يحتل الفول كطعام، مكانة مرموقة عند العرب وبالأخص المصريين، الذين يأكلونه وجبة أساسية في الصباح دائماً، وقليلاً عند الظهر، وكثيراً في المساء، ويعرف الفول طريقه إلى معدة كل المصريين على اختلاف شرائحهم الاقتصادية والاجتماعية، بأشكال وطرق إعداد مختلفة بل أن ثمة أصنافاً كثيرة، يدخل الفول في تكوينها بشكل أساسي كالفلافل والبصارة وغيرهما.

ومن الظواهر التي تعكس أهمية الفول عند المصريين، خبر نشر في الصحف المصرية قبل فترة عنوانه «محاكمة تأديبية لرئيس قسم بالشؤون الاجتماعية، يبيع الفول المدمس على عربة أثناء مواعيد العمل». والتفاصيل أن نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية وافق على إحالة 5 مسؤولين بإدارة وسط القاهرة الاجتماعية إلى المحكمة التأديبية العليا،

وذلك لقيام أحدهم ببيع الفول على عربة أثناء مواعيد العمل الرسمية، وتستر باقي المسؤولين على مغادرته العمل الساعة الحادية عشرة صباحاً، فضلاً عن انقطاعه عن العمل في بعض الأيام، وهذا يجعلنا نتوقف قليلاً لنسأل أنفسنا هل ارتبط المصريون بهذا الطعام إلى هذه الدرجة وماذا جعل موظفاً يبيع المدمس (الفول)؟

وهل هو من المشاريع المربحة؟ وما هي مكاسبه المادية؟ وهل تختلف أنواع الفول والفلافل، وما هي الخلطة السرية؟ وهل يوجد اختلاف في طريقة إعداد الفول؟.

هذه الأسئلة وغيرها تناولناها في هذا التحقيق الذي أجريناه عن الأكلة الشعبية الأولى في مصر، وهي الأرخص ثمناً، والتي يأكلها كل مصري بنهم منذ آلاف السنين على اختلاف مستوياتهم، ولأن الشعب المصري يمتاز بالفكاهة وخفة الدم فقد ألصق بهذا الطعام صفة أصبحت تسيطر على العقول برغم عدم صحتها تماماً وهي أن الفول مصدر للغباء أو عدم الفهم، ولكن الشعب المصري الذكي الذي خرج منه خيرة علماء العرب في شتى المجالات قديماً وحديثاً، اتخذ أيضاً من الفول مصدراً لسد حاجة المعدة بأقل الأثمان كما أسموه (مسمار المعدة).

* أنواع وخلطات سرية

سامي، صاحب أحد مطاعم الفول أكد أنه لا يوجد مكسب مادي كبير من بيع الفول، وذلك بسبب غلاء أسعار المواد الخام التي يصنع منها الطعام وغلاء يوميات الأيدي العاملة والإيجارات وغيرها من المصروفات المتنوعة.

ويتابع سامي: أنواع الفول والفلافل كثيرة منها فول بالصلصة وفول بالسمن البلدي وبالزيت الحلو والحار وفول بالثوم وفول سوداني، وهو عبارة عن طعمية وباذنجان وبيض يعني خليط من كل الأطعمة الموجودة لدينا، كلها فوق بعضها،

أما بالنسبة للفلافل، فهي طعمية كفتة وطعمية عادية وطعمية بالبيض «العجة»، وطعمية بعين الكتكوت وهي عبارة عن بيض مسلوق ويوضع بداخل عجينة الطعمية وأخيراً طعمية بالخلطة وتحشى توابل وبصل وطماطم وشطة.

وعن الخلطة السرية لديه قال: دقة الثوم بالفلفل والليمون التي يتميز بها المطعم لدينا، وطبعاً هناك طريقة لإعداد الفول تختلف من مطعم لآخر فمثلاً عندي، أضع الفول من دون إضافة مثل الأرز والعدس الذي يساعد الفول على النضج السريع.

وبخلاف سامي، فإن محمد يعترف قائلاً: الحمد لله يوجد مكسب مادي جيد، لكن ليس من الفول لوحده، بل من السندوتشات التي تصنع منه. ويتابع: فول بالزيت الحلو والحار وفول بالزبد، ويزداد الطلب على الفول بالحار لأنه يعطي طعماً خاصاً جداً للفول أما بالنسبة للخلطة السرية فهي مجموعة من التوابل التي توضع على الفول حسب طلب الزبون.

وطبعاً عندي خلطة من الطحينة والتوابل والشطة والليمون وتسمى دقة، وتختلف من بائع لآخر، وأخيراً أقول طبعاً يوجد طريقة مميزة لإعداد الفول تتمثل بوضعه على نار هادئة من المساء حتى الصباح مع مراعاة غسله جيداً وإضافة القليل من العدس أو الأرز، لتساعده على النضج وتعطيه طعماً جيداً.

أما رمضان، وهو صاحب مطعم فقد بدأ حديثه فاعتبر أن المكسب المادي بالنسبة لنا هو أن تذهب الزبائن سعيدة من الخدمة حتى تأتي إلينا مرة أخرى، أما المكسب الذي تقصده، فالحمد لله يذهب معظمه مصاريف عمالة ومواد خام وكهرباء ومصروفات أخرى، بمعنى أنه لا يوجد مكسب فائض.

وعن أنواع الفول والفلافل التي يقدمها لزبائنه قال: الطعمية الاسكندراني، وهي خليطة من التوابل، يعني طماطم وبصل وشطة وكمون وورق اللاورا، أما بالنسبة للفول فهو بالزيت الحلو والحار وبالسمن والزبدة والصلصة وبسلطة الطماطم والخس والجزر.

وأضاف ان الخلطة السرية لدي هي عبارة عن مجموعة من التوابل التي تعطي الأكل طعماً خاصاً، وأيضاً سلطة اللبن التي تعطي طعماً مختلفاً تماماً غير سلطة الطحينة العادية، وبالطبع يوجد طريقة تختلف من بائع لآخر في طريقة عمل الفول فمثلاً يمكن أن تضع مع الفول أرز وعدس وألوان حتى تغير لون العدس أو الأرز ويأخذ الشكل البني الغامق المعروف به، ويوجد طريقة أخرى كأن تضع مع الفول السليم فول «مدشوش» ما يعطي الفول اللون الفاتح، ويجعل طعمه أجمل من الفول الذي تضع معه الأرز والعدس.

«الحمد لله مستورة» هكذا بدأت بائعة الفول أم عبدالله حديثها عن صنعتها، وأضافت: الفول أشكال وألوان يعني كله على حسب طلب الزبون فتجد زبوناً يطلبه حلواً والآخر حاراً، والثالث بالبيض والرابع بالسلطة، بمعنى كما تشتهي النفس، وكما يحب الزبون أن يأكل الفول وبأي طريقة، المهم أن يتوفر لدي كل ما يمكن أن يطلب مني.

أما بالنسبة للخلطة السرية لا يوجد أكثر من التوابل والدقة التي تعطي للفول طعماً محبباً ومرغوباً. تابعت: بالنسبة إلي فأنا أتعامل مع مستوقد لصنع الفول وهذا أرخص من طهيه بمعرفتي، وعلى حد علمي هم يصنعون الفول بطريقة خاصة تعطي له نكهة خاصة ويصبح له طعماً رائعاً.

«أبو بلاش» و«مسمار المعدة»

ويعلق ضياء على الفول بقوله: إنه مهم جداً بالنسبة إلي، فهو صديق حنون و«أبو بلاش»، ويمكنك أن تجده في كل وقت، ويضيف: الفول طبعاً أحسن من اللحم لأنه في متناول جميع الطبقات بمعنى أنه من الممكن أن تأكله في أي وقت، أما اللحم فهو كما يقولون ضيف خفيف يعني لا يمكن أن تأكله كل يوم، بسبب غلاء سعره حيث وصل سعر الكيلو منه إلى 30 جنيهاً، إذ ارتفع سعره كبقية السلع الأخرى و«الحاجة اللي تجنن إن الأسعار لا تعود إلى مستواها السابق أبداً، سواء ارتفع الدولار أو انخفض».

ويقول أحمد عسل: الفول كالماء والهواء بالنسبة إلي، وهو مسمار المعدة ولا أستطيع الذهاب إلى العمل من دون أن آكل طبق الفول بالبصل والزيت الحار عند الصباح، وعما يفضله أكثر الفول أم اللحم فيقول: الفول طبعاً، بس اللحمة ضرورية أيضاً

فالإنسان لا يمكنه الاستغناء الكامل عن اللحوم والأسماك والدجاج فإذا كانت اللحمة غالية، لدينا بدائل مثل «الفراخ» والسمك وهما أيضاً مفيدان وأسعارهما معقولة مقارنة بسعر اللحم، ولفت إلى أن الأسعار في زيادة مستمرة بالنسبة إلى كل شيء.

أما حسين فكان رأيه مختلفاً عن الجميع، إذ أكد أنه ليس لدي أهمية فقد عودت نفسي على أي طعام فطالما أنه يشبع جوعي فهو يوفي بالغرض. وقال إنه يفضل اللحم على الفول، وأوضح قائلاً: فمع أن الفول يعطي السعرات الحرارية نفسها

ولكن اللحم له مذاقه الخاص الذي لا يقاوم، أما بالنسبة إلى الأسعار الموجودة حالياً في الأسواق فقال: شيء طبيعي جداً لأننا بلد مستهلك وطبعاً الذي يتحكم في السوق المصري هو «المكان المصدّر»، وليس الحكومة، ويكفي أن الحكومة توفر لنا رغيف الخبز وتدعمه.

أشرف وهو محامٍ وصف الفول بأنه «شيء مهم جداً من جميع النواحي: المادية والاقتصادية والنفسية، ليس بالنسبة لي فقط، وإنما لجميع الطبقات. يكفي أنه ضيف مهم في شهر رمضان.

وهل يستطيع الإنسان الصوم من دون أن يأكل الفول في وجبة السحور؟»

ويتابع: «وللعلم إن لم أتناول الفول في وجبة العشاء أشعر أن صوتي لن يخرج، وأنا أترافع في المحكمة في اليوم التالي. ولله الحمد أن الفول موجود ونستطيع شراءه، فهو يعوِّضنا عن أطعمة أخرى لا يستطيع كثيرون شراءها وتم الاستغناء عنها حالها حال الكثير من السلع الأخرى».

القاهرة ـ «البيان»