تميزت المراحل القديمة في الصراع الحضاري بيننا والغرب بوضوح الرؤية لدى أمتنا إزاء هذا الغرب الاستعماري، الذي ما فتئ يقذفنا بحملات الغزو ومحاولات الإبادة وموجات النهب والتبعية.لكن الأمر لم يعد كذلك في ظروف صراع امتنا ضد الغزوة الاستعمارية الحديثة، التي حملت معها فكرا خبيثا يهدف إلى احتواء أمتنا وطمس معالم تمايزها واستقلالها، وتشويه معرفتها بذاتها، وصولا إلى تجريدها من طاقات الثورة في سبيل النهضة والاستقلال!!
حول هذه القضية يقدم لنا المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة كتابه المهم: «الاستقلال الحضاري».في البداية يؤكد المؤلف أنه منذ بدء الهجمة الاستعمارية الحديثة على ديار العروبة والإسلام، وضحت أهداف هذه الموجة من موجات التحدي، وتميزت عن غيرها من الموجات التي ابتليت بها أمتنا عبر تاريخها الطويل.
فهي لا تبغي فقط السيطرة على طرق التجارة الدولية، ولا تقنع بالنهب الاقتصادي الاستعماري، ولا تكتفي بتفتيت وطن أمتنا، لتحول دون وحدتها فقوتها فنهوضها، ولا تقف أطماعها عند تحويل شرقنا العربي والإسلامي إلى هامش آمن للغرب الأوروبي.
ولا تكتفي هذه الهجمة الاستعمارية بكل ذلك، بل إنها في سبيل تأييد كل ذلك وتكريسه، سعت وتسعى إلى سحق شخصيتنا القومية الخاصة، ومسخ هويتنا الحضارية المتميزة، والحيلولة بين أمتنا وبين استعادة قسمات استقلالها الحضاري المفقود، ورأت أن تحويلنا إلى هامش حضاري للغرب هو الضمان لبقائنا هامشا له في الأمن والاقتصاد!!
ومن هنا، وبسبب هذه الأهداف الاستعمارية تنوعت أسلحة الصراع، وتعددت ميادينه، فشملت ساحات «الفكر» و«المادة»، وخاض «المفكرون» و«العامة»، واستنفر «العلماء» و«الجند» واحتاج إلى «القلم» و«السيف» عبر تاريخه الطويل!!ولقد استعان الاستعمار في صراعه مع امتنا على الجبهة الحضارية، بعوامل كثيرة تدخل في عداد «حيل الخداع والتمويه» النابعة من غرور المنتصرين واستعلائهم على المهزومين»!
وكانت حركة الاستشراق في طليعة الزحف الاستعماري على جبهتنا الحضارية العربية الإسلامية، وكانت هذه الحركة الاستشراقية أعلم منا، يومئذ بتراثنا الحضاري، فألحت على عقل أمتنا ووجدانها بالمقولة التي تزعم أننا أمة غير متميزة حضاريا، فتراثنا العربي - كما قالت - فقير في الخلق والإضافة والإبداع، وعقلنا العربي عاجز عن التفلسف والفكر المركب، وليس لأسلافنا غير فضل النقل والحفظ لتراث اليونان والمحاكاة لتراث الفرس والهنود؟!
ولم يكن هدف هذه المقولة الاستشراقية هو فقط تثبيط الهمة، وفل العزيمة، وخفض الهامة، وكسر العود، وإذلال النفس العربية الإسلامية، وإنما كان الهدف أبعد من ذلك وأكثر وأخطر، كان الهدف استخدام كل ذلك للوصول إلى مقولة ثانية، تزعم أن التمايز الحضاري هو في الأساس ومن حيث المبدأ مجرد أكذوبة، لم يعرفها التراث ولم يشهدها التاريخ،
ومن ثم فلا جدوى من جعله هدفا لنضالات الحاضر والمستقبل، فالحضارة واحدة، وهذه الحضارة الواحدة هي الحضارة الإنسانية، والتي كانت قديما يونانية، ثم نقلها العرب والمسلمون إلى الأوروبيين، الذين أسسوا عليها حضارتهم الحديثة، التي هي حضارة العصر الإنسانية الوحيدة!! فأوروبا هي المركز، كانت كذلك قديما وأيضاً في الحديث؟!!وضح المؤلف أن الهجمة الاستعمارية الحديثة أولدت في واقعنا الفكري ثلاثة تيارات أساسية:
التيار الأول: «الجمود». ذلك الذي استعصم بفكرية العصور الوسطى بعد أن أضفى على هذه الفكرية، التي جسدت عصر تخلفنا الحضاري، قداسة الدين وقدسيته، ولقد تمثل تيار «الجمود» في المؤسسات التقليدية العريقة - إلا قليلا من أعلامها - تمثل في عدد من شيوخ الأزهر، والزيتونة، وفي قوم زعموا أنهم «مجتهدون»، رغم تسليمهم واستسلامهم لأساطير تراثية تفعل فعلها في تقسيم المسلمين الى «شيعة» و«سنة».
وكذلك تمثل تيار «الجمود» في تنظيمات «الطرق الصوفية» التي غرقت في البدع والخرافات والرسوم، وانقطعت صلاتها بالتصوف الحق، سواء كان عقلانيا أم شرعيا تهذيبيا؟!التيار الثاني: «التغريب»®. ذلك الذي انبهر أهله بتألق الحضارة الأوروبية وإنجازاتها وانتصاراتها، خصوصا عندما قارنوا بينها وبين النموذج الحضاري الذي يستمسك به «تيار الجمود»، بعد أن حسبوا - لجهلهم بتراثهم الحضاري - أن تصور أهل «الجمود» هذا هو حقيقة تراث أمتنا الحضاري!
التيار الثالث: «التجديد». ولقد تمثل هذا التيار في الأعلام الذين استوعبوا تراث الأمة، ثم لم يحبسوا عقولهم في تيار من التيارات القديمة التي فرقت بالتعصب صفوفها، كما لم يدفعهم استيعابهم للتراث الى الغرق في القضايا القديمة التي شغلت الأولين بالجدل، والتي تجاوزها العصر، لأنهم رفضوا - إيمانا منهم بقانون التطور - إمكانية إعادة الحاضر أو المستقبل كي يصب أي منهما في قوالب التجارب التي صنعها الأسلاف،
ثم إنهم لم يغلقوا عقولهم دون التيارات الحضارية الأخرى، والتجارب الإنسانية التي ازدهرت وتزدهر خلف حدود العروبة والإسلام، ودون المواريث الحضارية غير العربية الإسلامية، فرأوا الإنطلاق من تراث الأمة، والمحافظة على القسمات والسمات التي تمثل البصمات الثابتة في شخصيتها وحضارتها، والتفاعل مع الحضارات الأخرى والإفادة منها، دون تقليد يمسخ شخصيتنا الحضارية.
ويبين المؤلف أن الحضارة الغربية على عكس الحضارة العربية الإسلامية، قد نهجت نهجا سيئا، استعلائيا وعدوانيا في كل المجتمعات التي غزتها، فنحن نعلم أن العرب المسلمين عندما فتحوا البلاد التي فتحوها، احتضنوا المواريث الحضارية القديمة، فالمواريث التي كانت قد هجرت وماتت أحيوها، ودخلت هذه المواريث - وبالتحديد الصالح للعطاء منها - في نسيج الحضارة العربية الإسلامية الجديدة.. أما الحضارة الأوروبية الغازية،
فلقد مارست سياسة النسخ والمسخ والتشويه مع المواريث الحضارية للشعوب والبلاد التي فتحتها هذه الغزوات الاستعمارية الحديثة، فكما صنعوا مع الهنود الحمر، أرادوا وحاولوا أن يصنعوا مع المواريث الحضارية للشعوب الأفريقية، وفي آسيا، وفي كل البلاد التي غزوها فهذه «الفكرية التغريبية» أرادت لهذه الشعوب المستعمرة أن تتحول لا إلى الحضارة الغربية،
كما زعموا ويزعمون أنهم لا يمكنون هذه الشعوب من أن تصبح مثلهم في الحضارة،بامتلاك مصادر القوة في الحضارة الغربية - وهي كثيرة وغنية - وإنما أرادوا أن تتحول هذه الأمم وهذه الشعوب إلى «هامش حضاري» مجرد «هامش حضاري»، إلى موقع «التبعية الحضارية» للمركز الأوروبي،
وكان الهدف ليس تحضر هذه البلاد ونهضتها، لأن الاستعمار بداهة، ليس حريصا على هذا الهدف وهذه الغاية، وإنما كان الهدف هو أن يصبح العقل عندنا تابعا للمركز الأوروبي والغربي، لأن هذا هو السبيل الأمثل والأضمن لتأييد، بل وتأبيد الغزوة الاستعمارية والنهب الاستعماري، وهذا هو الضمان الرئيسي كي تتحول الى «هامش أمني» يحمي أمن «المركز الأوروبي» والغربي!!
القاهرة ـ مصطفى علي محمود:
