برؤية حالمة وشوق لا يرتوي يعيش الشاعر فاروق شوشه فيوض شهر رمضان الكريم ويستعيد معه الذكريات التي تمثل له زادا ودفعا لمسيرة حياته، فشهر رمضان بالنسبة له شهر له دلالة شديدة الخصوصية فقد لمس عن قرب فضائل هذا الشهر سواء على المستوى الشخصي الذي انتبه فيه مبكرا وهو طفل إلى قصائد المديح والأناشيد الدينية أو عندما التحق بالإذاعة أو على المستوى العام حيث حمل هذا الشهر العديد من الانتصارات القومية والوطنية.
يقول شوشه: شهر رمضان هو الشهر الوحيد الذي يبث في دمي شحنة إيمانية رائعة تغمر نفسي طوال أيام العام فأحرص على التفرغ للعبادة وقراءة القرآن الكريم والإطلاع على الكتب الدينية المختلفة. ويعود شوشه إلى ذكريات الطفولة في قريته الشوعرا بمحافظة دمياط تلك القرية الهادئة القابعة في حضن البحر بمحافظة دمياط
ويقول: ان الصورة التي تحتل خيالي دائما لقريتي هي صورة العروس في فصل الشتاء عند قدوم شهر رمضان تجلس كحورية على الشاطئ وشعرها يغتسل في ماء البحر، بانتظار شهر رمضان فقد كان رمضان يأتي وقتها في فصل الشتاء وكنت أتخيل أنه نتيجة هذا اللقاء بين هذه العروس وقريتي ورمضان تولد كل شيء جميل رأيته وتربيت عليه داخل دروب هذه القرية.
وداخل القرية كانت هناك أصوات المادحين الممزوجة بتصوف أبيات شعراء الربابة الذين اشتهرت بهم القرية في هذا الشهر، فسميت بقرية الشوعرا وهناك مئات القصائد التي دونتها في أوراقي الخاصة وقد كنت احتفظ بها لفترة ليست بعيدة ولعل هذه القصائد التي دونتها في صفحات كثيرة في رمضان كانت تشكل عالمي الرحب وعشت معها أجمل ذكرياتي فاذكر انه في فترة مابين الإفطار والسحور كان والدى يجلس معي ليحفظني القرآن الكريم
ويسمع مني ما حفظته، كما كان يصطحبني في يده كلما ذهب إلى جلسات المادحين وشعراء الربابة لأقرأ عليهم ما حفظته من آيات قرآنية، خاصة وأن والدي كان يحب تجويدي للقرآن، كما كنت ألقي على الجالسين ما أحفظه أيضا من شعر الشعراء القدامى.. وكانت سعادتي وقتها كبيرة بإشادة كبار الشعراء والمادحين في قريتي بي وبطريقتي في أداء ما أحفظه من الشعر والسير الشعبية.
أما قبل أذان المغرب فكنا نجتمع حول سور مسجد القرية القديمة منتظرين صعود المؤذن على سلالم المسجد وفور رؤيته كنا ننطلق في دروب القرية مكبرين معه وكان لهذه الأيام طعم خاص مازلت أذكره.. ومن الذكريات المهمة أيضاً عن رمضان يقول الشاعر فاروق شوشه، تلك التي كانت متعلقة بعمله في الإذاعة المصرية،
فيذكر أن عمله في الإذاعة لم يكن يخطر على باله فقد جاء صدفة حين اصطحبه صديق له إلى الإذاعة لإجراء الاختبارات الأولية لهذا العمل وكانت مفاجأة بالنسبة له حينما أكتشف أنه نجح في إجراء هذه الاختبارات إلا أنه كان يحلم بالعمل في الجامعة ويقول وبعد مرور هذه السنوات انشغلت بالعمل الإذاعي ونسيت حلمي الأول في تحضير الماجستير والدكتوراه في الآدب العربي.
ويذكر شوشه أنه في إحدى ليالي رمضان فوجئ بعرض من الجامعة الأميركية لتدريس مادة الشعر العربي على طلابها كما أصبح فيما بعد أستاذاً زائراً لأكثر من جامعة أجنبية لإلقاء محاضرات عن الأدب العربي، وهذه بالطبع كانت من المفاجآت الرمضانية له.
ويكشف شوشه النقاب عما قدمه في الأشهر الرمضانية خلال عدة أعوام سابقة بقولة كتبت أغلب الأدعية الرمضانية والتي كانت تذاع في شهر رمضان منذ عدة أعوام بعد أذان المغرب ويقول شوشه عن هذه الأدعية: كانت بمثابة حلم في أن أقدم شيئا خاصا في رمضان.. فكانت هذه الأدعية وأعتبرها نوعا من الشعر الديني الذي يشمل الدعاء والابتهال إلى الله بعد طول تعبد على مدار اليوم،
وهي فكرة مستوحاة من شعراء الربابة في قريتي، فلم أكن أتخيل أنها ستستقر طول هذه السنين في ذهني لتخرج على شكل هذه الأدعية الرمضانية التي أثرت في وجدان الناس في رمضان خلال سنوات سابقة على عكس ما يحدث حاليا ليس على مستوى الأدعية الدينية فقط ولكن على مستوى الفكر والأدب أيضاً وحول سبب هذا التراجع يقول شوشه ان الإذاعيين العرب في الإذاعات المسموعة والمرئية لم يعودوا يقدمون أدواراً أكثر وعياً ونضجا واستنارة في توصيل شيء إلى المستمع ولو أخذنا الشعر العربي على سبيل المثال سنجد هناك تقصيرا.
وحول ما يمثله شهر رمضان على المستوى العام فيقول شوشه: يكفي انه منذ عهد الرسول والمسلمين في كل الأقطار يحالفهم الحق والنصر في هذا الشهر.. فيه خاض المسلمون معارك حاسمة رفعت راية الإسلام عالية بداية من غزوة (بدر الكبرى) مروراً بموقعة (عين جالوت) الشهيرة التي انتصر فيها المصريون بقيادة قطز على التتار وردوا جحافلهم، بالإضافة إلى (فتح مكة) خلال هذا الشهر وسبق كل هذا نزول القرآن الكريم في ليلة القدر ليكون مرشداً نهتدي به إلى الخير والصواب.
