هو واحد من أعظم الأطباء في تاريخ التراث العربي، سبق هارفي إلى اكتشاف أسرار الدورة الدموية. لكنه، إذ كان أيضا فقيها وعالما وأديبا رسم في طريقه ـ ومن خلال شروحه على «قانون» ابن سينا - صورة لأخلاقيات العلم والطب. وهو أمر نلاحظه في العديد من كتبه ولا سيما في «شرح القانون». اسمه ابن النفيس، ولد في دمشق ومات في القاهرة، وتجاهله صديقه ابن أبي أصيبعة في كتابه «عيون الأبناء في طبقات الأطباء».
تجمع كتب تاريخ العلوم عند المسلمين على أن ابن أبي أصيبعة وابن النفيس كانا صديقين منذ تتلمذا معا، في الطب والعلوم، على يد الطبيب الدمشقي الشهير مهذب الدين بن علي المعروف بالدخوار. وتقول هذه الكتب أنهما سافرا معا إلى مصر حيث عملا هناك، لينتهي الأول مؤرخا للأطباء، والثاني واحدا من كبار المجددين في الطب في طول الحضارة الإسلامية وعرضها.
ومع هذا في كتاب ابن أبي اصيبعة «عيون الأبناء في أخبار الأطباء» الذي يعتبر الأشهر في مجاله في التراث العربي، هناك ذكر وسرد لحياة وأعمال 380 طبيبا وعالما كانوا من معاصري المؤلف في سوريا ومصر..ولكن ولا كلمة عن ابن النفيس؟ هل كانا متنافسين على الرغم من صداقتهما؟ هل دبت بينهما العداوة بعد الألفة؟ لا أحد يجيب ومع ذلك ثمة إجماع على أن انجازات ابن النفيس فاقت انجازات كل أولئك الذين تحدث عنهم «عيون الأبناء في أخبار الأطباء».
بل إن ابن النفيس يعتبر حالة نادرة في تاريخ الطب هو الذي اشتغل أيضا وعلى عادة علماء زمانه بالفقه والفلسفة وعلم الكلام وعلوم اللغة. ومع هذا تظل قيمته الكبرى عبر التاريخ، في عمله الطبي وكتاباته الطبية.لقد عاش علاء الدين علي ابن النفيس، المعروف أيضا بالقرشي، لانتمائه إلى قريش خلال القرن الثالث عشر الميلادي، بعد ولادته في دمشق ليتوفى بعد ذلك في القاهرة في العام 1288.
وهو منذ شبابه، والى جانب اشتغاله بالطب، اهتم بالتأليف في العديد من المجالات، ومع هذا يبقى كتابه «شرح القانون» الذي هو إعادة اشتغال على كتاب «القانون» الشهير لابن سينا، من أعظم انجازاته.. كما يبقى اشتغاله على الدورة الصحيحة للدم من القلب إلى الرئة، ومن هذه إلى القلب من أعظم تجديداته في هذا المجال. وهو تجديد يدين به عالم الطب كله لابن النفيس.
وهذا الاشتغال يتجلى في نص لهذا المؤلف الفذ عنوانه «شرح تشريح القانون» حيث أورد «بفكر ثاقب» كما يجمع المؤرخون، شرحا لطبيعة هذه الدورة هو المعتمد عالميا حتى اليوم. ومن هنا فان ثمة تكاملا بين نص شرح التشريح وكتاب «الشرح» وهو أشهر كتب ابن النفيس. ونعرف أن كتاب «القانون» نفسه لابن سينا كان واسع الانتشار وظل يدرس في أوروبا حتى القرن الثامن عشر.
لكنه كان كتابا عسير الفهم ما كان يستدعي من الأساتذة شرحه وتفسيره وإذ كان واضحا أن كل واحد من هؤلاء يفسره على هواه وأحيانا بأشكال تتنافى مع جوهره ومادته، أخذ ابن النفيس على عاتقه وضع شرح «نهائي» له فإذا بالشرح يتجاوز الأصل في قيمته وحضوره في عالم الطب.
وإذا كان «القانون» يحتوي على خمسة أقسام أو كتب، منها اثنان كرس أولهما للأدوية المنفردة والثاني لفن المعالجة، ارتأى ابن النفيس أن يجمع بين الكتابين في كتاب واحد. أما بالنسبة إلى التشريح، فان ابن سينا كان سرد قسما منه في الكتاب الأول، هو القسم الذي يتناول الهيكل العظمي والعروق والعضلات،
وقسما في الكتاب الثالث (التشريح الخاص بكل عضو).. فكان أن جمعهما ابن النفيس في كتابه ليصبح التقسيم عنده أفضل من الناحية المنطقية إذ صار يتناول على التوالي: شرح التشريح وشرح الاقرابزين وشرح الإمراض المختصة بالأعضاء من الرأس إلى القدم ـ ثم شرح الأمراض غير المختصة بعضو من الأعضاء.
ولعل من أهم ما يلفت لدى ابن النفيس قوله في المقدمة:«يقول البعض إن كل الأمراض من الله وعلينا إلا نتعرض لها بالمداواة. ولكن نعم كل شيء من الله، وهذا لا يمنعنا من دراسة الأمراض ومعالجتها». كما يقول: «رأينا إن نسلك طريقنا في أتباع الحق ونصرته، واجتناب الباطل وملاحظته»،
مضيفا «علينا أن نوضح كل مطلب، ونتبين كل مذهب(..) ونرتب المباحث ونتكلم عليها بحسب النظر المحقق ثم ننصر الحق ونعلي مناره، ونخذل الباطل ونخفي آثاره». وهذا ما يقوده إلى أن يؤكد «وأما منافع كل واحد من الأعضاء فإنما نعتمد في تعريفها على ما يقتضيه النظر المحقق والبحث المستقيم ولا علينا وافق ذلك رأي من تقدمنا أو خالفه».
ومن انجازات ابن نفيس في هذا الإطار دراسته كل عضو من أعضاء الجسم دراسة عقلانية تحاول أن تربط شكل العضو بوظيفته. ولنقرأه هنا وهو يتحدث عن الرأس: أن الرأس خلق مستديرا ليكون بعيدا عن قبول الآفات(...) لكننا لا نجزم انه خلق مستديرا لذلك فقط. ولذلك فانا نذكر للشيء الواحد منافع كثيرة ويجوز أن تكون المنفعة الخفية هي مجموع تلك المنافع لا واحدة منها.
ويجوز أن تكون غير المجموع وغير واحد مما اذكر« وهو أسلوب في الكلام والتحصيل، جعل مؤرخو سيرته المعاصرون يقولون: إنه يعترف بهذا بكل جرأة وموضوعية أن كلامه قد يكون قابلا للخطأ، وانه يجب البحث دوما، وان باب الاجتهاد مفتوح، وعلى العلماء البحث الدائم عن الحقيقة..وهي عقلية العالم الحقيقي.
ولقد كانت لغة ابن النفيس في شروحه العلمية تتسم بالبساطة والرغبة في الإفهام. وفي هذا الإطار قد يكون من المفيد أن ننقل هنا، على سبيل المثال، حديثه عن الشريان الوريدي حيث يقول حرفيا:«إن هذا العرق شبيه بالأوردة وشبيه بالشرايين. أما شبهه بالأوردة فلأنه من طبقة واحدة وان جرمه سخيف وانه على قوام ينفذ منه الدم لغذاء عضو.
وأما شبهه بالشرايين فلأنه ينبض وينبت على قولهم من القلب، وينفذ فيه هواء للتنفس. ولما كان نبض العروق من خواص الشرايين، لا جرم كان إلحاق هذا العرق بالشرايين أولى، ولذلك يسمى شريانا وريديا، لا وريدا شريانيا. وتقول إن العروق التي تنبث في الرئة تخالف جميع العروق في البدن، وذلك لأن في جميع العروق في البدن، وذلك لأن في جميع الأعضاء يكون للعرق الضارب طبقتان ولغير الضارب طبقة واحدة.
والضارب مستحصف وغير الضارب سخيف. وعروق الرئة بالعكس من هذا واختلفوا في سبب ذلك.. والذي نقوله نحن والله اعلم، إن القلب لما كان من أفعاله توليد الروح، وهي إنما تكون من دماً رقيقاً جداً شديد المخالطة لجرم هوائي. فلا بد وان يجعل في القلب دم رقيق جدا وهو للتمكن أن يحدث الروح من المجرم المختلط فهما وذلك حيث تولد الروح وهو في التجويف الأيسر من تجويفي القلب.
ولا بد في قلب الإنسان ونحوه مما له رئة، من تجويف آخر يتلطف فيه الدم ليصلح لمخالطة الهواء، فان الهواء ولو خلط بالدم وهو على غلطه لم يكن من جملتها جسم متشابه الأجواء. وهذا التجويف هو التجويف الأيمن من تجويفي القلب. وإذا لطف الدم في هذا التجويف فلا بد من نفوذه إلى التجويف الأيسر حيث مولد الروح».
