أكدت الدكتورة رقية إبراهيم أستاذ اللغة العربية وآدابها بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر ان الأدب هو المرآة الحقيقية للمجتمع والذي يعكس قوة المجتمع الحقيقية مشيرة إلى أن الأدب ولاسيما الشعر كان في عصر تحرير بيت المقدس على يد القائد البطل السلطان صلاح الدين الأيوبي من أقوى ما يكون ولذلك كانت الأمة فيه قوية للغاية .
حيث دحرت الصليبيين وأسست نهضة علمية واجتماعية وعسكرية وصناعية وتجارية رائعة وقد سجل ذلك الأدب المواكب لهذه النهضة... كما تناولت قضية تيسير دراسة النحو وأساليب مواجهة الغزو الفكري بغزو مضاد لهذا الآخر.. والعديد من القضايا في حوارها مع «بيان الصائم».
* ما هي أنسب الوسائل التي يمكن من خلالها مواجهة الغزو الفكري للعالم الإسلامي ؟
ـ إن مواجهة الغزو الفكري للعالم الإسلامي تحتاج من جانبنا إلى مواجهته بغزو فكري مضاد أيضا، ولكن علينا ان نختار ما نواجه به ومن فضل الله ان عندنا الكثير من المعارف الدينية والعلمية، ولقد سبقنا العالم كله بالتقدم والاختراع والابتكار ولا ننسى علماءنا في الطب والرياضة والفلك وغيرها وكل المعارف القديمة والذين كانوا أصحاب فضل السبق
وأن كان هناك شيء كبير من التقاعس، ما أدى إلى التقهقر وسمح للغير بالتقدم؛ لذلك وجب علينا ان نعود مرة أخرى لإبراز مهاراتنا الفكرية وإظهار كفاءة العقل العربي الذي منحه الله سبحانه وتعالى للإنسان في المشرق وبلاد العرب،.. فيعود العربي إلى إعمال عقله وفكره ولا يخشى من سبقه في علم أو غيره فالبشرية تحتاج ان يمد كل إنسان يده إلى الآخر حتى نستفيد من خير كبير منحه الله سبحانه وتعالى للإنسان حين كرمه ومنحه نعمة العقل والتفكير.
لذا فعلينا نحن المسلمين ان نستغل هذه النعمة الكبيرة للوصول إلى مواجهة الغزو الفكري القادم من قبل الغرب والذي يستهدف ديننا وقيمنا الثقافية والاجتماعية وذلك بطرح مشاريع مضادة وهي ما يمكن ان يطلق عليها مشاريع الاستغراب من قبل المهتمين في العالم الإسلامي بعامة والعربي بخاصة
* كيف يمكن تطويع التكنولوجيا الحديثة في النهوض بالعلوم الشرعية ؟
ـ العلوم الشرعية تستند على وحي الله سبحانه وتعالى وعلى سنة الرسول عليه السلام، فهي أذن أسس ودعائم لكل حياتنا، فإذا أقمنا عليها حياتنا فأننا نقيمها على أساس قوي ومتين لا يخشى عليه، كما أن ظهور التكنولوجيا الحديثة والتشبع الإنساني بها ـ وهي في الأساس من اختراعه ـ يجب ان يسير في نهج ما ذكر في أن العلوم الشرعية هي أساس البناء، ومهما تغير البناء في شكله أو في اتساعه فالأساس باق ودائم،
وعلى الإنسان أن يستفيد من عطاء الله سبحانه وتعالى له بأن منحه القدرة على الاختراع والابتكار وان يعمل على ان تتكامل معارفه الشرعية والإنسانية والعلمية، فعليه ان يعمل على ان تجتمع لديه كل المقاييس الفقهية وعلم الحديث وان تكون مستنداً له يبني عليها ميزان ما يجد لديه من معارف وسيجد أنها تعينه على ذلك.وعلينا ألا ننسى في هذا المجال قول الله تعالى { إنما يخشى الله من عباده العلماء } وكذلك قوله عز وجل { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }.
* طغت ظاهرة سيئة في البلاد العربية والإسلامية من لجوء بعض أصحاب المحلات إلى كتابه أسماء أجنبية على واجهة المحلات فما رأيكم في هذه الظاهرة ؟
ـ ان فكرة انتشار اللغة غير العربية بيننا ممثلة في ان يكتب على محال البيع والمطاعم، هى فكرة غربية ليس وراءها ما يبررها خاصة وان كثيرا من الناس لا يدركون معنى الكلمة أو العبارة المكتوبة وأيضا لا ينطقونها بطريقة سليمة، ومن هنا لا نجد فائدة منها، وفي أول الأمر وآخره أسال « لماذا ؟ « رغم ان لدينا من الألفاظ العربية الجميلة الكثير والذي نؤدي به نفس المعنى الذي أراده من كتب بغير العربية بلادنا وعروبتنا، ولماذا لا يكون لنا هويتنا وشخصيتنا ونحافظ على محبتنا للغة بلادنا وعروبتنا.
