ذكرنا سابقاً وعبر حلقتين كيف نشأت خصومة أدبية بين الأديب العراقي علي الحلي والأديب الإماراتي أحمد بن علي العويس الملقب بـ «المقداد» والتي كانت مجلة «صوت» البحرين مسرحاً لها حيث نشر الحلي مقالاً بعنوان «اسقطوا شوقي من إمارة الشعر» فرد المقداد عليه بمقال بعنوان «اسقطوا الأدعياء من منائر الشعر».

وها هي المعركة تستمر عبر مقالين آخرين بعنوان «لا صوت للضفادع النقاقة في الأدب العربي» بقلم علي الحلي، فرد عليه المقداد «لا محل للشعوذة والتهريج في الأدب العربي». نقدم اليوم وغداً مقتطفات من المقالين ليقف القاريء على أفكار الخصمين المتنازعين:

ليس أدل خطراً على حياة الأدب العربي الحي في واقعنا الاجتماعي الحاضر، وخلال هذه الفترة الأليمة الاختبارية التي تجتازها الأمة العربية، بعد مأساة فلسطين الدامية، لتقرير مصيرها في الحرية والوحدة العربية والاشتراكية، من تفشي أوضاع النزوع للتقليد البليد، والاجترار المرير، والمحاكاة البلهاء،

والتصنع المفضوح، والمطابقة العمياء، والتقمص الفاضح، والتسليم المجرد بالأشياء على علاتها دون تمحيص أو تأمل وتفكير.. بين أغلب شبابنا اليوم، وأكثر شيوخنا بالأمس عفا الله عنهم! شأن هاتيك الضفادع النقاقة على ضفاف الغدران الآسنة وأخياس المستنقعات، ولن أقول كالببغاوات على أفنان الشجيرات في الريضان.

وكان من البديهي الثابت لهذه الاتجاهات الانحرافية الالتوائية في سلوك الفرد، لا كإنسان يحسن الاختيار بما يستشعر به من ذوق سليم ورأي منطلق إن ضعف لدينا روح الابتكار الحق، وتبلدت في أعماق نفوسنا ثورة الإحساس للتوليد الجديد، وتحجرت في أغوار افئدتنا ذهنية الانطلاق والتجديد، وماتت فينا الرغبة إلى الإبداع، واختراق الحدود، وأصبح هؤلاء الأحياء الأموات يدورون على أنفسهم، كالثيران في مسارب الحقول تلفحها الشمس اللاهبة، فلا تزيدها إلا خواراً ودواراً!!

وحينما كتبت كلمتي الحرة اسقطوا «شوقي» من إمارة الشعر معبراً عن رأيي الصريح في الموضوع، لم أكن خافياً ولا غافلاً عما سيثار من نقمة وتمرد واستنكار، لا سيما بالنسبة إلى أولئك الذين لم يعوا حقيقة الكفران بالاجترار والتقليد والترديد جزافاً وعيونهم معصبة وآذانهم قد تأكلت من الصمم،

وقلت في ختامها بالنص ما يدل على الاحتمالات الصادقة وقد تحققت! «نحن نعرف جيداً، إن تبيان هذه الحقيقة الأدبية المرة سرعان ما يدفع الكسالي المتثائبين في هيكل الأحياء الأموات إلى التمرد على تغيير ما كان، وليس بالإمكان أبدع مما كان، وبالتالي إلى الاشمئزاز الساخط في عالم الفراغ المجدب.

أخلص من كل ما تقدم إلى القول بأن الأخ المفضال الأستاذ المقداد ـ ولا أدري لماذا تستر وراء الاسم المستعار مع أن نقاشنا أدبي لا غبار عليه؟!! لم يستثرني في برده، بل لم يثر في نفسي شيئاً من القلق والشك أو الرهبة، على الرغم من استمرائه في اقتناص شوارد الشتم الميت، وشذرات السخر الكسيح، وخروجه عن روح النقد الموضوعي في البحث،

ولن أبيح لنفسي إطلاقاً أن تنزل إلى الدرك السحيق الذي تخبط في غياهبه، حينما انتزع ألفاظاً من معجمه اللغوي لإعمالها دون مشقة أو أدنى جهد، في الوقت الذي تعاصى عليه فهمها حينما قرأ كلمتي الأولى!! كما أن الابتعاد عن روح المناقشة العلمية، والتشبث بالإيحاءات الجانبية،

والانصراف إلى جدل غير موضعي ولا موضوعي لا يؤثر على خلود الحقيقة ولا يحجب نورها عن أعين النابهين التواقين إلى استجلاء معالمها أبداً. ولكي نحافظ على سلامة النقد الأدبي الحر من العبث والبيزنطية في الجدل، نود أن نحصر نقاشنا في نقاط موضوعية رئيسية، خلافاً للأسلوب التهويشي المشوش الذي انتهجه الأستاذ المقداد:

1 ـ يقول الأخ المقداد «كنا نستطيع أن (نكون) مع.. الحلي، لو كان حديثه يرمي إلى المناداة بخلع شوقي من إمارة الشعر في وقتنا هذا على الأقل، فإذا كان شوقي قد نصب أميراً للشعر من «عشرات» السنين فلا يجوز أن تبقى هذه الإمارة سارية إلى الأبد.

وفي مكان آخر يقول «وليس بدعاً أن يلد عصرنا هذا شاعراً (يجب) أن يمنح لقب الإمارة في دولة الشعر والشعراء!! ونحن لا ننكر هذا مع إننا (يجب) أن نسارع فنتعرف بأن (مكان) شوقي لا يزال شاغراً!!.. فالأستاذ المقداد في الشق الأول يقدم الدليل على أن لديه استعداداً ومطاوعة وقبولاً صادقاً بالتسليم، في أن موضوع «الإمارة الشعرية» خاضع للأخذ والرد في الوقت الحاضر على الأقل!!

وفي ذلك شك أو عجب عجاب!، ولكنه يتدارك بفعل قلقه، مفرقاً بين «عشرات» السنين الماضيات ـ ولقائه بعدهن قروناً!! والوقت الحاضر مع إن المقاييس المنطقية ثابتة بالنسبة لحادثة موضوعية تصل الماضي بالحاضر.. وللمستقبل.

ولا أدري كيف يوفق الأخ المقداد بين استعداده في الشق الأول، للتسليم بوجهة نظري إلى حد ما على الأقل!!، وإصراره المعتمد على (الوجوب) والجزمية في أن مكان «الإمارة الشعرية» لا يزال شاغراً؟؟!.. قد يجوز أن الأخ المقداد، يخال الإمارة الشعرية منصباً وزاريا شاغراً في (دولة البطيخ»!!، لا في دولة الشعر، كما يتهالك عليه الوصوليون الانتهازيون في هذه الأيام.

2 ـ يدعى الأخ المقداد «ان أحمد شوقي، وهب نفسه وكرس فنه.. و.. ولخدمة الأمة العربية (!!) والإسلامية في آلاف المناسبات والحقيقة الناصعة التي لا مراء فيها، ان الشعب العربي الخالد يشهد هذا الشوقي لم يهبه، من روحه إلا هباباً استطرادياً، قدر وهبه لأسياده من الباشوات والسلاطين،

وان شوقي كما يقول الدكتور شوقي ضيف «كان عيداً للخديوي عباس، وبوقا للأسرة العلوية في مصر، كيف لا، وقد كان يغوص في أعماق اللهو والبذخ في قصر القبة، حتى ان ذكرى «دانشواي»الخالدة لم تثر في نفسه سوى مقطوعة!!، ولو كان شوقي يعيش السبب، لرنم ملحمة، يتغنى بها الموتورون، ولكنه مع ذلك، نظم المقطوعة رداً على من يلومونه بالصمت!!

ويقول دكتور ضيف «حين نقل اللورد كرومر من مصر سنة 1907، أقام له حفل وداع، وكان الأمير حسين كامل حاضراً، وخطب كرومر وندد باسماعيل وعصره، وذم المصريين، وحمل عليهم لأنهم لم يقدروا منن الاحتلال الإنجليزي ولا ما طوقهم به، وثارت ثائرة شوقي لأسياده من الأسرة العلوية فنظم قصيدة منها:

اوسعتنا يوم الوداع، إهانة، أدب لعمرك، لا يصيب مثيلاً. هكذا، يغضب شوقي للأسياد المستفيدين، لا لجمهور الشعب العربي المستعبد في القطر المصري، لانه لم يعش له، فأين أنت يا أستاذنا المقداد من كل هذا؟؟، وأين هي مناسبات الخدمة للأمة العربية، والعالم الإسلامي، تلك التي تعد بالآلاف.

أعيذها نظرات منك صادقة

ان تحسب الشحم، فيمن جسمه ورم

3 ـ ومن الغريب الطريف معاً، ان تستنتج عبقرية المقداد الخلاقة من سياق كلمتي ما يدفعه الى القول عبثاً «مهما بلغ تعصبنا للجديد المبتكر، يجب ان لا نعمى، ونتصامم عن عظمة الفن القديم!! فهل ان من يتحدث عن عظمة الفن الحديث، يحمل قوله على التصامم عن عظمة الفن القديم استنتاج جد غريب وطريف حقاً!

وبعد، هل ثمة إشارة من هذا الاستنتاج الابداعي في كلمتي؟ دلني عليه يا سيدي المقداد! انني اتحداك، لو قدمت دليلاً واحداً على كفراني بعظمة الفن القديم، الذي أدسه وأتز به. ويقيني، ان الاستاذ المقداد وقع في ورطة زلت بها قدماه، فكان استنتاجه من مفهوم المخالفة تهافتا بينا في هذا المجال.

4 ـ يقول الاستاذ المقداد «نحن لا نريد ان نناقش؟ آراء الدكتور غلاب، حين وضع أحمد شوقي في صف الشعراء الرومانتيكيين، فإن «نظرة واحدة!!» نلقيها على شعر شوقي تكفينا مشقة الجدال والنقاش!! وهو يقول هذا، لا يناقش الدكتور غلاب، ولا ستاندال ولكنه يقرر ما بين غمضة عين وانتباهتها، بنظرة واحدة!! ان شوقي شاعر رومانتيكي!! دون ان يقدم رأياً منطقياً، من عنده على الأقل!!

ليناقش عليه بحرية وجرأة، وفي هذا الحكم «القره قوشي» إسراف كبير في التقدير، واسفاف في العنجهية في تقويم الآراء، واستهتار بروح الجدل السليم من تهافت الأحكام الارتجالية. 5 ـ قلت في معرض كلمتي الأول ما نصه: «ان أغلب شعر الأمير عار عن الطاقة الإنسانية المعبرة عن الإحساس الجمعي والمشاعر الوطنية،

بالنسبة الى الرصافي والجواهري وحافظ إبراهيم والقروي.. ولكي يبدو الأخ المقداد للقراء فاتحاً كالاسكندر المقدوني، منتصراً على غريمه، عمد الى طريقة «المقص» وراح ينهب من الألفاظ ما يفسد عليه انتصاره المشلول، ويفك حلقات الجمل، ليطاوعه تنثيرها المتناثر في سبيل الفوز الذليل!

ولعل من الأمور التي لا تحتاج الى شرح وتطويل، ان الناقد الحر، ينبغي أن يكون مجرداً عن الهوى والهوس، أميناً برسالته، مخلصاً في أداء مهمته، فاللصوصية والنهب والجذ والبتر في الألفاظ والمعاني، ليست كما أرى، من سمات الأديب الواعي الذي يقدر قدسية المناقشة البريئة في جوها العلمي ـ المنطقي للبحث: وعلى هذا الاعتبار، أود أن أقول:

إن المقداد نقل عباراتي هكذا (إن شعر شوقي عارٍ عن الطاقة الإنسانية فالعبرة عن الأساس الجمعي والمشاعر الوطنية)!!. وكان الله في عون الصابرين!!أنا آسف أن أقرر هنا أن أخي المقداد ـ من حيث يدري ولا يدري ـ مكلف بالوقوف في قفص الاتهام، للإجابة عن تهمتين أدبيتين، لا يمكن السكوت عن محاسبته عليهما:

أولاهما: إنه «اجتثّ» عن قصد كلمة «أغلب» من الشق الأول من العبارة، وفكّ رقبتها عمداً، ليستفيد تجاوزاً من المعنى، فالذي يجري على الإطلاق، والمطلق يجري على إطلاقه، مع أني لم أهدف إلى شيء من هذا، وحسبي، أنني قيّدت الإطلاق «بأغلب» حتى لا ينصرف المعنى إلى العموم والشمول.. فتأمّل أيها القارئ!

وثانيهما: إنه اكتفى بالوقوف عند الحد الذي ضمن له الشعور بالفوز والغلبة من عباراتي!! مستغنياً عن الباقي، لئلا يؤثر على بصره المهلهل، ليدخل في روع القارئ ما لا أقصده من جهة، لتدق أجراس الانتصار له من جهة أخرى، وبارك الله بالبهلوانيات في دنيا النقد والأدب المهان!!

6ـ أما قول الأستاذ المقداد، بأن مقاييس الشعر أبسط من أن توصف (بانفعال شعوري) و(أداء نفسي) فأني أحيله إلى دراسة كتاب (الأسس النفسية في الإبداع الفني وخاصة في الشعر) الأستاذ مصطفى سويف، ومقالات الأستاذ مارون عبود في نقد الشعر العربي المعاصر، ومقدمة (أين المفر؟) النفيسة للأستاذ محمود حسن إسماعيل، و(نماذج فنية في النقد) للأستاذ المعداوي وغيرها. يتزود من مفهوم الشعر العربي في العصر الحديث.

7ـ في إحدى الأمسيات، كنت جالساً في الصحن الحيدري بالنجف، وقبل سبع سنين، حدثت مناوشة حادة بين شخصين، جلسا بالقرب مني، وكان مدار الحديث منصبّاً على أمور تتعلق بمهنتهما (البناء)، ولم تمضِ لحظات حتى تشابكا، وسيطر أحدهما على الآخر سيطرة تامة، أشبع صاحبه لكماً وضرباً وإيلاماً، فأحدقت بهما جمهرة من الناس، وكنت حينذاك في أوساطهم، وخلال ذلك كان بكاء الشاب المخذول يتعالى، فاستفسر بعض الناس عن سبب المشاجرة،

فما كان من المخذول المندحر، إلا أن صرخ بكل قحة، إن فلاناً ويقصد غريمه المنتصر، قد شتم الإمام الحسين عليه السلام!!! مستغلاً بذلك عطف الجمهور وسذاجة الغوغاء، وقبل أن يتأكد الجمع، من صحة القول المفترى، وقبل استيعاب الآذان رنة صدى الصوت، كان الشاب المنتصر طعمة للجماهير التي أحاطت به وكادت تفترسه وتبطش به رغم براءته..

تذكرت هذه الحادثة الفريدة، وأنا بصدد «الحكاية» الأزلية التي اتهم الأحرار سابقاً من قبل الفئات الرجعية بالدعوة إلى «الزندقة»®. هذه الحكاية، أورد الأخ المقداد مثيلاً لها، أو ظلاً ظليلاً، ناسياً أو متناسياً أن مثل هذه الأساليب العنكبوتية، أكل الدهر عليها وشرب!!

اعداد : بلال البدور