كان من الدوافع الرئيسية لكتابة هذه الحلقات هو مؤلفات ثيسجر وتوماس، حيث بدأت علاقتي بكتابات الأول عام 1998م حين نشرت الزميلة «الخليج» لي أول لقاء صحافي يُنشر باللغة العربية مع مرافقي الرحالة ولفرد ثيسجر (مبارك بن لندن) البدويين الشجاعين سالم بن كبينة وسالم بن غبيشة، وأقول باللغة العربية لأن الصحافة الغربية لم تنسهما تماماً كما فعلنا نحن، فقد التقاهما من قبل مايكل آشر كاتب سيرة ثيسجر كما التقاهما العديد من الصحافيين الأجانب.
هنا سنبدأ قراءة نقدية مقارنة لأشهر الرحالة اجتيازاً لصحراء الربع الخالي... ونبدأ ببيرترام توماس.. الرائد الأول كما أسماه ثيسجر.. كتب س. ب.مايلز المعتمد السياسي والقنصل البريطاني في عُمان (1880 -1872) في كتابه «الخليج بلدانه وقبائله» يصف صحراء الربع الخالي بأنها هي: «الصحراء العربية الكبرى، أكبر رقعة رملية قفراء غير مأهولة في القارة الأسيوية، ويبلغ طولها 700 ميل، وتقع بين عُمان شرقاً حيث يوجد أعرض جزء منها،
واليمن على الغرب حيث توجد أضيق مناطقها، ومن الشمال تحدها نجد واليمامة والإحساء، ومن الجنوب حضرموت، وظفار، والبحر الجدري بمتوسط عرض 300 ميل، أما عن المعالم الطبيعية لهذا الصحراء فنحن نكاد نجهل عنها كل شيء، إذ لم يقم أي من الأوروبيين حتى الآن باكتشاف أعماقها، ومعلوماتنا عن سكانها البدو باهتة وغير أكيدة، بحيث لا يمكن أن نعّول عليها. وعلى أية حال فالمعلوم أن هناك منطقة الدهناء الواقعة على الشمال الشرقي.
وهي منطقة منعزلة ترصعها سلسلة من كثبان الرمال الحمراء التي تشبه أمواج المحيط، حيث لا وجود لأي نبات، وحيث لا يستطيع حتى البدو الرحل التجول فيها. وهناك جزء من هذه الصحراء يسمى الأحقاف التي يُقال أنها تحوي أكواماً من الرمال تغطي أجزائها الصخرية السوداء.
والعرب يصفون جزءاً كبيراً من الصحراء بأنه سهل مموج تشقه سلسلة من التلال المنخفضة ومجاري المياه الضحلة الجافة بالإضافة إلى تلال الرمال ويبدو أنه لا يوجد شيء بارز فيه أو ملفت للنظر، وتتشكل البرك من خلال سقوط الأمطار، وبعد أن تتبخر المياه تبرز طبقات الملح التي تغطي تلك البرك مما يُضفي عليها منظراً أبيض اللون. وتلال الرمل الواقعة على الجزء الشرقي من الصحراء تعرف بأسماء متعددة منها كواد، والأحقاف، والكثيب.
وإذا تناولنا الصحراء عموماً فإن البدو يطلقون عليها اسم المنطقة غير المطروقة، كما يسميها البعض بالصحراء. أما في مؤلفات الجغرافيين العرب فإن الاسم الذي يطلق على هذه الصحراء هو «الربع الخالي» غير أن البدو لهم أسماؤهم الخاصة لمختلف المناطق، والواحات التي لها سماتها ومعالمها الخاصة.
ولعله لا توجد منطقة في العالم كله تضارع الربع الخالي في جدبه وجفافه، وحيث إذا استثنينا بعض البدو الرُحل والجمال والماعز والحيوانات المتوحشة فلا يوجد أي أثر للحياة فيها ويخيم عليها السكون والوحشة. ومناخ الربع الخالي يتأثر بفصل المونسرن، ورغم أن المطر قليل فيها نسبياً،
إلا أن الديم كثيراً ما تهطل عليه. ونظراً لفقر التربة وجفافها وقلة هطول الأمطار عليها وشدة الحرارة فلا يوجد فيها إلا نباتات هزيلة أو ضعيفة النمو تتكون من أشجار ناقصة النمو كالحنظل والطرفاء والدفلي والورد، والنباتات اللبنية والحرمل، وغيرها من النباتات العشبية التي تعيش عليها الجمال.
