اعتادت سوزي موستبيرجر الوريثة الفرنسية، على ارتياد جزيرة الأثرياء منذ زمن بعيد، كانت تعشق الحياة والحفلات وتنفق بسخاء وكرم، كانت تحظى باحترام وحب سكان الجزيرة لتواضعها ولطافتها، لكن ذات صباح وجدت مقتولة بطريقة وحشية، لم يعثر على القاتل ولا يزال التحقيق في أسباب موتها المأساوي قائماً.
كانت الساعة تشير إلى السابعة والنصف صباحاً في 27 فبراير 1998، كشفت أشعة الشمس عن صخرة عملاقة تتلألأ وسط بحر الكاريبي، مساحتها لا تتعدى ستة كيلومترات مربعة، تم فوقها إنشاء خمسة وثمانين مبنى فاقت تصميماتها حدود الخيال المعماري، إنها جزيرة موستيك (البعوضة)، سميت هكذا لصغر حجمها، وأيضاً لأن مصاريف الإقامة بها تمتص الدم، إنها فردوس حقيقي، جوهرة الحلم في قلب أرخبيل الغرونادين. في القمة، تربعت الفيلا الفخمة، «فورت شاندي»، لتزين كعقد الماس، المياه الفيروزية لبريطانيا باي.
مثل أي مكان في الجزيرة، تترك الأبواب والنوافذ الكبرى مفتوحة حتى تنعم بنسيم البحر المتسلل. داخل هذا المنتجع الخرافي، يحظى الأثرياء بحماية أشبه بحماية مصرف بريطانيا وأفضل رقابة أمنية في العالم، إذ لا مكان للجريمة! حتى ذلك اليوم الذي دخلت فيه جوزيفا، مواطنة أصلية من سانت فانسونت والغرونادين (ترتبط بهما جزيرة موستيك سياساً) لتوقظ كعادتها سيدتها سوزي موستبيرجر، (57 عاماً)، وريثة من ستراسبورغ لامبراطورية أدوات طب الأسنان، كانت تتردد على الجزيرة منذ عدة أعوام.
داخل الغرفة ذات الطراز الانتيلي، كان يظهر شعر سوزي البني ينتشر فوق الأغطية البيضاء، وجهها شبه مغطى أيضاً، ومستلقية إلى جانب السرير، لم تستجب لنداءات جوزيفا، التي أزاحت الستائر، من دون أن تتلقى أية ردة فعل، ربتت بيدها على كتف سوزي، حركتها بخفة، لا شيء، ذعرت ثم رفعت الغطاء وأطلقت صرخة مدوية هزت أرجاء المكان.
سوزي تسبح في دمها، مذبوحة من الوريد إلى الوريد، دب الذعر في الجزيرة،
وعمت الأرجاء حالة طوارئ قصوى. وفي الحين هب بريان الكسندر، صاحب شركة موستيك، المسؤولة عن تسيير شؤون الجزيرة فيما يتعلق بشروط الإيجار وتوفير الخدم والحرس، فجريمة قتل بهذه الوحشية، تزعزع استقرار هذا الفردوس الذي يكلف مرتاديه الكثير من المال حتى ينعموا بالراحة، وتضر لا محالة بسمعة وصورة المنطقة وتؤدي إلى ضرب اقتصادها الذي تعتبر السياحة ركناً وحيداً له. يجب العثور على الفاعل وبسرعة، وهكذا قرر رجال كين ويل ـ أحد المخبرين القدامى لشرطة سكوتلاند يارد ـ والرئيس الحالي لشرطة موستيك.
حدثت الجريمة حسب تحقيقات المعمل الجنائي التابع لمصلحة الطب الشرعي نحو الساعة الثانية صباحاً، تلقت سوزي عدة طعنات في البطن والصدر قبل أن تنحر، لم يسمع أحداً صراخها لأن مسكن الخدم يقع وسط الحديقة، حاولت دون جدوى أن تدافع عن نفسها بواسطة مطواة مشدودة بقوة بين يديها،
لم تتعرض لعنف جنسي ولم تسرق مجوهراتها أو مالها، ربما كان القاتل أحد السكان الأصليين، أو أحد البحارة العابرين الذين يلقون مرساتهم داخل الخلجان الواسعة للصخرة. سكان الجزيرة دافعوا بشدة عن مواطنيهم بحجة أن سوزي لم تسرق ولم تغتصب، ولو كان المجرم واحداً منهم لكان تصرف بدافع الرغبة الجنسية أو السرقة.
تتابعت التحقيقات: الضحية كانت أفادت قبل أربعة أيام من وفاتها أنها دعت إلى عشاء بعض الفكاهيين الفرنسيين الذين أرسوا مركبهم في بريطانيا باي، لكن لم تكن تشعر بالارتياح معهم، ولم يتمكن أحد من معرفة شيء عنهم لأنهم رفعوا المرساة منذ وقت مبكر.
آخر سهرة قضتها سوزي في حياتها كانت داخل بيت آخر في الجزيرة، عند تاتيانا كوبي لاند، ابنة شقيق راشامانينوف، متزوجة بأحد أبناء ورثة ديبون دي نيمور، بمناسبة عيد ميلادها، حيث ارتدت سوزي فستاناً أسود مثيراً وتزيّنت بعقد وأساور من الألماس، حضر هذا الحفل بريان الكسندر، كين ويل، جيمس ميتشل، الوزير الأول لسانت فانسون وزوجته، والأمير اندريو.
حتى مع احتمال شجار سببه الكحول، يصعب التخيل أن واحداً من هؤلاء الأرستقراطيين يتحول إلى جاك السفاح ويعتدي على سيدة كل فقراء وأغنياء الجزيرة يكنون لها احتراماً وحباً. حامت الشكوك أيضاً حول شاب يدعى فلاديمير سميك، رجل وسيم فر من الجندية اليوغسلافية، انه عشيق سوزي،
لكن لا يمكن اتهامه، هي التي أنقذته من البؤس حين قررت تأمين مستقبله عن طريق تمويل دراسته داخل أرقى المدارس الفندقية في سويسرا. برأته العدالة، لأنه غادر سوزي وجزيرة موستيك للالتحاق بلوزان قبل أيام من وفاتها. وبالتالي أية مصلحة له في إزاحة المصدر الوحيد لدخله!
ووريت سوزي الثرى في ستراسبورغ في 14 مارس 1998، لم يكلف أي موظف في شركة مسوتيك نفسه عناء التعزية، لا أزهار إنما فاتورة للعائلة بمبلغ 14 ألف دولار مصاريف نقل الجثمان! وخوفاً على سمعة الجزيرة ومصالحها المادية، أرسلت الجثة مع إشعار بأن سبب الوفاة «ذبحة صدرية»!
انطلاقاً من قليل من اللعاب والبصمات، قرر خبراء فرنسيون إجراء تحاليل للحامض النووي على سكان الجزيرة (5 آلاف نسمة)، لكن شركة موستيك لم تسهل عليهم العمل، لاعتبارات اقتصادية بحتة، كما أشار فرانسوا تييري رئيس سابق لقسم الأدلة الجنائية بالانتيل وغويانا.
قبل رحيل سوزي، كان لديها العديد من الحسابات المصرفية باسمها في سويسرا وواحد في الكاريبي، كان هذا الأخير سيحقق حلمها في شراء بيت في الجزيرة، لكن لم يعثر له على أثر، لم يسحب حتى اليوم، وحتى لو سحب لكان قاد بسهولة إلى المجرم! في خريف 1999، تم توقيف التحقيقات من طرف حكومة سانت فانسونت التي رفضت بقاء الشرطة الفرنسية في الجزيرة، بالنسبة لشركة موستيك انتهت القضية.
أما الضابط تييري فيقول «لا بد للحقيقة أن تسطع يوماً، لا نؤمن بالأسرار الأبدية لأننا لسنا في كورسيكا، .. هناك أناس يعرفون الحقيقة، فقط يجب العثور عليهم... وهذا جزء من عملنا». كان لرحيل سوزي، تأثير بالغ على بعض رواد الجزيرة، بعد حدوث المأساة، قام العديد من الأثرياء «المقيمين» مثل مايك جاغر ودافيد بوي ببيع قصورهم، الأمر الذي حمل شركة موستيك على فتح أبوابها أمام ناس لم يكونوا مقبولين في السابق كسكان في الجزيرة.