دون أن تسأل المواطن الأردني عن مكونات فطوره اليومي فاعلم انه الفلافل والحمص أما إذا أراد التغيير فان الفطور سيكون الفلافل والفول المخلوط بالحمص بشتى الأنواع، وأحيانا دون خلط. أما المفاجأة التي سيبديها المواطن الأردني وخصوصا من ذوي الدخل المحدود للوهلة الأولى وسيكون عليك تفهمها هي عندما يقف أمام إحدى الموائد في أحد الفنادق، وللمرة الأولى في حياته ..

وتحديدا عندما يلاحظ صحن الحمص.. «هنا الحمص أيضا» غالبا ما يتمتم .. ولكنه سيأكل منه، مضطرا، وما هي إلا لحظات حتى يكتشف ان ما أكل منه وشبع، ما هو الا شيء من المقبلات ليمرن بها معدته للطعام الحقيقي.من المؤكد أن سوء الأوضاع الاقتصادية والأحوال المادية السيئة التي يعيشها المواطن زادت من علاقته الحميمة بهذه الوجبة الأبدية الرخيصة..

ومن المؤكد أيضا ان هذا المواطن وإذا سألته عن سر علاقته بها لن يقول لك ان السبب في أنها مفيدة غذائيا سيكتفي بالقول .. ماذا نأكل إذن.ويغلب في الأحياء الشعبية تحديدا ان تكثر مطاعم الحمص والفول والفلافل حتى يمكن القول ان الشارع الواحد بطول كيلومتر واحد ستجد فيه ما يزيد عن ثلاثة مطاعم وهو رقم متوسط غير مبالغ به.

يقول ابن سينا عن فوائد الحمص: انه ينفع في سائر الأورام، ودقيقه للقروح الخبيثة والحكة ومن وجع الرأس والأورام تحت الأذنين وطبخه نافع لليرقان والاستسقاء ويفتح سدد الكبد والطحال ويجب ان لا يؤكل في أول الطعام ولا في آخره بل يؤكل في وسطه ـ الأردنيون يأكلونه في أول الطعام وفي وسطه وأخره لأنه ببساطة الصحن الوحيد الذي أمامهم، يضاف إليه حبات الفلافل.

ويتابع ابن سينا ان طبخ النوع الأسود منه يفتت حصوة المثانة والكلى، فيما يرى الطب الحديث ان الحمص يستخدم مدرا للبول ومفتتاً للحصى ومسمنا ومنشطا للأعصاب والمخ. ويحتوي الحمص الجاف على 4,14 % من وزنه ماء و 5,9 % مواد دهنية، و24 %مواد بروتينية، أما محتواه من الأملاح المعدنية فيتمثل في 219 ميللجراماً من الكبريت و350 ميللجراما من الفوسفور، و50 ميللجراما من الكلور،

إضافة إلى 930 ميللجراما من البوتاسيوم و60 ميللجراما من الكالسيوم، و5,5 ميللجرامات من الحديد، لكل مئة جرام منه، ويزود الكوب الواحد منه بحوالي 80 سعراً حرارياً. ولكن الأردنيين لا يحبون الحمص والفلافل لذلك بل وفق فلسفة كثرة العشرة تخلق المودة أحب الأردنيون مكونات مائدة الإفطار عندهم حتى حولوا عدداً من مطاعمها إلى أماكن تاريخية معروفة ومشهورة للغاية

فعلى سبيل المثال لن تكون من أهل عمان إن لم تكن تعرف مطعم هاشم هذا المطعم الذي لم يغلق أبوابه طوال عشرات السنين حيث تجده ساهرا أربعا وعشرين ساعة يوميا يرتاده الفقير والغني والسائح والمواطن والمغترب كل في جوقة واحدة لا تعرفها إلا في هذا المطعم وبعض أمثاله في وسط البلد.

بل ان الأردنيين رغبوا في أكثر من ذلك عندما بنوا لأنفسهم ذاكرة ثقافية واجتماعية تتمحور في بعض زواياها حول هذه المطاعم..كتب أحد الأدباء لصديقه المغترب رسالة أدبية يستذكر فيها مشهدا لهما في ستينات القرن الماضي:حين ودّعتاك، بعد ساعة، جلست وحدك للحظات.

دفعت فاتورة الحساب وأخذت تتأمل في عمان، وحين ذهبت في اليوم التالي، إلى مطعم هاشم لتأكل الفول، وهي عادة كنت تمارسها قبل سنوات طويلة، كتبت مقطوعة شعرية رديئة مزقتها، فيما بعد. وهناك في مطعم هاشم حيث الاكتظاظ رأيت سائحة أجنبية وحيدة، وسط غابة من الرجال. لم تلتفت إليها كثيراً، فأنت لا تعرفها، وجلست إلى طاولة في داخل المطعم، وأخذت تقارن بين عالمين يقول الشاعر عادل الأسطة: ..

حين تسللت إلى مطعم هاشم

في طرق أعرفها..

رأيت سائحة تأكل، هناك، حمصها:

وتساءلت:

هل هي كاترين ترغب فيمن يصحبها؟

حين تسللت إلى مطعم هاشم

كنت وحيداً إلا من قلبي،

ولم ينقذني إلا فقير مصري

يوزع أرغفة ويكرر، طربا،

أغنية كان المذياع يعممها:

ثمة إيقاع ولا معنى.

يقول أحد زبائن المطعم المعاصرين.. انه يحرص يوميا على أن يأكل الحمص والفلافل ذهابا وإيابا من العمل .. فيما يقول آخر انه لا يستطيع ان يشعر بان يومه طبيعي إلا إذا مر يوميا على «هاشم» واكل من مائدته اللذيذة» على حد وصفه.

فيما يعترف آخر انه لن يقوم بوضع لقمة واحدة من الفول أو الحمص أو الفلافل في فمه إذا ما تحول يوما ما إلى شخص غني، مشيرا إلى «ان معظم الذين يتبجحون بان الحمص والفلافل لذيذ أن إنما هم فقراء عقدوا صفقة مع فقرهم منذ سنين بان يكون الحمص والفلافل هما البديل الموضوعي للحمة الأغنياء وذلك لرخص سعر هذه الوجبة.

ويصف صاحب مطعم شعبي يدعى سامي عبد اللطيف طريقة إعداد هذه الأكلة حيث تبدأ العملية بغمر حبات الحمص بالماء لمدة أربع ساعات ومن ثم فصل الحبة السيئة عن الجيدة ومن ثم طبخها على نار عالية مع إضافة التوابل اللازمة ومن ثم تبريدها وطحنها في آلة خاصة ليصبح الحمص جاهزاً للأكل.

عمان ـ لقمان اسكندر: