في قريته «برهنتوش» بمحافظة الدقهلية يعود الأديب سليمان فياض بذكرياته الرمضانية في طفولته وشبابه ويقارن بينها وبين ذكرياته الرمضانية الحالية وهو في مرحلة الشيخوخة قائلاً «في القرية كان الهدوء الجميل والراحة تلحظها في جوانب الحياة رغم صخب الأطفال وسهرهم وفرحتهم بقدوم الشهر الكريم وقد عشت أيام طفولتي بالقرية وكنت أنادي الأطفال من داخل بيوتهم وأقوم بتجميعهم حتى نكون في استقبال ليلة الرؤية.

وكنا نسير إلى خارج البلدة وعلى تل عال نقف وبأيدينا الفوانيس وكأننا نحن الذين نرى الرؤية وكنا نجلس فوق هذا التل طويلاً ولا نشاهد شيئاً حتى يأتي أهالينا ينادون علينا ويخبروننا أن الرؤية ظهرت وأن رمضان غداً، فنعود إلى القرية في زفة وفرحة كبيرة وبداخل البيوت تجد حركة لا تهدأ استعداداً لأول يوم صيام في رمضان وأتذكر اصراري على الصيام

وأنا مازلت صغيراً كما أتذكر ذهابي إلى المسجد وجلوسي فيه ما بين العصر وحتى آذان المغرب لأقرأ القرآن غير انني لم استمتع طويلاً بهذه الحياة الطفولية لأنني انتقلت للقاهرة مبكراً ولي فيها حتى الآن أكثر من نصف قرن. ورغم تواجدي بالقاهرة

إلا أن ذاكرتي لم تلتقط من الذكريات الرمضانية شيئاً غير الزحام والانفاق الزائد على الحد، فميزانية البيت المصري تظل مرهقة لمدة ثلاثة أشهر على عكس ما كان يحدث في القرية، فالاستعداد فيها لقدوم الشهر الكريم يكون بسيطاً وغير مرهق ومعتدلاً كما ينص القرآن الكريم على الاعتدال في كل شيء».

ويضيف فياض «منذ أيام طفولتي وحتى الآن لا يزال كتاب الله هو الذي يستغرقني طوال شهر رمضان».

أما عن عادتي فأنا لا أغير شيئاً من عاداتي وطباعي سواء في شهر رمضان أو أي شهر من العام فأنا أكتب نهاراً وتحديداً من الساعة العاشرة صباحاً واكف عن الكتابة متى أشعر بالاكتفاء،

ولكن تجدني في شهر رمضان أسهر قليلاً وأصحو متأخراً بعض الشيء ولا يكون هناك متسع للكتابة فأكتفي بقراءة صحف الصباح ثم أتلو بعض آيات الذكر الحكيم وقبل آذان المغرب أتمشى قليلاً فأنا أهرب دائماً من زحام المدينة ولا أنزل الشارع في رمضان إلا لممارسة رياضة المشي»،

وعن ملمح رمضان في الأدب يقول فياض «لا نجد أثراً له في أدب العصر الحديث غير أننا نجده في الكتابات الشعرية في العصور الوسطى والعصر المملوكي إنما العصر الحديث لا أجد ملمحاً بارزاً له، اللهم إلا في بعض الكتابات المتناثرة والتي لا تتناول شهر رمضان بالأساس وإنما يكون على هوامش الموضوع الرئيسى».

وعن مسيرته الابداعية وموقع شهر رمضان منها يقول فياض «بدأت الكتابة في أواخر الخمسينات حيث لم تكن هناك نافذة للنشر سوى مجلة الآداب البيروتية حتى أن المجلات التي ظهرت بعد عام 65 كانت تهتم بالفكر والدراسات والمسرح والسينما وكانت فرصة نشر الأعمال الإبداعية قليلة جداً ولم يكن أمامي أنا والكثيرين سوى الهجرة وقد أعلنها طه حسين عام 59 لقد أصبحت بيروت عاصمة الأدب

واتذكر أنني قضيت في تلك الفترة شهر رمضان كاملاً ألف وأدور على المقاهي لتوزيع أول مجموعة قصصية لى فقد قمت بطباعة أول مجموعة لي عام 61 على نفقتي ولم تقبلها دار توزيع فقمت أنا بمهمة التوزيع على المقاهي ودار الأوبرا وبعد ذلك سافرت الى لبنان حيث إن معظم أعمالي صدرت هناك وروايتي «أصوات» نشرتها مجلة الآداب البيروتية في 20 صفحة

وهذا لم يتكرر طوال تاريخها إلا مع زكريا تامر في قصة «البدوي»، وبعد 20 عاماً من الغياب قررت العودة ونشر أعمالي في مصر وقد اتخذت هذا القرار في احدى الأمسيات الرمضانية في لبنان وربما يكون هذا الغياب الطويل عن مصر قد أدى لعدم شهرة أعمالي داخلها في حين أن شهرة اسمي ترجع إلى الإذاعة فأنا صاحب برنامج «قاموس المعرفة» وطه حسين كان معروفاً من خلال برنامج «حديث الأربعاء».

ورغم الغربة والاغتراب في حياته الا ان سليمان فياض يرى ان الانسان ابن بيئته الاجتماعية وتكوينه الثقافي خاضع لها مداً وجزراً وخاضع أيضا للنواة الاجتماعية الأولى «الأسرة» فالموروثات الاجتماعية التي يتكون الإنسان من نسيجها يأخذ منها ويحذف في جدل مستمر بين العقل والروح وبين الواقع في مراحل النمو وظروف النشأة والتكوين.

وعن المظاهر التي يرفضها فياض في الشهر الكريم فيصفها بأنها تلك المظاهر التي ارتبطت ظلماً بهذا الشهر الكريم وهي الانفاق والبذخ الشديد والزحام على الشراء مما يجعل مدينة القاهرة غائصة في الزحام وعن أطباق الطعام المفضلة له يقول لم تعد لى أطباق مفضلة حيث أسير على ما يقرره الطبيب وان كانت أطباقي السابقة والمرتبطة بشهر رمضان الكريم هي طبق المكسرات الذي كنت أفضله كثيراً.