لذلك أطالب المهتمين والمصلحين بان يعيدوا التفكير في التخلص من هذا الميراث الغريب والغربي الذي يجعلنا نعتقد ان الارتباط بالغير له صحته ووجاهته، رغم ما لدينا من قدرة وفن وموهبة، ونحن لها في كل مجال ونستطيع ان تكون لنا الشخصية المصرية والعربية التي نستطيع ان ننجح ونتقدم في كل مجال حتى لو كان كتابه اسم على موقع عمل أو واجهته أو غيره.
* كيف ترى الدكتورة رقية واقع الأدب الإسلامي الآن؟
ـ للآسف لم يعد للأدب مكانة كما كان في السابق كما لم يعد هناك أعلام في الأدب كما كان في الماضي، لذا نود أن يكون هناك زيادة في الإنتاج كما نود أن تبرز على الساحة اليوم أسماء كبيرة من رجال الفكر والأدب والشعر والقصة، كما كانت توجد أسماء براقة مثل طه حسين والدكتور أحمد أمين والتي اختفى أمثالهما وباتت الأصوات خافته، لا لون ولا طعم وتذوق لأي فنون الأدب المختلفة!
ونتمنى أن تبدأ نهضة أدبية في العالم العربي والإسلامي تنطلق من مصر بإحياء التراث الأدبي القديم ويضاف إليه الإنتاج الجديد ليعبر عن نبض شعراء وأدباء القرن الحادي والعشرين، فتؤدي إلى إبراز الأفكار القيمة الجميلة التي تجيش في صدر أدباء وعلماء المسلمين.
*وهل للمرأة دور فيما يسمى بالأدب النسائي بشكل خاص ؟
ـ يوجد أدب نسائي يعبر عن عاطفة المرآة فيما لا يكون متصلا بأحاسيس الرجل وكان هذا يعد محدودا فالأدب هو الأدب سواء كان عن المرأة أو كان عن الرجل، وان تصنيف الأدب على انه نسائي ورجالي يكون تصنيفه على مستوى الاسم فقط، كما أن الأدب النسائي يعاني من ضعف الإنتاج.
* وهل الأدب النسائي يزخر بفنون الإبداع المختلفة للتعبير عما يجيش بخاطر المرأة ؟
ـ لا شك أن الأدب إذا عبر عن فنون متعددة فانه يخرجه من دائرة ان يكون أدبا صرفاً ويجعله يتشابه مع أدب الرجل، وهنا لا يمكن ان نطلق عليه أدبا نسائيا،في حين أن المرأة الأديبة عندما تعبر عن تجربة نسائية فأنها تمس شعور المرأة بلمسات لا يمكن للرجل أن يؤديها.
* أدب الحروب من أجدر على تصويره المرأة أم الرجل ؟
ـ لا شك ان هذا النوع من الأدب يرتبط ارتباطا وثيقا بمناسبة الحرب على الأعداء ولا يمكن ان يجيد تصوير هذه التجربة بصورة أفضل إلا من عاشها وعانى ويلاتها، وان أفضل من يعبر عنها الأديب المعايش للحرب والمرتبط ببلده أكثر من غيره سواء كان رجلا أو امرأة،
فنحن لو نظرنا إلى الأدب القديم لوجدنا برفقة قائد المعركة كثيراً من الشعراء مثل المتنبي وأبو فراس الحمداني وغيرهما ممن كتبوا ملاحم في تصوير الحروب المختلفة، وهذا ما أكده التاريخ عبر العصور المختلفة ولنا في العصور الأيوبية النموذج، بينما لم يبرز في عصرنا الحديث سوى أسماء قليلة منهم البارودي كشاعر وفارس ومحارب.
* كيف كان حال الأدب ممثلا في الشعر إبان تحرير القدس في العصر الأيوبي، وهل زخر بالعديد من شعراء الحروب، ولماذا ؟
ـ لاشك ان الأدب هو المرآة الحقيقية للمجتمع وكلما كانت الأمة قوية كلما كان الأدب قويا وكاشفا لإبعاد هذه القوة حيث بلغت قوة الدولة الأيوبية ذروتها بتحرير بيت المقدس من الصليبيين على يد القائد البطل السلطان صلاح الدين الأيوبي.. فمنذ قيام الدولة الأيوبية عاشت مصر نهضة علمية قوية كان من ملامحها كثرة الأدباء والعلماء ووضح ذلك في كثرة التراث الفكري الذي ظل كثيرا منه حتى زماننا هذا يشهد بتلك النهضة العظيمة،
وكان الحكام الأيوبيون حريصين على نشر الفكر السني بعد إحياء الخلافة العباسية وانطواء مصر تحت جناحها في أول حكم الأيوبيين فاهتموا ببناء المدارس ورعاية المساجد التي هي مجالس علم، فقد اهتموا بجامع ابن طولون والجامع الأزهر، هذا بالإضافة إلى أن مصر كانت قبلة الشعراء والكتاب الذين اهتموا بتصوير الأحداث التي مرت بها البلاد، وكان للأدباء دور وعليهم يقوم العبء الأكبر في وصف الحياة العامة،
والحمد لله استطاعوا بكل ما أوتوا من بلاغة القول تصوير الأحداث بل والمشاركة فيها فكانوا من حملة السلاح في مواجهة الحروب والمعارك التي عاشتها البلاد يحاربون بالكلمة ويعلنون النصر ويأسون للهزيمة كما ان كتاباتهم وأشعارهم تعد وثيقة كاملة يعتمد عليها في تصوير تلك الفترة في العصر الأيوبي،
وكان من أسباب تلك النهضة : أن الدولة الأيوبية حين قامت في مصر وقضت على الدولة الفاطمية ورثت عنها ما اشتهرت به تلك الدولة المنقرضة من ازدهار في الناحية الفكرية خاصة ان الحكام فيها قد جمعوا حولهم الشعراء والكتاب وقصدوا من ذلك ان يكونوا دعاة لهم ولمذهبهم وبذلوا لهم العطاء الضخم.
* دائما يستشهد الناس بقول الله { والشعراء يتبعهم الغاوون... } في ذم الشعراء فهل هم محقون في ذلك ؟
ـ هذه الآية صادقة 100% فهناك من يزينون الباطل ويسخرون أقلامهم من اجله ويبيعون قريحتهم لمن يدفع لهم فيقلبوا الأوضاع ويزيفوا الحقائق ويزينوا الباطل شاهرين سلاح النفاق والتملق والكذب ويساعدهم على ذلك ما حباهم الله من نعمة البيان وناصية الشعر.... هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فان النبي عليه الصلاة والسلام قال : « ان من الشعر لحكمة « كما أن الرسول اتخذ شاعرا له هو حسان بن ثابت الملقب بشاعر الرسول، فضلا عن أن الآية الكريمة لم تنته عند المقطع السابق في قوله تعالى {.
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا } وهؤلاء الشعراء وأمثالهم هم الذين التفوا حول الرسول وحول فاتح القسطنطينية وحول محرر الأقصى الناصر صلاح الدين حيث التف الشعراء حوله وقد أطلقت فتوحات بني الأيوبي وانتصاراتهم ألسنه الشعراء في مصر والشام وكافة أرجاء العالم الإسلامي حتى لم يبق شاعر نابه إلا قصده مادحا لا سيما بعد موقعة حطين التي اقرض فيها جميع الشعراء شعرا فابن الساعاتي المصري يقول :
جلت عزماتك الفتح المبين
فقد قرت عيون المؤمنينا
وهذا العماد قال :
حططت على حطين قدر ملوكهم
ولم تبق من اجناس كفرهم جنسا
بطون ذئاب الارض سارت قبورهم
ولم ترض ارضا ان تكون لهم رمسا
ولم يكن الحكام يبخلون على الشعراء حيث وهب السلطان صلاح الدين أحد الشعراء ألفي دينار الذي انشده قصيدة مطلعها :
الله اكبر جاء القوس باريها
ورام السهم دين الله راميها
وكان قول البهاء زهير الشاعر العراقي:
وما فرحت مصر بذي الفتح وحدها
لقد فرحت بغداد أكثر من مصر
وكان ابرز من وصل لمصر من الشعراء الشاعر علم الدين الشاتاني عام 572 وهو من أدباء الموصل وهو ابن عنين الدمشقي.
* البعض يرى ان دراسة النحو في مناهج اللغة العربية بمراحل التعليم المختلفة صعبة للغاية.. فماذا نفعل لتيسيرها؟
ـ هناك العديد من الطرق والأساليب العلمية الحديثة التي وضعها علماء المناهج المتخصصون في اللغة العربية هدفها تحبيب الطلاب في المادة العلمية وتبسيطها في أسلوب بسيط وسهل ونجعلهم يفهمون العبارة ويحبونها، فالنحو مادة سهلة وبسيطة إذا أحبها الإنسان ومن خلال التخطيط السليم يمكن التغلب على هذه المشكلة المعقدة لاسيما اذا تم استخدام الوسائط المتعددة والرسوم المتحركة وغيرها من البرامج الدرامية لتيسير هذه المادة.
*وكيف يمكن استخدام الوسائط المتعددة في التيسير ؟
ـ ان أفضل الوسائط لذلك هي الرسوم المتحركة للأطفال إذا تم الالتزام باللغة العربية الفصحى وبعدت عن العامية لان الأطفال يشاهدونها بنسبه عالية جدا بالإضافة إلى أننا نجدهم يحفظون النص والحوار كاملا لذا نطالب بكتابته باللغة العربية الفصحى وليس العامية.
القاهرة ـ مجاهد مليجي:
