كانت السيدة هدى شعراوي واحدة من المناضلات في السياسة والمجتمع في مصر. وإذا كان كثر يعرفون أمورا جمة حول نضالها الاجتماعي وفي سبيل رفعة المرأة المصرية، ومن أجل قضية السفور، ودورها كزعيمة نسائية خلال ثورة 1919، فإن قلة تعرف دورها السياسي.

ولا سيما بعد رحيل زوجها علي شعراوي الذي كان أحد كبار المناضلين في سبيل الاستقلال عن الإنجليز. ولاحقا في مذكراتها، تحدثت هدى شعراوي كثيرا عن الجانب السياسي في شخصيتها، ولا سيما على المد والجذر بينها وبين زعيم الأمة في ذلك الحين، سعد زغلول. وفي هذه الصفحات الطريفة من المذكرات تروي هدى حكاية لقاء عاصف بينهما في منزله، قبل وفاته بعامين.

المشهد الذي دار بين هدى شعراوي وسعد زغلول، ترويه هي في مذكراتها التي صدرت لاحقا، خلال حقبة متأخرة من حياتها. وهي تقول أنه دار أول شهر ابريل1925، حين كان قد اشتد الخلاف بينها وبين زعيم الأمة لأسباب سياسية خالصة. وهما كانا، في حمأة ذلك السجال تبادلا رسائل تقرر فيها أن يلتقيا في بيته قصد توضيح الأمور. وهكذا بناء على اتفاق بين سكرتير هدى شعراوي وسكرتير سعد باشا الخاص، توجهت السيدة إلى بيت الزعيم. وهي تروي لنا كيف تم اللقاء:

عندما وصلت استقبلني الخادم عند باب الحريم وفتح لي. وكانت خادمة إفرنجية تنتظرني في الجهة الداخلية من الباب. وما إن دخلت حتى مشت أمامي في الصالون. وبعد أن استقربي المقام قالت لي بصوت مضطرب: «سيدي يعتذر لمرضه، عن النزول. فإذا كنت تنوين مقابلته ولا يصعب عليك الصعود إلى الطابق الأعلى، فتفضلي لمقابلته». قلت لها «أجل، استطيع الصعود، فقط اخبريه بحضوري».

ذهبت الخادمة لتعود بعد قليل تدعوني للصعود. «عندما دخلت وجدت سعد باشا جالسا على كرسي بمسندين، ولما رآني هم قائما ببطء وهو يقول: «اعذريني إذا كنت قد كلفت خاطرك وأتعبتك بالصعود إلى الطابق العلوي، ولكني اشعر بتعب في صدري اثر النزلة الشعبية التي اعترتني في الشتاء المنصرم. كنت قد تحسنت في مينا هاوس، إلا إن المرض عاودني من مدة، قلم اخرج منذ أربعة أيام تقريبا».

فقلت له: «لا بأس عليك يا دولة الباشا». وسألني عن صحتي وأولادي فشكرته. وبعد ذلك سكت هنيهة فقلت له: «يا دولة الباشا، أوضحت لكم في كتابي السبب الباعث لطلبي هذه المقابلة. وبالرغم من أنني لا أجد في ردكم ما يشجعني على الحضور، إلا أنني أتيت لاتبين ما إذا كنت مخطئة في حسن ظني أو كنت محقة».

فقال: «الم أشكرك في جوابي على القصد الجميل الذي دعاك إلى كتابته؟» فقلت: «نعم، إن هذا ما تستوجبه المجاملة، ولكنه لا يفيد بأنكم توافقون على هذا المسعى «. قال: «هذا شيء آخر يجب أن نتناقش فيه». قلت: «قبل المناقشة أريد أن اعرف إذا كنتم توافقون مبدئيا على الغرض الذي أتيت من اجله». قال: «يجب إن نتناقش أولاً».

قلت: «إن الموضوع واضح، فإما أن تشعر مثلي بأن الحال السيئة التي نحن فيها تستوجب الاتحاد، وإما انك لا تشاركني هذا الرأي. وفي هذه الحال لا فائدة من المناقشة». قال: « سبحان الله، كيف يمكن أن أقول شيئا من دون مناقشة؟ من يكره الاتحاد؟ أن لا احد يميل إلى الاتحاد مثلي، ولكني أريد أن اعرف مع من يكون الاتحاد؟ وعلى أية قاعدة؟ ولأي غرض؟».

قلت: «أما السؤال الأول فجوابه أن الاتحاد يكون مع الخصوم، مع خصومك وعلى القاعدة التي تصفونها بعد التفاهم. وإما الغرض فهو واضح كالشمس: إخراج البلد من المأزق الذي هي فيه الآن بسبب الانقسام، ومنعها من السقوط في الهوة السحيقة التي ستسقط فيها أن لم تتحد الأحزاب وتعمل كلها يدا واحدة لمقاومة عدو الجميع، العدو الخارجي».

قال سعد باشا ـ حسب رواية هدى شعراوي ـ «أتريدين أن اتحد مع من هدم الدستور؟»، قلت: «ومن هدم الدستور؟ كيف يكون وراءك أربعة عشر مليونا من الأنفس ثم يأتي زيوار باشا إلى البرلمان بمفرده ويخرجك منه؟ ثم لماذا لم تقل له عندما طلب منك الخروج واقفل مجلس النواب ما قلته عندما طلب الانجليز نفيك: أنا هنا بقوة الأمة ولا اخرج إلا برغبتها». فقال سعد متأثرا: «لم يكن هناك وقت للتفكير».

