يدل تطور سبل الاتصال الحديثة في أي مجتمع على مدى التطور الذي بلغه ذلك المجتمع. ففي دبي واصلت عجلة تطور وسائل الاتصال مسارها آخذة في الاعتبار مواكبة خدمات البنية التحتية وتطوير نوعية معينة من الخدمات مناسبة لمجتمع دبي التجاري والاقتصادي.
ولكن وعلى الرغم من أن وسائل المواصلات الجوية الحديثة قد سهلت الاتصال بين دبي والعالم الخارجي الا أن وسائل الاتصال البري بين شطري دبي كانت لا تزال في حاجة إلى المزيد من التطوير خاصة في ظل ذلك النمو الاقتصادي والسكاني الهائل الذي عرفته دبي في أواخر الخمسينات وبداية عقد الستينات. ففي خلال هذه الفترة، كما سبق ذكره، قفزت دبي من مصاف المدن الصغيرة المغمورة إلى مصاف مدن الخليج الحديثة.
فقد أصبحت مقصدا لرجال المال والأعمال والتجار في منطقة الخليج والشرق الأوسط خاصة أولئك الباحثين عن توكيلات تجارية جديدة وأعمال إنشائية ضخمة. وهكذا قفزت دبي من مصاف المحلية الضيقة لمصاف الإقليمية المتنامية قبل أن تقفز لمصاف العالمية الواسعة. الحاجة لتطوير سبل الاتصال الحديث بين شطري دبي: افتتاح جسر المكتوم:
على الرغم من تطور المواصلات الخارجية بين دبي والعالم إلا أن المواصلات الداخلية بين شطري دبي من ناحية، وبين دبي والإمارات الأخرى من ناحية ثانية ظلت غير كافية لمواجهة التطور السريع الذي كانت تشهده الإمارة آنذاك. لذا فمن المشاريع المهمة التي أخذت حكومة دبي في التفكير في إنشائها، على الرغم من قلة الإمكانيات والاعتمادات المالية المتوفرة
، هو مشروع جسر يربط بين شطري الإمارة، جسرا يوفر الوقت والجهد في نقل البضائع والأفراد بين شطري دبي دون الحاجة للانتظار أو توفر العبرات الكبيرة. لذا كانت الحاجة لجسر يربط بين شطري دبي: بر ديره وبردبي حاجة حيوية. فلم تعد العبرة وحدها كافية لمواجهة متطلبات السكان من العبور اليومي بين شطري الإمارة كما لم تعد وسيلة النقل تلك كافية لنقل البضائع من وإلى أطراف دبي الحيوية.
لذا كان مشروع الجسر الذي يربط شقي دبي مهما كوسيلة سهلة وسريعة لمواجهة متطلبات المجتمع التجاري. ولكن الاعتمادات المالية لمواجهة نفقات أقامة جسر كبير كهذا كانت كبيرة نوعا ما ولم تكن دبي تملك في فترة نهاية الخمسينات وبداية الستينات الأموال اللازمة للإنفاق على كل تلك المشروعات الحيوية.
فالديون التي كانت دبي قد اقترضتها سابقا تحتاج للإيفاء بها كما تحتاج الديون الجديدة لضمانات مالية كبيرة حتى تستطيع أي جهة إقراض حكومة دبي. وهكذا وجدت دبي نفسها أمام مأزق مالي فهي من ناحية عليها الالتزام بإيفاء ديونها ومن جانب آخر التفكير في البدء بمشروعات حيوية أخرى لا بد منها لاقتصاد الإمارة النامي. لذا كان لا بد من توفير الاعتمادات المالية محليا أو أيجاد مصادر أخرى للتمويل لا تخضع للضغوط.
كان لا بد للشيخ راشد سرعة التحرك لإيجاد مصادر بديلة فما كان منه إلا أن طلب من صهره حاكم قطر، الشيخ أحمد بن علي آل ثاني، أن تقوم قطر بتمويل هذا المشروع عن طريق قرض قابل للدفع. وما كاد العام 1962 ينتهي إلا وكانت الإنشاءات في مشروع الجسر على قدم وساق. وأخيرا في مايو 1963 تم افتتاح هذا المشروع الحيوي الذي عرف «بجسر آل مكتوم»، أمام المارة.
ولكي تقوم حكومة دبي بتسديد قيمة هذا القرض وللحصول على الأموال اللازمة قامت الحكومة بفرض رسم رمزي بسيط على مستخدمي الجسر مقداره «ربع روبية». وقد وفر هذا الرسم البسيط المال اللازم للأنفاق على المشاريع الأخرى وعلى تسديد قيمة القرض. وقد بقي هذا الرسم قائما حتى أواخر الستينات عندما بدأت دبي تحصل على عوائد مالية منتظمة من البترول فالغي هذا الرسم.
إن افتتاح تلك المشاريع الضخمة المرتبطة بتطور سبل المواصلات والاتصال لا يمكن اعتبارها كرد فعل لحاجة دبي الفعلية آنذاك لشبكة حديثة «مواصلات حديثة» ولا لحاجة مجتمع دبي التجاري إلى سبل الاتصال الحديث بالعالم الخارجي ولكن أيضا كتوقعات لنمو دبي مستقبلا كمركز تجاري واقتصادي له وزنه الكبير في منطقة الشرق الأوسط. فمعظم المشاريع التي أنشأتها دبي آنذاك كانت تبدو مستحيلة وفوق طاقة ميزانية حكومة دبي.
بل كانت الحكومة البريطانية أحد المشككين في جدوى هذه المشاريع لإمارة صغيرة غير معروفة على مستوى الشرق الأوسط فكيف بالعالم الخارجي؟ ولكن ثقة حكومة دبي وصناع القرار فيها بنمو وتطور دبي المستقبلي والدور الواعد الذي ينتظرها على مستوى الشرق الأوسط والعالم هيأ لها كل الثقة بنفسها لتنفيذ ما عجزت عنه الكثير من الدول الأكثر ثراء من دبي.