والمعتقد أن الصحراء تخص القبائل العديدة التي تحيط بها وتحتل أجزاءها ويتجول البدو في مجموعات في هذه الصحراء في كل الاتجاهات، وتربى أعداد كبيرة من الجمال من أجود السلالات. والمعروف أن الجمال التي تقوم قبائل عمان والمهرة بتربيتها مشهورة بسرعة الجري وجمال الشكل وقوة التحمل، وكان شريف مكة يتلقى هدية سنوية من هذه الجمال من سلطان عمان لاستعماله الخاص».
بقيت هذه المنطقة من الجزيرة العربية مجهولة تماماً للعالم، لا يعرف عنها شيء، تلك هي، وقد كان الربع الخالي يعتبر من أكثر مناطق العالم انغلاقاً، وصعوبة اجتياز، فهو بحر من الرمال، ولا تكاد توجد به آبار ماء، وهي إن وجدت فالمسافة بين البئر والأخرى تبلغ أحياناً نحو أربعمائة ميل. كل هذه العقبات كانت تصرف أنظار الرحالة عنه إلى غيره. وقد وصفه الرحالة داوتي في كتابه «رحلات في الصحراء العربية» قائلاً: « إنني لم أجد أحد بين العرب مَن يستطيع أن يحدثني عن الربع الخالي وما فيه، ولو حديث خرافة».
وكان داوتي قد بدأ رحلاته في الشرق العربي عام 1875 . وبدأ رحلته في جزيرة العرب من الشمال الغربي، يعيش مع البدو ويؤاكلهم، ويتعرض للمخاطر، حيث زار خيبر وتيماء وحائل وبريدة وعنيزة والطائف وجدة، ولكنه لم يصل منطقة الربع الخالي، بل لم يتعد المناطق الشمالية وجزء من وسط الجزيرة العربية.
وإن كان كتابه لا يتناول سوى جزء صغير من الجزيرة العربية، إلا أنه حافل بالمعلومات القيمة عن سكان المنطقة، وجغرافيتها، ومزروعاتها، وحيواناتها وطيورها. فهو لم ير في الصحراء العربية جنة الأحلام، بل أرض الماضي الدفين التي تنتظر من يكشف عن أسرارها، مثلما رآها غيره من الرحالة مثل بيرتون،
وبلنت حيث أقبلوا على الصحراء العربية برومانسية وتوق إلى المغامرة.كان كل ما يعرفه الأوروبيون عن جزيرة العرب أن الرسول الكريم ولد بها، وفيها المدينتان المقدستان عند المسلمين مكة والمدينة. وكان يسود بينهم اعتقاد خاطئ بأن جثمان النبي الكريم معلق في الهواء.
* هيرودوت يلفت الأنظار إليها
وفي أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر بدأ الأوروبيون يفكرون في اكتشاف مناطق جديدة تكون مركزاً لنفوذهم، وأسواقاً لتجارتهم ومصدراً لإثرائهم. وكانت أولى الدول التي سيرّت رجالاتها لاكتشاف المناطق المجهولة هي البرتغال.
ومن الأسباب التي وجّهت أنظار الدول الأوروبية إلى جزيرة العرب، ما ورد من ذكر لها في كتب هيرودوت، مؤرخ القرن الخامس قبل الميلاد، وثيوفراست، تلميذ أرسطو، الذي تحدث حديثاً شيقاً عن طيوب بلاد العرب الشهيرة في كتابه (تاريخ النبات)؛ والجغرافي اليوناني سترابون (حوالي مستهل القرن الأول للميلاد)، والمؤرخ الروماني بليني في القرن الثاني للميلاد الذي وضع لوائح بأسماء القبائل والمدن والقرى الموجودة في وسط شبه الجزيرة العربية.
ولكن كل ما كتبه هؤلاء الكتّاب لم يكن كافياً لإماطة اللثام عن حقيقة شبه جزيرة العرب، وإن كان كافياً لإثارة همة الدول لاكتشاف ما خفي منها. وهناك سبب آخر لاهتمام الدول الأوروبية باكتشاف جزيرة العرب، وذلك هو توقهم للوصول إلى الهند.
