المؤلف هو عبدالرحمن بن محمد بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الاشبيلي، من ولد وائل بن حجر: الفيلسوف المؤرخ، العالم الاجتماعي البحاثة. أصله من إشبيلية، ومولده ومنشأه في تونس. ولد سنة 832 ه، رحل إلى فاس وغرناطة وتلمسان والاندلس، وتولى أعمالاً، واعترضته دسائس ووشايات، وعاد إلى تونس، ثم توجه إلى مصر فأكرمه سلطانها الظاهر برقوق.
وولي فيها قضاة المالكية، ولم يتزيا بزي القضاة محتفظاً بزي بلاده. وعزل، وأعيد. وتوفي فجأة في القاهرة. كان فصيحاً، جميل الصورة، عاقلاً، صادق اللهجة، عزوفاً عن الضيم، طامحاً للمراتب العالية. ولما رحل إلى الأندلس اهتز له سلطانها، وأركب خاصته لتلقيه، وأجلسه في مجلسه. اشتهر بكتابه الذي نحن بصدد التعريف به، والذي طُبع عام 1274ه، (العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر) في سبعة مجلدات،
أولها (المقدمة) وهي تعد من أصول علم الاجتماع، ترجمت هي وأجزاء منه إلى الفرنسية وغيرها. وختم (العبر) بفصل عنوانه (التعريف بابن خلدون) ذكر فيه نسبه وسيرته وما يتصل به من أحداث زمنه. ثم أفرد هذا الفصل، فتبسط فيه، وجعله ذيلاً للعبر، وسماه (التعريف بابن خلدون، مؤلف الكتاب، ورحلته غرباً وشرقاً) ومن كتبه (شرح البردة) وكتاب في (الحساب) ورسالة في (المنطق) و(شفاء السائل لتهذيب المسائل) وله شعر. مات رحمه الله سنة 808ه.
* سبب التأليف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: إن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشتد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأولى، تنمى فيها الأقوال وتصرف فيها الأمثال، وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها،
وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها، وأدوها إليها كما سمعوها، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها، ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا دفعوها، فالتحقيق قليل، وطرف التنقيح في الغالب كليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل، والتقليد عريق في الآدميين وسلسل،
والتطفل على الفنون عريض وطويل، والحق لا يقاوم سلطانه والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه، والناقل انما هو يملي وينقل، والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل، والعلم يجلي لها صفحات الصواب ويصقل، هذا وقد دون الناس في الأخبار وأكثروا، وجمعوا تواريخ الأمم والدول في العالم وسطروا، والذين ذهبوا بفضل الشهرة والأمانة المعتبرة، واستفرغوا دواوين من قبله من صحفهم المتأخرة، هم قليلون لا يكادون يجاوزون عدد الأنامل،
ولا حركات العوامل، مثل ابن اسحاق والطبري وابن الكلبي وحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدي والمسعودي وغيرهم من المشاهير، المتميزين عن الجماهير، وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الاثبات. ومشهور بين الحفظة الثقات، إلا أن الكافة اختصهم بقبول أخبارهم، واقتفاء سننهم في التصنيف واتباع آثارهم، والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم،
فللعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الأخبار، وتحمل عليها الروايات والآثار، ثم ان أكثر التواريخ لهؤلاء عامة المناهج والمسالك، لعموم الدولتين صدر الإسلام في الآفاق والممالك، وتناولها البعيد من الغايات في المآخذ والمتارك، ومن هؤلاء من استوعب ما قبل الملة من الدول والأمم، والأمر العمم، كالمسعودي ومن نحا منحاه، وجاء من بعدهم من عدل عن الإطلاق إلى التقييد.
ووقف في العموم والإحاطة عن الشأو البعيد، فقيد شوارد عصره، واستوعب أخبار أفقه وقطره، واقتصر على أحاديث دولته ومصره، كما فعل أبو حيان مؤرخ الأندلس والدولة الأموية بها وابن الرفيق مؤرخ أفريقية والدول التي كانت بالقيروان ثم لم يأت من بعد هؤلاء إلا مقلد،
وبليد الطبع والعقل أو متبلد، ينسج على ذلك المنوال، ويحتذي منه بالمثال، ويذهل، ويذهل عما أحالته الأيام من الأحوال، واستبدلت به من عوائد الأم والأجيال، فيجلبون الأخبار عن الدول، وحكايات الوقائع في العصور الأولى، صوراً قد تجردت عن موادها.
ولما طالعت كتب القوم وسبرت غور الأمس واليوم نبهت عين القريحة من سنة الغفلة والنوم، وسمت التصنيف من نفسي وأنا المفلس أحسن السوم، فأنشأت في التاريخ كتاباً، رفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حجاباً، وفصلته في الأخبار والاعتبار بابا بابا، وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً، وبنيته على أخبار الأمم الذين عمروا المغرب في هذه الأعصار، ومن سلف لهم من الملوك والأنصار،
وهم العرب والبربر، إذ هما الجيلان اللذان عرف بالمغرب مأواهما، وطال فيه على الأحقاب مثواهما، حتى لا يكاد يتصور فيه ما عداهما، ولا يعرف أهله من أجيال الآدميين سواهما، فهذبت مناحيه تهذيباً، وقربته لأفهام العلماء والخاصة تقريباً، وسلكت في ترتيبه وتبويبه تهذيباً،
واخترعته من بين المناحي مذهباً عجيباً، وطريقة مبتدعة وأسلوباً، وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن ما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها، حتى تنزع من التقليد يدك، وتقف على أحوال من قبلك، من الأيام والأجيال وما بعدك.
د. يونس قدوري الكبيسي
مركز جمعة الماجد للثقافة التراث والتراث