فقلت: «سبحان الله، هل في مثل هذه الظروف ينطق العقل أو القلب؟ كان يجب أن تخرج هذه الكلمة من قلبك. فالوطنية الصادقة تنطق بما يوافق الظروف». فاطرق ساكنا ثم رفع رأسه وقال: «لماذا تؤاخذينني على كل ذنب ولا تفعلين ذلك مع غيري؟». قلت: «غيرك مسؤول عن نفسه ولا تؤيده الأمة فإذا اخطأ فلنفسه، أما أنت فتتكلم عن أربعة عشر مليونا، فان أخطأت أخطأت الأمة معك، ولذلك أحاسبك على كل ما تفعل».

قال: «ومن أنت؟ من تكونين حتى تعطي لنفسك هذا الحق؟»، قلت: «إنا مصرية واحدة من الأربعة عشر مليونا الذين تتكلم بلسانهم، ولذلك أجد لنفسي الحق في أن أحاسبك على ما تفعل، وفضلا عن ذلك فانك لا يمكنك أن تنكر من أنا ولا ما قدمت من خدمات لوطني، ولا لما لبيتي وأسرتي من الفضل والمساهمة في هذه القضية». قال: «وهل نسيت كل ما فعلته في؟». قلت: «ليس هذا مجال عتاب».

قال: «لا بل يجب أن نتعاتب، أتظنين انه كان من السهل عليّ أن أوافق على مقابلتك بعد كل ما فعلته بي؟». فأجبته على الفور: «كنت أظن انك ستفرح وتفخر اليوم باني نسيت كل أعمالك. واني دست على كرامتك بعد كل ما فعلته صحفك فيّ. كنت أظن انك كنت ستقدر وطنيتي هذه، وتعرف أن ما دفعني إلى ذلك هو حبي لوطني، وثقتي بأنك ركن متين في بناء النهضة.

فلما رأيت كل المعاول تعمل لهدمك، جئت لأقدم كل مساعدتي ناسية كل شيء وما دمت لم تقدر هذا كله فنهارك سعيد». وهنا، كما تروي هدى شعراوي في مذكراتها قامت لتخرج، فقام سعد باشا زغلول من فوره وامسك بيدها قائلا: «اعذريني، لقد تعديت حدود اللياقة، فلا تغضبي».

وتتابع هدى روايتها: «أجبرني على الدخول ثانية والجلوس واستئناف المناقشة بعد تناول بعض الموضوعات الشخصية، مثل عدم سؤالي عنه وهو مريض، فأعطيته الحق فيما هو محق فيه، وأعطيت نفسي الحق فيما لا حق له فيه، وعند استئناف الحديث قال: «من يقول إن سعد يكره الاتحاد؟ الست أنا الذي بذلت كل جهدي لأمنع الانقسام؟ هل نسيت خطبتك التي ألقيتها في شبرا وغيرها؟ لماذا لم نترك عدلي يسافر.. وما الذي صنعه عدلي؟

إنه لم يفرط في شيء بل رفض مشروع كيرزون ورجع موفور الرأس موفور الكرامة، فهل كان يستحق المقابلة التي قوبل بها، خصوصا بعد أن أذن له الانجليز بمبلغ 300 جنيه شهريا؟» قلت «لهذه المناسبة، هل لك أن تقول لي ما هي الخيانة التي ارتكبها ثروت حتى اقتنع بأنه خائن؟ وهل لك أن تبرز ما عندك من الأدلة على خيانته؟ فقد داخلني في الرجل شك لما رميته بالخيانة، وكنت أنتظر منك عند تسلمك مقاليد الحكم بعده، أن تقيم الأدلة على خيانته».

قال «نعم.. كيف لم يرتكب أكبر خيانة؟ إنه انتهك حرمة منزلي في غيابي وأمر بتفتيش أشياء من زوجتي..» وهنا لم أتمكن من منع نفسي من مقاطعته قائلة «هل هذا كل ما اقترفه ثروت؟ إذا المسألة شخصية لا تمس حقوق البلد في شيء. وإن كنت ترى في عمل ثروت هذا خيانته للبلد، فاسمح لي أن أخالفك في هذا التقدير...» فرد بحدة قائلا «لماذا تقاطعينني.. دعيني أتكلم.

كيف ترين هذا قليلا وقد قام به موعزا من الانجليز؟» قلت «ومن الذي يثبت ذلك؟ هل وجدت عندما توليت الحكم، وتسلمت أوراق الوزارة ما يثبت هذا الظن؟» قال مرة ثانية «ألم تقرئي الكتاب الأبيض؟» قلت «وماذا يقول هذا الكتاب الأبيض؟» قال «إذا كنت لم تقرئيه، فكيف تقولين أنك تشتغلين بالسياسة؟» قلت «لقد قرأته ولكن.. لم أجد فيه شيئا مما تقول..»

ويتواصل هذا المشهد بين أخذ ورد.. دون أن تخبرنا المناضلة المصرية الكبيرة ما أذا كانت الأمور انتهت يومها، بينها وبين زعيم الأمة على خير. أما سعد زغلول فإنه لا يورد في مذكراته مثل هذه التفاصيل. وعلى أية حال، كان لديه، بعد، عامان آخران يعيشهما.. مات بعدهما، وكانت هدى شعراوي من أكثر الناس حزنا عليه.