وما يهمنا هنا في بحثنا هذا هم الرحالة الذين وصلوا واستكشفوا صحراء الربع الخالي على وجه التحديد. وهناك ثلاثة من الرواد ومن أشهر الرحالة الإنجليز الذين تسنى لهم (عبور الرمال) وهم برترام توماس Bertram Thomas وبعده فلبيPhilby وثالثهم كان ولفرد ثيسجر الذي توفي مؤخراً.
يتحدث توماس في كتابه (العربية السعيدة) عن بداية اهتمامه بهذه المنطقة فيقول: «بدأت منذ ست سنوات عندما غادرت مقر عملي في الأردن، متوجهاً إلى بلاط سلطان عمان، تملأ رأسي أحلام كثيرة، فلقد استطاع الإنسان أن يكتشف المناطق النائية للكرة الارضية، بقطبيها الشمالي والجنوبي، كما استطاع أن يكتشف منابع نهر الأمازون ومجاهل وأصقاع قارتي أفريقيا وأسيا،
غير أن الربع الخالي، ظل البقعة المجهولة الوحيدة لا سيما وأن الجزيرة العربية كانت مهد حضارة عريقة، تلامس حدودها حضارتين قديمتين هما حضارة مصر وحضارة بابل. ومع ذلك فقد بقيت جزيرة العرب الأرض المحرمة على المكتشفين. ولم يقدر لأكثر من عشرين مكتشفاً أوروبياً أن ينفذوا إلى بعض المناطق غير المأهولة وأن ثمة سببين رئيسين لهذا الأمر:
السبب الأول: هو قلة هطول الأمطار فيها، وقسوة الحرارة، الأمر الذي لا يسمح إلا بوجود بعض جماعات من البدو الرحل، الذين تجتاحهم حروب دائمة تحرمهم من الإحساس بالأمن والاستقرار. أما الأوروبيون فلم تتح له الفرصة للتغلغل في شبه الجزيرة العربية إلا نادراً وبشكل فردي، وربما كان ذلك مرة واحدة في كل تاريخها.
وقد حدث ذلك في عصر الدولة الرومانية، عندما كانت جزيرة العرب ضالة الغزاة الأوروبيين المنشودة، وفيما عدا ذلك فقد تركت هذه المنطقة معزولة عن العالم، تمزق أهلها عوامل التعصب والانغلاق التي هي من التقاليد المتوارثة. ومن هنا فإن هذه المنطقة التي تعادل مساحتها نصف القارة الأوروبية ظلت غير مدرجة في خرائطنا - والكلام ما زال لتوماس-
ومن الذين استهوتهم جزيرة العرب (ريتشارد بيرتون)، الذي عرض خدماته على الجمعية الجغرافية الملكية في سنة 1852 من أجل ما أسماه بـ (عملية محو هذا العار) من تاريخ المغامرة الحديثة، ولكن هذا الأمل ذهب ضحية العراقيل الرسمية، ولذلك تعذر عليه وضع خطته تلك موضع التنفيذ.
أما أنا فقد استمتعتُ بهذا النجاح. ذلك أني عملت ثلاثة عشر عاماً قضيتها في السلك السياسي بعد الحرب العالمية الأولى في ثلاث جهات من الجزيرة العربية وقد مكنني هذا من إتقان اللهجات المحلية والعادات العربية والتأقلم معها. وقد كرستُ لنفسي سنوات كثيرة لمهمتين هما، كيف أضمن وسيلة للوصول إلى أغوار المنطقة، ثم كيف يمكنني أن أكسب صداقة القبائل هناك.
وقد بدأت صلتي بالناس في المنطقة الجنوبية الشرقية من الجزيرة العربية، بعد أن عُينتُ مستشاراً في مجلس وزراء عمان وذلك بالنظر إلى العلاقات الودية القائمة بيني وبين سلطان البلاد وقد أتاح لي هذا الوضع أن أعقد صلات كثيرة وعلاقات وثيقة مع الشخصيات العربية ذات النفوذ في تلك المنطقة.
