عندما اشتدت الوطأة السياسية على الشيخ الإمام محمد عبده في مصر، بعد الحركة العرابية، وجد نفسه منفياً إلى بيروت اعتبارا من العام 1883. ولقد أقام الإمام في هذه الحاضرة سنوات عديدة كان فيها معززا مكرما... وهنا صورة قلمية للإمام محمد عبده كتبها أمير البيان شكيب ارسلان، الذي كان في ذلك الحين أديبا ناشئا مجتهداً حرص على أن يتتلمذ على المفكر الكبير ويرصد تفاصيل حياته وشخصيته في المنفى.
... ولم تمض شهور حتى سمعنا أن الشيخ محمد عبده عاد من باريس إلى بيروت، وكان أهل الفضل في سوريا بدأوا يعرفون قدره، وكثر تردد الناس عليه ولهجهم بذكره. ومرة زارنا في المدرسة الأستاذ سعيد الشرتوني صاحب «اقرب الموارد»، فسألته عنه فقال لي: هذا الرجل إذا تكلم يخرج النور من فيه، فازداد تشوقنا إلى معرفته. وفي أواخر العام 1886 جرت حفلة في مدرسة الحكمة كان الشيخ محمد عبده من جملة المدعوين إليها.
فهذه أول مرة شاهدته فيها، وبعد ذلك شاهدته في احتفال آخر السنة بالمدرسة الكلية الأميركانية، وكان معه الشيخ عبد القادر أفندي القباني صاحب جريدة «ثمرات الفنون» وأحد أعيان بيروت المشار إليهم في لبنان. وكان صديقا للأستاذ الإمام وكنت اعرفه، فقدمني إلى الأستاذ فسلمت عليه فظهر انه كان يعرف اسمي لأني أنا، لذلك العهد، كنت انظم وانثر، وصارت لي قصائد منشورة في الجرائد. فأتذكر انه قال لي «أنت ستكون من أحسن الشعراء»
. فأخذنا من ذلك الوقت نزور الشيخ إلى منزله. وكان يسكن في حي زقاق البلاط قريبا من منزل ال حمادة وال قباني، ويسمر في كل ليلة في دار الحاج محي الدين حمادة رئيس البلدية وعميد بيروت في وقته. فكنا نحن وكثيرون نقصد السمر هناك لسماع أحاديث الأستاذ،
وقد انطوى أكثر من كانوا يتناوبون ذلك المجلس من الأعيان والفضلاء ولم يبق منهم إلى اليوم فيما اعلم سوى الوجيه الكبير الفاضل الجليل الشيخ عبد القادر القباني والفاضل الأديب الشيخ محمد اللبابيدي. وزارنا الأستاذ الإمام في منزلنا بالجبل،
وتعرف إلى والدي رحمه الله وسر والدي كثيرا بمعرفته وقدره وصار لا ينزل مرة إلى بيروت إلا يزوره. وكان الشيخ أيضا يجل والدي كثيراً وقال للأستاذ الشرتوني عنه: أعقل من رأيت من أمراء الجبل. ولما توفي والدي إلى رحمة ربه في أواخر سنة 1887 كان الشيخ من اشد الناس عليه حزنا ولنا مواساة ومؤازرة.
وكان الشيخ، رحمه الله، يقرأ التوحيد والفقه في المدرسة السلطانية في بيروت فحضرت عليه أنا والمرحوم أخي في درس مجلة الأحكام العدلية. وأما تلاميذه في التوحيد فاذكر منهم أخاه حمودة عبده الذي كان نبيها، وكان الشيخ يتوسم فيه الخير، والسيد عبد الباسط فتح الله الذي هو من أنبه خريجي الأستاذ الإمام وأجل من أخرجته بيروت في هذا العصر. وكل منهما قد لقي وجه ربه.
وكانت فائدة مقام الشيخ في بيروت عظيمة لأهل سوريا، فانه ما مضت مدة إلا وأصبح منزله بصورة دائمة تقريباً غاصا بالزائرين الذين كانوا يقصدون إلى حضرته لمجرد الاستفادة من محاضراته والالتقاط من درره. وصار للناس ولع به، فكنت تراهم يحفظون من كلامه ويقلدونه في لفظه، ويتابعونه في رأيه. وان كثيرا من الأفكار والمبادئ والألفاظ والجمل السائدة الآن في بر الشام هي من بقايا آثار مجالس الشيخ محمد عبده، لا شك في ذلك وان اختفى أصلها وانطوت نسبتها.
