يجب أن يحمل الشيخ يونس القاضي لقب «شيخ مشايخ الطرب» و«شيخ المؤلفين كما رأى المؤرخون الموسيقيون في هذه الحقبة، لم يكن يونس القاضي في الأصل مطربا وإن كتب كل الأغنيات التي سيطرت على أسماع الناس في مطلع هذا القرن وبقيت حية نابضة بالنغم الحلو حتى الآن، ولم يكن صاحب مسرح غنائي رغم أنه كتب ثمانية أوبريتات مسرحية مغناة.

وكان يقف دائما وراء نجاحات شخصيات الطرب في نصف قرن من الزمان مثل منيرة المهدية وفتحية أحمد وصالح عبد الحي وسيد درويش وزكريا أحمد ومحمد القصبجي وداوود حسني وكامل الخلعي وحامد مرسي وعبد اللطيف البنا وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

وكل من مارس مهنة الطرب والغناء من خلال الأوبريت أو الأغنية الفردية بدءا من «ارخي الستارة اللي في ريحنا» و«تعالى يا شاطر نروح القناطر» و«أنا هويت وانتهيت» و«أوعى تكلمني بابا جاي ورايا» وبعض هذه الأغاني مثل «زوروني كل سنة مرة» كتبها يونس القاضي عام 1917 مازالت تغنى حتى الآن وبأكثر من صوت من أصوات مشاهير الغناء مثل فيروز.

ولد الشيخ محمد يونس القاضي في أول يوليو عام 1888 وكان والده قاضيا شرعيا تولى القضاء في مدينة «الدر» ومدينة «أبريم» في صعيد مصر وكان الأب بمكانته ومركزه الاجتماعي كقاض حريصا على أن ينشئ ابنه تنشئة صالحة فلا يكاد يبلغ الرابعة من عمره حتى أرسل به إلى الكتّاب وفيه حفظ يونس القرآن وتعلم الخط والحساب وكان يونس القاضي مفرط الذكاء

فحفظ نصف القرآن في عامين فقط وأجاد علم الحساب وأتقن الخط، ويكمل يونس الثانية عشرة من العمر فيلحقه الأب بالمدرسة الخيرية الابتدائية بأبي تيج التي نقل اليها الأب، أقبل يونس على العلم بنفس متفتحة للتحصيل وظهرت لديه ميول ومواهب خاصة في الرياضة والأدب والنحو فحرص الأب على تنمية مواهبه وكان يكافئه على كل قصيدة شعر يطلقها أو زجل يؤلفه وراح يحفظه الأشعار المختارة من روائع الشعر العربي ويشرحها له.

وفي سن الرابعة عشرة أصبح يونس القاضي مؤهلا تماما للالتحاق بالأزهر وفي أروقته ظهرت ملكته الشعرية فنظم قصائد الشعر، إلى جانب ملكاته الأخرى في الكتابة والخطابة، بل ظهرت عليه بوادر التفوق في علوم البيان والمنطق وأداب اللغة والعروض فأصبح معروفا وبارزا بين زملائه وإخوانه ولم يكتف بالحياة داخل الأزهر بل خرج إلى الحياة العريضة الزاخرة بكل ألوان النشاط الثقافي والفني حوله.

وبدأ الشيخ يونس ولم يزل طالبا في الأزهر تلمس الخطأ في دروب الحياة الثقافية واختار أقرب الطرق وهي الكتابة في المجلات والصحف فبدأ عام 1906 يكتب في جريدة الشيخ علي يوسف «المؤيد» وبعد لقائه بالزعيم مصطفى كامل ولم يكد يلقي نظرة على مقاله الذي أتى به إليه حتى صرح له أن يكتب في كل جرائد وصحف الحزب الوطني،

وتخصص في أن يكتب شرحا مبسطا قريبا إلى أذهان عامة الناس لخطب وأحاديث مصطفى كامل في أعنف فترة من النضال ضد الاستعمار الانجليزي لمصر. وأنشأ في حي السيدة سكينة جمعية «الرقي الإسلامي» ليلقي فيها المحاضرات على الأهالي وتلاميذ المدارس شرحا وتعقيبا على الأحداث الدائرة على الساحة السياسية ومعارك مصطفى كامل والحزب الوطني ضد الانجليز.

* محكمة الفن والأدب

على أن أكثر ما لفت الأنظار إلى الشيخ يونس القاضي بين كل ما كتب ونشر في جرائد الحزب الوطني هو هذا الباب الثقافي الذي أطلق عليه محكمة الأدب والفن، راح يتصيد فيه الأخطاء النحوية لكبار الكتاب ومشاهير الفنانين ويحاكمهم عليها وكان من بين من حاكمهم محمد سليمان عنارة وكيل المحكمة الشرعية حينئذ وطه حسين ولطفي السيد.

على أن صفة الزجال هي التي مهدت لأن يصبح الشيخ يونس القاضي شيخ مشايخ الطرب فيما توالى من سنوات وكان قد نشر كتابا تحت عنوان «تسالي رمضان» ضم زجلا كتبه الشيخ يونس وأعجب به كثيراً أحمد عباس صاحب مجلة السيف فطلب إليه أن يكون زجال المجلة،

لكنه رفض لأن المجلة تلجأ في تحريرها إلى كثير من البذاءة وظل صاحب المجلة يطارده ويلح عليه حتى وافق أن يعطيه أزجاله بشرط أن تنشر بغير إمضاء، ووافق صاحب السيف وكان يدفع للشيخ يونس القاضي جنيها كاملا عن كل زجل ينشره بينما أجر الزجالين الآخرين لا يزيد على نصف ريال، وكانت أزجال الشيخ يونس القاضي سببا في أن يرتفع توزيع المجلة.

وعرف الوسط الصحافي والفني جميعه أن صاحب هذه الأزجال هو الشيخ يونس القاضي إذ لم يلبث أن اكتشف أن صاحب المجلة كان يعطي اسمه ويبوح بسر كاتب الزجل نظير جنيه في كل مرة يتقاضاه من السائل، وانتقاما منه أعطى الشيخ يونس أزجاله لمجلات أخرى مثل مجلة «المسامير» وغيرها.

ولم يلبث الشيخ يونس القاضي أن انضم إلى أسرة تحرير مجلة «اللطائف المصورة» زجالا وشاعرا وكاتبا ورئيس تحرير القسم الفني ( 1915 - 1942 ).وكانت البداية عندما أشار حفني محمود باشا الذي كان من أشد المعجبين بأزجال يونس القاضي على أصحاب شركة «بيضافون» ـ الأخوين بيضا ـ أن يستخدما أزجال الشيخ يونس القاضي في الأغاني التي يسجلونها للمطربين والمطربات على الاسطوانات.

ولم يكد يبدأ العمل مع «بيضافون» حتى تقاطرت عليه بقية الشركات الأخرى الموجودة في ساحة الاسطوانات وبدأ المطربون والمطربات من مشاهير الغناء في ذلك الوقت يغنون للشيخ يونس القاضي مثل : عبد اللطيف البنا وصالح عبد الحي وورتيبة أحمد.كان الشيخ يونس القاضي يشتهر بالابتكار في لفظ الأغنية وموضوعها، وإليه يعود ابتكار شكل الأغنية التي تحكي قصة حتى ولو كانت مجرد سطور قليلة، وكان يتميز بالصورة الواقعية الحية التي يقتبسها من حياته وتجاربه.

* اللقاء مع سيد درويش

كانت العلاقة الحميمة التي ربطت بين الشيخ يونس القاضي وعبقري الموسيقى الشيخ سيد درويش قد بدأت على البعد دون أن يلتقي كل منهما بالآخر فعندما ذهب الشيخ يونس القاضي ذات يوم لكي يتسلم بوستة مجلة المسامير وعرفه وكيل المكتب وكان من الاسكندرية ألح عليه أن يعطيه زجلا من أزجاله لكي يلحنه ملحن صديقه من الاسكندرية اسمه الشيخ سيد درويش،

وكان مزاج الشيخ يونس القاضي في ذلك اليوم منحرفا فقد كان عليه أن يكتب صفحات مجلة المسامير كلها وأحس بأن هذا الشيخ الملحن صديق وكيل مكتب البريد لابد وأن يكون ضريرا كما يبدو من اسمه وأراد أن يعطيه مقلبا وأن يكتب له كلاما لا يلحن وفيه من قلة الأدب ما يجعل المستمع يعطي المغني علقة ساخنة وكانت المفاجأة المذهلة،

فبعد مرور فترة قصيرة فوجئ الشيخ يونس القاضي وهو في طريقه من ضاحية حلوان حيث يسكن بالأطفال في الطريق يغنون الكلام الذي أرسله للشيخ الملحن في الاسكندرية وكان يقول : وأنا مالي ما هي اللي قالت لي !. وأصر الشيخ يونس القاضي على ان يرى هذا الشيخ الملحن الذي «يجعل من الفسيخ شربات» وقرر أن يذهب للاسكندرية ليقابله.

وكان ذلك في يوم 3 أكتوبر عام 1917 ولم يكن الشيخ يونس القاضي وحده هو الذي هبط إلى الاسكندرية لكي يبحث عن سيد درويش بل كانت الاسكندرية كلها تبحث عنه، فقد غضب من حبيبته «جليلة أم الركب» وانهال عليها ضربا حتى كسر أضلاعها وقررت النيابة أن علاجها يحتاج لأكثر من 21 يوما ونشطت الشرطة تبحث عن الشيخ سيد درويش بينما اختفى هو عن العيون وتصادف أن يحدث هذا في اليوم الذي جاء فيه الشيخ يونس القاضي إلى الاسكندرية ليقابله،

وكان يقابل في كل مكان يسأل فيه عن الشيخ سيد بنظرات رافضة وعبارات غاضبة فقد تصور الناس أنه واحد من المخبرين السريين إلى أن أشفق عليه «عربجي الحنطور» الذي كان يدور به بحثا عن الشيخ سيد فتوجه به إلى مقهى كبير، وبعد أن جلس الشيخ يونس نادى الجرسون في ثقة وأعطاه بطاقته وطلب منه أن يعطيها للشيخ سيد درويش ونظر إليه الجرسون في تشكك

لكن تعبير وجهه أقنعه أنه ليس عدوا إلى أن جاء رجل عريض المنكبين يمسك بالبطاقة ويسأله ان كان هو الشيخ يونس شخصيا أم أنه رسول من طرفه ولما تأكد أنه الشيخ يونس اصطحبه في رواق إلى آخر المقهى وصعد معه عدة درجات تنتهي إلى حجرة منفصلة ورأى رجلا يجلس إلى مائدة عليها بقايا طعام وشيشة وفوق منضدة أخرى «عودا» وأدرك على الفور أنه أخيراً يلتقي بالشيخ سيد درويش فابتسم وهو يقول له : أنا كنت فاكرك يا شيخ سيد ضرير، عجوز، مهكع،!

وضحك الشيخ سيد درويش وهو يقول له : وحياة النبي أنا كمان كنت فاكرك أعمى وأقرع ونزهي وبتكتب أغاني،!

كان هذا اللقاء الغريب هو أول لقاء بين الرجلين اللذين قدر لهما فيما توالى من أعوام أن يهزا وجدان الشعب المصري بأغان مثل «زوروني كل سنة مرة»

و«أنا هويت وانتهيت» و«ضيعت مستقبل حياتي» و«أنا عشقت وشفت غيري كثير عشق» فضلا عن الأوبريتات الغنائية التي تعاونا في تقديمها من خلال فرق الريحاني والكسار والفرقة المسرحية التي أنشأها سيد درويش نفسه واستقل بها وفرقة منيرة المهدية.

ولم ينته هذا اللقاء إلا وقد فاتح الشيخ يونس القاضي الشيخ سيد درويش في أنه يريده أن يسافر معه إلى القاهرة وبقي معه في الاسكندرية لا يريد أن يعود بمفرده وعاصر بعض معاركه مع حبيبته جليلة التي كان يرفض السفر إلى القاهرة إلا بموافقتها وظل معه حتى وافقت في النهاية ورحل معه فعلاً.

ويروي الشيخ يونس القاضي كيف استقبله الشيخ سيد درويش وأبى إلا أن يكون ضيفه فيقول :عندما قابلت الشيخ سيد درويش في المقهى أصر على أن يستضيفني وركبنا عربة حنطور وصحبني إلى سوق «الكانتو» في المنشية حيث دخلنا محل «طرابيشي» و«رهوناتي» وفوجئت بالشيخ سيد يخلع نظارته وساعته ويرهنهما نظير جنيه واحد، وقلت له إنني قد جئت إلى الاسكندرية وفي جيبي خمسة وثلاثون جنيها من الذهب،

الا أنه نظر الي نظرة طويلة عاتبة وقال لي «مش عيب يا شيخ يونس، أنت ضيفي».وفي تلك الليلة كتبت له 12 أغنية لحنها جميعا في ليلتنا تلك منها : أغنيات « ضيعت مستقبل حياتي» و«أنا هويت وانتهيت» و«أنا عشقت وشفت غيري كثير عشق».

وقد صدر مؤخراً كتاب يونس القاضي تحت عنوان «شيخ المؤلفين محمد يونس القاضيص للمؤلفة إيمان مهران التي تتناول فيه سيرته ومؤلفاته. ويعتبره الكتاب رائد التأليف المسرحي والغنائي الذي ساهم في بدايات القرن العشرين في ترسيخ دعائم الفكر القومي حيث عمل في أغلب المجلات والجرائد المصرية وأنشأ جمعية لتعليم فن الخطابة وقام بتأليف المسرحيات والأغاني.

من بين مسرحيات القاضي «كلام في سرك»، «التالتة تابتة»، «الشرط نور«، «السعد وعد».وفي عام 1969 توفي الشيخ يونس القاضي عن 81 عاماً بعد مشوار طويل من الكتابة الغنائية التي مازالت راسخة في الوجدان حتى الآن.

عادل السنهوري