* بدء الخدمات العامة الإضافية:
منذ ازدهار الحركة التجارية في دبي بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة مع الهند وإيران وازدياد دخل الإمارة من الامتيازات البترولية، إلى حوالي 000,100 روبية هندية، ظهرت الحاجة إلى المصارف الحديثة لتنظيم حركة رؤوس الأموال وحرية انتقالها.
فقد ازدادت حركة التجارة بعد الحرب العالمية مع إيران بشكل ملحوظ. فكانت دبي تصدر إلى إيران بضائع متنوعة تضم المواد الغذائية والأجهزة وغيرها من البضائع التي كانت دبي تستوردها وتعيد تصديرها للموانئ الإيرانية محققة ربحا وفيرا لتجار دبي والتجار الإيرانيين المقيمين فيها.
وقد تراوح حجم التجارة مع إيران ما بين 000,400 إلى 000,500 روبية هندية في الشهر الواحد. ويذكر السيد اف. جونسون من الوكالة البريطانية أن حوالي 80% من تجار دبي في تلك الفترة كانوا من الإيرانيين.لم تكن التجارة مع الموانئ الإيرانية هي الوحيدة المزدهرة فقد ازدهرت أيضا التجارة مع الهند حيث وصل حجمها إلى نصف مليون روبية هندية في الشهر.
فقد كانت دبي تصدر للهند بعض المواد الغذائية كالليمون اليابس والتمور وبعض البضائع التي تحتاج لها الهند. كما كانت تجارة الذهب تجارة رائجة مع الهند حققت لتجار دبي أرباحا طائلة. فقد كان الذهب يجلب لدبي بصورة مشروعة، من جنوب أفريقيا وزيورخ، ثم يعاد تصديره للموانئ الهندية التي كانت آنذاك تفرض حظراً قويا على دخول وخروج الذهب منها. لذا فقد حققت هذه التجارة أرباحا طائلة للمتعاملين بها.
وعلى الرغم من هذا الازدهار النسبي إلا أن دبي لم تصل إلى نصف ما كانت عليه قبل الحرب. فقد كان اقتصاد دبي آنذاك يشهد طفرة قوية وضعت الحرب العالمية الثانية لها حدا. ولكن على الرغم من التباطؤ إلا أن دبي كانت ماضية في تنفيذ مشروعات عملاقة تهدف إلى مساعدة اقتصاد دبي على النهوض وملاحقة تطورات العصر.
* بدء الخدمات المصرفية
على الرغم من ذلك النشاط الاقتصادي الذي تمتعت به دبي في أعقاب الحرب العالمية الثانية الا أنها كانت تفتقر إلى مصرف مالي ينظم الأمور المالية فيها ويجعلها أكثر يسرا وسهولة. فقد كان التجار حتى تلك الفترة يحتفظون بأموالهم في صناديق حديدية داخل محلاتهم أو في بيوتهم. أما العمليات التجارية مع التجار في الخارج فكانت تتم عن طريق تبادل النقود، أي أن يتسلم التاجر الهندي أموالا في دبي ويعهد إلى شخص آخر في الهند لكي يسلمه المبلغ المقابل في بومبي.
لذا كانت المعاملة قائمة على مبدأ الثقة وعلى كلمة الشرف بين الطرفين. ولم تكن هذه المعاملة المالية مدونة على الورق لكون الكثير من التجار العرب لا يقرأون ولا يكتبون. لذا كانت المعاملات المالية تحتاج إلى تطوير حقيقي يتناسب وتطور دبي كما يعكس نموها الاقتصادي الحقيقي.
ومع تطور التجارة وتعقد عمليات البيع والشراء أعرب معظم التجار عن رغبتهم في إيداع أموالهم في مصرف يتم أنشاؤه في دبي ويقوم بتحويل أموالهم إلى الخارج فيما لو رغبوا بذلك. وكان جونسون متحمسا لفكرة إنشاء المصرف. فقد قدر أنه في حالة إنشائه فإن متوسط الإيداعات فيه يمكن أن تصل إلى مليوني روبية هندية في معظم أيام السنة.
وقد عرض جونسون الاقتراح على الحاكم آنذاك، الشيخ سعيد بن مكتوم وولي عهده، الشيخ راشد بن سعيد، اللذين وافقا على تأسيس البنك. وهكذا عرضت حكومة دبي المشروع على الحكومة البريطانية للتأكد بأن تأسيس هذا البنك لا يتعارض مع الاتفاقيات البترولية المعقودة بين دبي والشركات البريطانية والتي حددت بموجبها البنك الذي تتعامل حكومة دبي معه.
وهكذا تم اعداد مسودة اتفاقية البنك وتم عرضها على حاكم دبي الذي وافق على جميع بنودها ما عدا بند واحد رفضه وهو البند الذي يلزم حكومة دبي بعدم قبول تأسيس بنك آخر لمدة 25 عاما بينما يحق للبنك الانسحاب من دبي في أي وقت يشاء. ألا أنه بعد تخفيض المدة إلى 15 عاماً وافق الشيخ على مسودة الاتفاق.
وبناء عليه جرى توقيع الاتفاقية في يناير 1946 والتي تضمنت شروطها تعيين مواطنين في إعمال كتابية ووظائف أخرى. وهكذا تم تأسيس فرع البنك الإمبراطوري الإيراني في دبي والذي تحول اسمه فيما بعد إلى البنك البريطاني للشرق الأوسط والذي يحمل الآن اسم اتش.اس.بي.سي .
ترصدها: د. فاطمة الصايغ