وأجمع السوريون على إجلاله والولوع به إجلالاً لم يقع مثله لأحد، فكنت ترى جميع الطوائف والفرق بدون استثناء، تزدحم حول ذلك المنهل العذب. وكان هو بسعة عقله وعلو إدراكه وإحاطة نظره يتفاهم مع كل قبيل منهم، كأنه نشأ فيهم ولم يعرف سواهم. ونظرا لكثرة ترددي عليه أقول أني اعلم من هذا الأمر ما لم يعلمه غيري. فطالما لقيت في مجلس الأستاذ أصناف الملل والنحل وهي تفهم منه وهو يفهم منها.
وتجلت لي هذه المسألة (عظمة الفلسفة) بين العلوم وكيف انها تسهل فهم كل شيء ومزية الأدمغة التي حشوها الحكمة وطرازها التصوف. وظهرت لي محاسن الأنظار الشاملة التي افقها أوسع وأعلى من سائر الآفاق. فقد كان يجتمع في حضرته علماء السنة ومجتهدو الشيعة وعقال الدروز، وبجانبهم أساقفة النصارى، وكانوا يرون التردد عليه أمراً مفيداً ويجدون فيه مرجعاً عاماً.
ثم انه لم تكن تلك المجالس تخلو من المباحثات الدينية، ومن الخوض في أمور كل هؤلاء الناس، وكان الشيخ يأخذ ويعطي ويشرح ويوضح على عادته. وينتهي الأمر بان الجميع يكونون على وفاق وان كل فئة منهم ترى أن الشيخ قد فهم ما أرادت، وأنها هي فهمت ما أراد.
وأغرب من هذا أن ذلك المجلس لم يكن يخلو من الملاحدة والمعطلة الذين كانوا يقصدون إلى مجلس الأستاذ ليسمعوا أقواله في الإلهيات والأديان ويروا ما عنده في الخالق والمخلوق وأشباه هذه المباحث. فكان الأستاذ يناظرهم بكل تؤدة، وكان يحل لهم المشكلات التي كانوا إذا سألوا عنها غيره من العلماء أعجزهم الجواب عنه، فكنت تراهم منصتين إليه حيارى أمامه، لا يدرون ماذا يقولون مع أنهم قبل حضورهم إلى مجلسه قد آلوا أنهم يعجزونه كما اعجزوا غيره.
وبالاختصار لم اعلم أحدا تمكن من أن يبدي أمامه من باب الجحود أكثر من اعتراض واعتراضين، ثم لم يلبث أن وقف حماره في العقبة وخرج من حضرة الشيخ إما راجعاً إلى إيمانه بالغيب، أو باقياً على جحوده مع الاعتراف بالعجز عن الأخذ والرد مع هذا الرباني المنقطع النظير.
على مثل هذه الحالة قدم الشيخ محمد عبده إلى بيروت فظهر فضله وسطعت شمسه فاختلط أدباء المسيحيين وعلماؤهم ورؤساؤهم به، فرأوا منه غير من عرفوا إلى ذلك العهد. وبعد أن كانوا يرون في الإسلام شيخاً معمماً قصير أحد الفكر، أو بالكثير فقها جامداً متورعاً، صاروا يرون فيه بحسب تمثيل الأستاذ الإمام إياه، فقيها نيراً وفيلسوفاً كبيراً واجتماعياً محنكاً. وهنا شاهدوا الإسلام كما كانت عليه الطبقة العليا.
وكما أن المسيحيين في سوريا شاهدوا في الشيخ عالماً مسلماً لم يعهدوا نظيره، كذلك المسلمون أنفسهم على اختلاف طبقاتهم كانوا مقرين بفضله، موقرين لقدره، وكان ناشئتهم معترفين بأن هذا الأسلوب أسلوب لم يعرفوه من قبل. وقد كان الأستاذ يجل من علماء سوريا بشكل خاص الأستاذ الشيخ حسين الجسر الطرابلسي رحمه الله، لأنه كان عالما مفكرا واسع النظر مهتما بالجمع بين الشريعة والأوضاع العصرية.
وطالما سمعت من فمه الثناء على الأستاذ الجسر، كما أن الأستاذ الجسر كان معجباً جداً بالشيخ محمد عبده، معترفا بعبقريته، وقد ذكر لي ذلك إحدى المرات ولم يأخذ عليه إلا شيئاً من حدة المزاج. فقد كان الشيخ يومئذ لم يتجاوز الثامنة والثلاثين من العمر،
وكان من أصله عصبي المزاج، سريع الانفعال، مرهف الإحساس، فربما جرى لسانه بسائق التأثر بما لم يكن يجري به لو لم يكن متأثراً. وقد زار الشيخ وهو في بيروت كثيراً من حواجز سورية ومدنها، كدمشق وطرابلس وصيدا والقدس، وكان أينما حل معززاً مبجلاً ومحفوفاً بالمستفيدين. وكانت أخلاقه تسير جنباً إلى جنب مع معارفه، فكان مثالاً للعلم مع العمل.