرفية وتطور مجتمع دبي المتعدد الاهتمامات والأعراق.
ولكن على الرغم من وجود العديد من الشركات الأجنبية كشركة كري مكنزي ومكتب لشركة الامتيازات البترولية إلا أن الخدمة البريدية من وإلى دبي لم تكن منتظمة. فقد كان البريد ينقل بالسفن البحرية قبل أن يتطور وينقل بالطائرات عند دخول الخدمة الجوية إلى دبي في نهايات الثلاثينات.
وكانت الطوابع المستخدمة حتى استقلال الهند هي الطوابع الهندية التي تحمل صورة ملك بريطانيا العظمى. لذا فقد أصبح من اللازم بعد تطور دبي الكبير واستقلال الهند عن بريطانيا (بعد استقلال الهند عن بريطانيا انتقل الاشراف على شؤون المشيخات من مكتب الهند العام إلى وزارة الخارجية في لندن) تأسيس هيئة بريد خاصة تشرف على أعمال البريد المنتظم في دبي. وفي يوليو 1960 تم افتتاح الخدمة البريدية عن طريق إنشاء مكتب بريدي في دبي.
وهكذا تأسست شركة انترنشونال اير راديو لخدمات اللاسلكي والتلغراف International Aeradio Ltd وهي شركة مساهمة تملك حكومة دبي نصف أسهمها ويملك التجار النصف الثاني. وفي عام 1962 طلب حاكم دبي من الحكومة البريطانية أن يكون له حق الإشراف على الخدمات البريدية بينما يكون الإشراف على العلاقة بين مركز البريد في الإمارة وهيئة البريد العالمي تحت إشراف هيئة البريد الإنجليزي British Post Office
وكانت تلك خطوة من الحاكم في سبيل استقلالية دبي كمركز تجاري. وكانت الطوابع المستخدمة نوعين: نوع للاستخدام الداخلي وهو للبريد الموجه من دبي إلى دبي نفسها وهذه الخدمة تقع تحت إشراف الحاكم نفسه، والنوع الأخر هو البريد الخارجي أي الموجه من دبي للخارج وهذه الخدمة تدار بواسطة هيئة البريد الإنجليزي. وكان للحاكم الحق في الإطلاع على تصاميم الطوابع التي تصدر في المناسبات الخاصة.
ولكن السلطات البريطانية لم تفوت فرصة الاستفادة من هذا الأمر، فقد اشتكى المغفور له الشيخ راشد مرارا من سوء معاملة السلطات البريطانية له من جراء هذا الأمر واستغلالها لمسألة بيع الطوابع لصالحها. وقد رفع المغفور له الشيخ راشد شكوى بذلك للمقيم السياسي البريطاني في الخليج طالبا السماح له بإصدار طوابع بريدية خاصة بدبي على أن يكون الإشراف من قبل بريطانيا.
وقد تم وضع تصور لهيئة بريد خاصة بدبي وحين تم عرض الأمر على المغفور له الشيخ راشد لأخذ رأيه النهائي فضل راشد أن يكون مدير هيئة البريد محليا وكانت العادة قد جرت في السابق على أن يكون المدير إنجليزيا، الأمر الذي لم يرض السلطات البريطانية التي كانت تود احتكار هذه الخدمة لنفسها، وبالتالي مارست كافة الضغوطات على المغفور له الشيخ راشد بأنه إذا لم يقبل بتعيين مدير انجليزى فأنه لن يحصل على هذه الخدمة أبدا.
في هذه القضية نجد أن الوكيل السياسي في دبي قد تعاطف مع مطالب الشيخ راشد، خاصة وأن الشيخ كان قد سبق له أن اقترح هذا الاقتراح وقبلت به الحكومة البريطانية في صيف 1961 قبل أن تعود وتنكث بوعدها. ولم يرض المغفور له الشيخ راشد بتسخير مصلحة دبي لآجل المصالح البريطانية
لذا فنجده في 13 مارس 1962 يبعث برسالة للوكيل السياسي في دبي موضحا له أنه على دبي أن تكون ممثلة في هيئة البريد العالمي أما فيما يختص بإدارة مكتب بريد دبي فأنه يجب أن يكون محليا . كما أمر بإزالة اسم المكتب السابق وإحلال مكتب محلي بدله باسم «مكتب بريد ديره». بالإضافة إلى ذلك فقد كتب الشيخ راشد قائلا بأن من حقه اختيار مدير من بين العرب أو غير العرب من الذين يراهم مناسبين.
وتحت إصرار المغفور له الشيخ راشد على مطالبه المشروعة، وافقت الحكومة البريطانية على مضض على اقتراحات الشيخ معتقدة بأنه سيرجع لا محالة لهم حيث أنه لن يجد في دبي أو من بين المقيمين فيها المدير المناسب الذي يتسلم إدارة مكتب البريد وبالتالي سيؤول الأمر برمته من جديد للإدارة البريطانية.
ولكن الشيخ سرعان ما عين السيد م.س. رجب مديرا لمكتب البريد وهو الأمر الذي لم يرض السلطات البريطانية فعرضوا على الشيخ تغييره. وهكذا أختار الشيخ شخصا جزائريا ولكنه أيضا لم يرض الإنجليز. محاولات الشيخ راشد اختيار شخص من قبله لإدارة بريد دبي يبدو أنها كانت تسبب ضيقا لبريطانيا. فكما يبدو لم يكن الاعتراض البريطاني على الشخص المعين من قبل الشيخ على قدر ما كان على محاولة الشيخ راشد الاستقلالية بشؤون دبي والتخلص من دائرة الاحتكار البريطاني التي كانت تسبب الضيق له.
* دبي: نموذج جديد لمدن الخليج:
ما أن انتصف عقد الستينات إلا وكانت الخدمات العامة في دبي قد برزت معالمها وتطورت إلى درجة كبيرة حتى أصبحت مثار إعجاب حتى الإنجليز أنفسهم الذين لم يصدقوا أعينهم بأن دبي بإمكانياتها المحدودة ومواردها المالية البسيطة يمكن أن تنمو وفي زمن قياسي كل هذا النمو وتحقق كل هذه المنجزات الكبيرة.
لقد كان هذا واضحا كما بدا في أحد تصريحات المسؤولين البريطانيين في رسالة له إلى مرؤوسيه «لقد سرني زيارة دبي بعد غياب ثلاث سنوات، وقد رأيت الخطط التي كانت مجرد «خطط على الورق» في عام 1958 وقد تحولت إلى واقع في فترة قياسية».
ان هذا القول لهو الدليل القاطع على ما قامت دبي في بضع سنوات بتحقيقه. فلم ترض دبي بأقل من تحويل الحلم إلى حقيقة واقعة برغم العقبات وشح الإمكانيات المادية وضعف البنية التحتية والبشرية. فقد بدأت دبي منذ الستينات التركيز على المشاريع العملاقة التي غرست اسم دبي راسخا على الخريطة العالمية.
فقد تأسست في دبي منذ بداية الستينات معظم المرافق العامة كالكهرباء والماء والاتصالات العصرية كما تم إنشاء إدارة بلدية حديثة لتنظيم الخدمات العامة والإشراف عليها ودائرة لتسجيل الأراضي «الطابو» وغيرها من الخدمات العامة.
كانت الحكومة البريطانية تراقب ما يحدث في دبي عن كثب خاصة بعد تسلم المغفور له الشيخ راشد بن سعيد مقاليد الحكم رسميا في دبي خلفا لوالده الذي توفي عام 1958. وقد بدأ الشيخ راشد حكمه بإدخال سبل الإدارة الحديثة معتمدا على مجموعة من الخبراء العرب الذين عينهم في بعض المناصب الرئيسية في الإدارات المختلفة. فمثلا قام بتعيين شخص سوداني للإشراف على بلدية دبي هو كمال حمزة الذي بقي في منصبه هذا لسنوات طوال.
وعلى الرغم من وجود عقبة كبيرة وهي أن معظم موظفي تلك الإدارات كانوا في مستوى تعليمي بسيط أو متدن الا أن حكومة دبي استفادت من البعثات التعليمية العربية في القضاء على الأمية المنتشرة بكثرة آنذاك وفي توفير كادر مواطن للقيام بإدارة تلك الهيئات والخدمات العامة.
فما أن حل عام 1961 حتى كانت ثلاثة مرافق من البلدية قد توظف فيها 40 موظفا و12 عاملا ولها ميزانية تقدر بحوالي 000,300 روبية هندية منها حوالي 000,40 كانت ترد على شكل هبات والباقي من الضرائب الحكومية على الواردات. وكانت مسؤولية البلدية الإشراف على قطاع الخدمات العامة وتنميتها.
لقد قامت دبي في الستينات بوضع اللبنات الأولى لتلك النهضة القوية التي سوف تشهدها لاحقا وبدا واضحا أن سر نجاح دبي يكمن ليس في ثروتها، فهي قبل ظهور النفط لم تكن تملك الموارد المالية الكافية، ولكن تلك العقلية المتفتحة والرؤية الإستشرافية الصافية التي مكنتها من اختراق حجب المستقبل وتهيئة بيئة اقتصادية منظمة لنهضة دبي في العقود اللاحقة.
ترصدها
د. فاطمة الصايغ

