«اليوم عصر الانترنت، لا بل عصر السماعة اللاسلكية»، تلك هي الصورة الحديثة والمعاشة والتي رسمتها مخرجات العولمة لشعوب هذه الأيام حسبما وصفها الحاج محمد نصر الله المزروعي، صاحب محلات للتحف في سوق «العرصة» في الشارقة، وأحد أكثر المهتمين بتقاليد الماضي وتحفه الغنية برائحتها المميزة.
في هذه السوق يصر المزرعوني والذي طوى سبعة عقود من عمره على فتح أبواب مخازنه صباحا وإغلاقها مساء، ففيها كما يقول تحف وقطع لا يمكن أن يتركها بين أيدي الغرباء، وهو فقط من يقدرها ويعرف قيمتها، وبالرغم من أن الهدف الأساسي عنده التجارة والكسب الحلال إلا أن محلاته تحوي نسبة كبيرة من القطع غير المعروضة للبيع، وفقط يحتفظ بها لنفسه، ومن بينها مجموعة ثرية من «الجراما فون» أو «البشتختة» كما يسميها الإماراتيون، وهي آلة قديمة لسماع الأغنيات عن طريق الاسطوانات، يوازيها المسجل حالياً.
*« البشتختة» والطرب
«البشتختة» والطرب كلمتان لا تفترقان أبداً عند كل من عاصر تلك الآلة الغريبة والغربية، فقد وصلت مع الحرب العالمية الثانية من أوروبا وأميركا إلى البحرين أولاً، ومن هناك تتوزع «الجراما فون» على سائر دول الخليج العربي، كما يقول من عاصر ذلك الاختراع.
أما سعرها فكان في ذلك الوقت نحو خمسين «روبية»، وقليل من المواطنين من يشترونها، ولا يقوى على اقتنائها إلا من تغلبه وتستهويه ألحان الطرب والانسجام مع أشهر الفنانين في تلك الفترة أمثال محمد فارس ومحمد زويد وعبد اللطيف الكويتي، أما من لم تسعفه إمكانياته في الحصول على آلة «البشتختة»، فلم يكن أمامه سوى المقاهي.
* المقاهي.. تواصل واستمتاع
المقاهي أخذت على عاتقها في تلك الحقبة من الزمن أن تطرب الجميع، وكان في الشارقة خمسة مقاهٍ رئيسية تملك حينها «البشتختة»، وهي «قهوة» عبد العزيز النابودة ومرتضى الخباز وأحمد سرباز ورمضان الزرعوني والملا عبد الرحمن الزرعوني،
وفي هذه المواقع فقط يجتمع معظم مواطني الشارقة ويقضون الفترة من صلاة العصر وحتى أذان العشاء في سماع تلك الأغنيات المعروفة، ويكتفي المستمع إن رغب أو استطاع بشرب «استكان» شاي كما يقول الحاج الزرعوني، وبعد صلاة العشاء لا يبقى أحد بعيداً عن بيته وعائلته، حتى صباح يوم جديد.
* أشكال مختلفة
«للبشتختة» أحجام وأشكال مختلفة، كانت متداولة أثناء الحرب العالمية الثانية وبعد انتهائها، منها ما كان يشغل يدوياً وأخرى بالشحن من خلال البطاريات أو عن طريق الكهرباء، ومعظمها كانت صناعة أميركية أو بريطانية أو ألمانية.
وحسب ما يروي الحاج محمد ففي دول الخليج العربي كان متداولاً شكلان من «الجراما فون»، وهما «أبو برغام» أو «بدون برغام»، كما أجمع على تسميتها من كان يتعامل معها من مواطني الشارقة، والذين لا يجدون صعوبة في التفريق بين الجيد والرديء من أنواعها، ولا تزال «الماركات» المتداولة في فترة الأربعينات والخمسينات راسخة في أذهان جمهورها، مثل «أديسون» و«سيرة» و«وماستر فويس».
في الشارقة لم يكن بمقدور الكثيرين اقتناء تلك الآلة عظيمة الشأن والدلالة آنذاك، ومن بين مئة بيت كان يتمتع واحد فقط بسماع أغنياتها، أما الحريم فكن يستمعن إليها في المناسبات، أو عند زيارتهن لمن استطاع زوجها إدخال «البشتختة» إلى بيته.
* رمضان والطرب
أما في رمضان فلا يلتقي الطرب مع الصيام، والجميع كان يحجم عن استخدام «البشتختة» لحين انتهاء الشهر الفضيل، والسبب فقط إتاحة المجال للعبادة والابتعاد عن مظاهر اللهو أو الطرب أو الاندماج مع الموسيقى في شهر كان ينتظر منذ اليوم الأخير فيه، لتبدأ معه مراسم وسلوكيات أخرى مختلفة قليلاً عن غيره من شهور السنة المتبقية.
* «الجراما فون» في الحرب
فترة الحرب العالمية الثانية لم تكن التكنولوجيا قد تعدت «الجراما فون»، وهذه التقنية كانت قاسماً بين الغرب والعرب واستخدامها كان وفقاً للأنواع والأحجام والمكان، ففي منطقة الخليج طغت على الساحة أنواع وأحجام محددة، اعتاد عليها السكان،
في حين أن أشكالاً أخرى أصغر حجماً كانت متداولة في المعسكرات عند ضباط الجيش البريطاني، منها «الجراما فون مع الراديو «، وغالبية الأشكال المستخدمة في المعسكرات كما سماها الحاج محمد المزروعي كانت «البشتختة أبو صندوق»، ومنها أحجام متعددة، إضافة إلى البشتختة المتنقلة، والتي تعمل بأربع بطاريات وتعد صغيرة الحجم قياساً مع غيرها.
* بشتختة تقليدية
حالياً تصنع البشتختة التقليدية في الهند، وهي صورة مطابقة تماماً لما كان متداولاً في الأربعينات من القرن الماضي، ولكنها ليست عملية بالدرجة الكافية وتباع بسعر زهيد لا يتجاوز المئة والخمسين درهماً، والبعض يشتريها كمنظر لتحفة قديمة، إلا أن البشتختة الأصيلة والقديمة، والتي يصل أعمار بعضها لأكثر من مئة عام، أصبحت أعدادها قليلة جداً.
أما الحاج محمد فلا يزال يحتفظ بأكثر من عشرة أجهزة متنوعة من «الجراما فون» وهي تحف نادرة كما يقول، ولن يفرط فيها أبداً ولا يتوانى في التعامل معها بكل عناية ورفق كما لو أنها بيضة، رغم كونها قطعاً حديدية نادرة، فهي تمثل بالنسبة له أياماً وأعواماً كثيرة وكبيرة بما فيها من لحظات لا تنسى.
* راديو واحد في الشارقة
بعد البشتختة والاسطوانات وجد عهد جديد تمثل بالراديو بماركة فيلبس أو سيرة ولم يكن في إمارة الشارقة سوى جهاز واحد كان يملكه المرحوم الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، وهذا الجهاز يعمل على بطارية السيارة التي يتم شحنها في محطة الطيران نهاراً، وفي الليل يستمع إليه معظم سكان الإمارة.
المشهد كان روتينياً، وكل يوم كان يتجمع المواطنون بعد صلاة العشاء في ساحة قصر الحصن، بعد أن يوضع الجهاز في الخارج ويجلس الجميع مع الشيخ سلطان يستمعون للأخبار حتى أذان العشاء، وظل الحال على هذا النمط حتى أخذ ذلك الجهاز ينتشر شيئاً فشيئاً، وتمكن البعض لاحقاً من الحصول عليه.
* حالة فريدة
الحاج محمد المزروعي يعد حالة فريدة في اعتزازه بتحف نادرة الوجود، ففي محلاته في سوق «العرصة» والسوق المركزي يعرض العديد من هذه القطع، ونحو 80 في المئة منها لا توجد في أي مكان من دولة الإمارات، ومن خلال هذه التجارة يبيع المزروعي تلك القطع التي يحصل عليها من الخارج، حيث يسافر باستمرار إلى مختلف أنحاء العالم من أجل شراء المزيد من هذه القطع النادرة، أو يحصل عليها عن طريق أصدقائه في كل مكان.
أما تلك التحف التي تخص الإمارات كتراث قديم فلا يمكن أن يبيعها مثلما يفعل مع ما يخصه من التحف، وكما يقول فإن هذه التحف لا يمكن أن تعوض إذا فلتت من بين يديه، حيث إن معظم المتسوقين في «العرصة» والمشترين لهذه السلع النادرة هم من الأجانب، في حين أن العرب ينظرون إليها بعين الإهمال واللامبالاة «إلا من رحم ربي».
* ضابط إنجليزي
بداية الحاج المزروعي مع التحف كانت منذ عام 1964، والفكرة جاءت بنصيحة من ضابط إنجليزي لجمع تلك القطع القديمة وبيعها كتجارة، عندها بدأ الحاج محمد يتاجر في بعض القطع القديمة، فوجد الفائدة المرجوة منها وصار يتوسع شيئاً فشيئاً حتى أصبح اليوم يمتلك أكثر من خمسة محلات لهذا الغرض.
الحاج محمد المزروعي مؤمن بما فرضته التغيرات منذ تلك الفترة وحتى اليوم، وبعد أن كانت «البشتختة» جهازاً يصعب على الكثيرين شراؤه، جاءت الأيام تحمل معها ما هو أكثر غرابة وحداثة، تمثل بالراديو والمسجل والموبايل والانترنت ودور السينما والكمبيوتر والسماعة اللاسلكية «والحبل على الجرار»، ليصبح هذا العصر مرتبطاً بأكثر التقنيات تعقيداً، ومعها لا يمكن إلغاء «الجراما فون» من قاموس الحفظ في ذاكرة الحاج المزروعي.
على عكس الكثيرين فذلك الحاج يجد مع هذه الآلات القديمة من «البشتختة» متعة لا ولن يعرفها غيره، يعيشها حتى ولو في النظر إليها وهي آخذة مكانها على الرف بين آلاف القطع النادرة والقديمة في محلاته، حيث لا يفضل سواها مكاناً يمنحه الراحة والطمأنينة والهدوء المنبعث من بدايات القرن الماضي.
عنان كتانة