وقد أسفر هذا عن موقف يتسم بالتسامح والود تجاهي كرجل إنجليزي ومسيحي في نفس الوقت، ولولا ذلك لكان من المستحيل عليّ أن أضع قدمي على تلك البقاع. ومن جهة أخرى فقد كنت أفهم عقلية السلطة البريطانية، ولهذا لم أطلب من المسؤولين البريطانيين التصريح لي بما كنت أزمع القيام به، ألم تكن قضية ريتشارد بيرتون درساً لي...».
وعن تحضيراته الأولية السرية لرحلته التي سيقطع فيها صحراء الربع الخالي يقول: «كنتُ أُعد خططي في الخفاء، حتى لا يعرف من أمري شيء إلا بعد البدء في الرحلة. وقد كنت أتحمل بنفسي نفقات هذه الرحلات، كما كنت المسؤول الوحيد عن تنفيذها.
وعلى امتداد خدمتي في مسقط - اعتدت أن أقضي فصول الصيف هناك مستغلاً إجازاتي- وهي التي كان من المفروض أن أقضيها في الهند هرباً من الحر في مسقط - لأن عمليات البحث والاستكشاف في أنحاء الجزيرة العربية لا يمكن أن تتم إلا في فصل الشتاء (وسنرى ثيسجر أيضاً لم يكن يقوم برحلاته إلا في فصل الشتاء)، وهو الفصل الذي يمكن أن يتحمل الإنسان فيه حرارة القيظ. وهكذا في خلال الإجازة بدأت أبحث وأضع خريطة للربع الخالي منطقة إثر منطقة».
ثم قام بعد هذه التحضيرات برحلاته قريبة على أطراف الربع الخالي كنوع من التدريبات العملية لما سيقوم به من رحلات أطول، ففي شتاء 19281927 قام برحلة على ظهور الجمال مداها 600 ميل، عبر الحدود الجنوبية لعمان المطلة على المحيط الهندي إلى ظفار.
وفي عام 1930-1929 قام باجتياز المنحدرات الواقعة إلى الشمال في ظفار حتى أطراف منطقة الرمال إلى امتداد 200ميل، من تلك المنطقة. وكان في كل المناسبات يرتدي الزي البدوي، كما كان يتحدث باللهجة المحلية الدارجة، وكان يعيش كما يعيش أهل المنطقة، ويذكر أنه أمتنع عن شرب الكحول والتدخين، في محاولة للتظاهر بالالتزام بعادات أهل المنطقة، الأمر الذي «كان يسهل من مهمتي في اجتياز منطقة الصحراء الكبرى من البحر إلى البحر» على حد قوله.
وعن مسألة اعتماده في تنقلاته على الجمال، يبرر ذلك بقوله: «لقد أثبتت لي هذه الرحلات خطأ الاعتقاد بأن أفضل الطرق لاكتشاف شبه الجزيرة العربية إنما تكون عن طريق العربات والطائرات. ومنذ ثلاث سنوات - والحديث هنا بالطبع عام 1930 - وضع أحد الأثرياء الأميركان خطة مشابهة لخطتي وكان ينوي تحقيقها باستئجار طائرة خاصة فاتصل بي مقترحاً أن يشركني في هذه البعثة. ولهذا لم أشعر بالندم عندما فشلت فكرته،
وقد تكون هذه التجربة مفيدة بالنسبة للزمان والمكان، إلا أنه لا يمكن تحقيق أي نتائج علمية حقيقية من ورائها. ولقد كانت المشاكل التي تبحث عن حل بالنسبة لهذه المهمة هي اكتشاف التراكيب ومنحدرات جنوب الجزيرة العربية، ومواقع المياه والتركيبات الجيولوجية وتحديد المناطق الخالية على سطح الخريطة إلى جانب الحيوانات وعادات السكان اللغوية وسلوكهم وتقاليدهم وطريقة حياتهم.
إن مثل هذه الأهداف لم تكن بأي حال من الأحوال تتحقق عن طريق المسح الجوي، لأن هذا العمل لم يكن ليضيف أي اسم جديد على الخريطة، أو حقيقة تتصل بالأصول الجنسية والحيوانية فضلاً عن قلة المعلومات الجغرافية التي يمكن الحصول عليها بهذه الطريقة».قد يكون في كلام توماس السابق جزءاً من الحقيقة في تبريره عدم استخدام الآلة الحديثة، وهي وجهة نظر أنثروبولوجية إلى حد ما، وَجدت صداها لدى غيره من الرحالة.
تأليف: عمار السنجري
