لم يعرف رحلة غربي مدن الشرق وحواجز الإسلام كما عرفها بيار لوتي، الكاتب والبحار الفرنسي الذي كتب ألوف الصفحات حول تجواله في «أماكن السحر» تلك-حسب وصفه. بل أن لوتي كثيرا ما زار مدن الإسلام وكتب عنها، من موقع يكاد المرء يحس معه عميق ارتباطه بهذا العالم بحيث تبدو نظرته جوانية. وهنا في هذا النص المأخوذ من واحد من كتبه العديدة هذه، يصف لنا لوتي عبوره مدينة مسقط في طريقه إلى فارس، واستقبال السلطان له في شهر أبريل من العام 1900.

كنا قد تركنا بلوشستان الكئيبة منذ ثلاثة أيام.. ومنذ تركناها لم نعد نرى سوى البحر، لكنه كان بحرا لا لون له، شديدة الحرارة رخوا تتماوج فوقه دون هوادة موجة من الضباب دافئة بشكل غير صحي. وبما أننا كنا في شهر أبريل، كانت الشمس تسحب من بحر الجزيرة العربية هذا، غمامات واسعة خصبة، تشكل كنزا من الغيوم تدفعه الرياح في اتجاه الهند، حيث يقوم بالسقاية الربيعية الكبرى.

وبالتالي فإن الأمواج المتولدة هنا، عند سطح المياه، تندفع بدورها بعيدا نحو الشرق.. دون أن تبقى واحدة منها لترطب السواحل الجافة في الجوار، ما يبقي هذه السواحل ذات خصوصية متمردة على كل حياة نباتية، تذكرنا بالخواء الذي نعرف أنه يغمر سطح القمر.

في ذلك الحين، كنا في طريقنا نحو الخليج العربي هنا كنا نلاحظ كيف أن الشمس التي كانت تحيطنا ليلا نهارا بحرارة فرن مريع، كانت تشرق وتغيب من دون أي شعاع، صفراء شاحبة تبدو مثل غيوم الشتاء الضبابية، محاطة بهالة من الماء. ولكن، عند صباح اليوم الرابع، بدت الشمس هذه نفسها حين أشرقت، صافية رائعة. وأدركنا أن الجزيرة العربية باتت جد قريبة منا، برزت مثل مفاجأة طيبة في الليل حين كنا نغط في نومنا.

وراحت تظهر بالتدريج قمم جبالها عالية مشرئبة في مناخ بدا نقيا، شفافا وعميقا إلى أقصى حدود العمق والشفافية، وهكذا إذن، ها هي الجزيرة العربية، أرض الجفاف، تنفخ أمامنا أنفاسها الحارقة من دون أن يسبق ذلك أي بخار مائي، ووجدنا أنفسنا من دون مقدمات لافتة، نصل إلى مسقط، حيث راحت تلوح لنا هنا وهناك، تلك القلاع (السارازانية) ذات أبراج الرقابة التي تبدو معلقة بشكل غريب، وناصعة بلونها الأبيض ترصع سفح الجبال.

حين وصلنا إلى الميناء، لم نلحظ وجود أي سفينة بخارية، أو أية سفينة شحن كبرى أمام هذه المدينة البيضاء الصامتة المعتلية صفحة الماء تتمارى فيها.. فقط شاهدنا بضع سفن شراعية، كما لو أن الزمن عاد بنا إلى الوراء، سفن شراعية تصل، ساحرة هادئة وقد نشرت أشرعتها تجابه النسيم الحار،

إضافة إلى مراكب الجزيرة الصغيرة التي يستخدمها صيادو اللؤلؤ. مع هذه المراكب العتيقة تدخل الميناء، ومع تلك الأبراج المعلقة فوق القمم، كان من حق الواحد منا أن يشعر أنه دخل في قلب الحكايات الغرائبية.. إلى أطراف مدينة عربية قديمة في زمن الحروب الصليبية.وكما الحال في دمشق، في المغرب وفي مكناس، وكما الحال في كل المدن الإسلامية، ما أن دخلنا مسقط عبر مينائها حتى شعرنا بردة الإسلام تنهال علينا.

والمدينة التي كانت تبدو لنا من بعيد شديدة البياض، صارت تلوح الآن مثل متاهة مؤلفة من أزقة وشوارع صغيرة مغطاة يخيم عليها جميعا ما يشبه نصف ليل مسترخي تحت سقوف واطئة. وهنا داخل هذه الأمكنة ثمة على الفور سحر وقلق يأتيان معا ليهيمنا علينا.. ويحس المرء أنه يعيش وسط تلك الرهبة التي لا اسم لها والتي تلف الشرق كله آتية من الصمت، من الوجوه المحجبة، ومن البيوت المغلقة.

ومع هذا كان ثمة أزقة تضج بالحياة، لكنها تلك الحياة الشرقية الخاصة التي تبدو بالنسبة إلينا بعيدة جدا. وهناك، كما في كل موانئ الشرق، مجموعة من الحوانيت الصغيرة التي تباع فيها آلاف البضائع في ظل ظليل مخيم.. ودائما في الظل: أقمشة ذات نقوش بربرية، شراشف مطرزة، عقود ثقيلة من المعدن، خناجر ذات قبضات فضية. بيد أن هذه الحوانيت بدت لنا هنا أكثر ظلاما من مثيلاتها في أي مكان آخر. بدا لنا الظل أكثر سماكة وغيرة على ذاته.

أما المدينة نفسها فقد بدت لنا متصلة الأزقة والشوارع عبر ممرات ودهاليز رملية تتحرك وسط صخور لاهبة، واصلة في اتصالها حتى الصحراء التي يصعب التسلل إليها، وحتى الواحات المجهولة.. بدت المدينة هنا وكأنها تسود مناطق مغلقة على ذاتها بكل عناد.. بدت مفتاح ألف عزلة وعزلة.

في القنصلية الفرنسية، حيث أمضيت صباح ذلك اليوم (...) التقيت مبعوثين للإمام-السلطان جاءوا يبلغونني موعد زيارتي لجلالته والطريقة التي سوف استقبل بها. ولاحقا تم اصطحابي إلى الأعلى بين تلك المنازل التي كنا شاهدناها لحظة وصولنا إلى الميناء. وكان منزلا كبيرا يكاد يكون قائما على مياه البحر ينظر إلى نفسه فيها محدقا.. وكان ذلك، بالطبع منزل السلطان.

في الداخل، كان واقفا هناك مرتديا ثوبا أبيض وفوقه برنس بني ذات حواف مذهبة. عيناه واسعتان جميلتان ووجهه ذو الثلاثين عاما ذو لون برونزي فاتح وسمات أنيقة دقيقة، تضيئه ابتسامة ترحيب واضحة: هكذا بدا لي، على عتبة داره حيث أراد ان ينزل لاستقبالنا سلطان مسقط وإمامها، ذلك العاهل الذي يحكم آخر الدول العربية المستقلة.. الدولة التي تمارس فيها الشعائر الدينية بكل جدية وانتظام.

والحال أن جدود هذا السلطان كانوا ملوكا وحكاما، منذ الأزمنة الغابرة، أي حين لم تكن بعد أعرق عائلات أوروبا قد خرجت من ظلمة التاريخ. ولهذا بدا واضحا لي أن تصرفاته الارستقراطية ودعته المريحة إنما هما أرث حقيقي. الصالة الكبيرة في الطابق الأعلى، حيث استقبلنا، بدت لي مقلقة في بساطتها، بجدرانها البيضاء ومقاعدها المصنوعة من القش.. غير أن الرائع فيها أنها كانت تطل، من كل جانب على زرقة البحر وعلى السفن الشراعية التي تمخره، ومراكب صيادي اللؤلؤ الراسية فيه من دون حراك.

«في الماضي، قال لي السلطان، كنا كثيرا ما نشاهد هنا سفنا فرنسية، فلماذا لم تعد هذه السفن تزورنا؟» ترى بماذا أجيبه؟ كيف لي أن أشرح الأسباب المعقدة التي من جرائها اختفى أسطولنا، منذ سنوات في بحر العرب هذا، لتحل مكانه السفن الانجليزية والألمانية؟ مهما يكن، اقترح علي السلطان بعد ذلك، وبالاتفاق مع القنصل الفرنسي، أن أبقى بضعة أيام أخرى في مسقط. وكان في ذلك إظهار لوده تجاه بلدنا..

وقال لي انه سوف يضع في تصرفي أحصنة وحراسا، مقترحا أن أزور داخل البلاد لأرى المدن الأخرى تحت ضوء آخر: مدن لم يسبق لأي أوروبي أن زارها؟ ولأزور قبائل الواحات التي سوف تخرج للقائي في احتفالات صاخبة. للحظة أحسست أن الإغراء قوي، وكدت أوافق في تلك القاعة حيث غمرني لطف السلطان.. بيد أنني تذكرت أنني في طريقي إلى فارس.. وتذكرت أصفهان التي كنت أحلم منذ سنوات بألا يفوتني موسم الورود فيها.

لذلك اعتذرت رافضا وقلت إنه ليس لدي وقت لأن أبريل قد بدأ.. وها هي أصفهان في انتظاري. وهنا إذ تحدثنا عن زيارتي العتيدة لفارس قال لي السلطان أنه سيعطيني حصانا اسود من أحصنته استخدمه في فارس.. لكني فكرت مليا في صعوبة نقل الحصان واصطحابه، ورفضت شاكرا من جديد. وهكذا عند نهاية ذلك النهار، وجدت نفسي مجددا على المركب وقد بدأ يمخر البحر مغادرا مسقط التي رحت أنظر إليها وهي تبتعد، بحسرة.