والوجه الثاني ما قرره علماء اللغات والالسنيون من أن لغة العرب من أكثر اللغات العالمية اتساعاً في التعبير وأقدرها على التعامل مع المعاني.
وأساليب التعبير فيها خير شاهد على ذلك. وللتذكير فقط وحتى لا تساء محبتنا للغة الضاد والغيرة عليها من عبث العابثين وفتنة المفتونين فيظنها البعض عصبية وما هي بعصبية ولكنها كلمة حق تقال نسأل: مَن من اللغات حوى أو تعامل في أساليب التعبير بالمنطق نفسه الذي تعاملت به لغة العرب من مجاز وحقيقة.
وتشبيه وكناية واستعارة وتقديم وتأخير وفصل ووصل وحذف ومضاف وتنوين وبناء واستخدام للضمائر المتصلة والمنفصلة المرفوعة منها والمنصوبة فضلاً عن النعت والحال والتمييز وعوامل الإعراب المختلفة من ضم وفتح وكسر وسكون وجزم وعلة ومد إضافة للمشتقات الإسمية والفعلية وغير ذلك من مباحث يطول ذكرها.. ولن نزيد في الكلام أكثر ولكن نحيل القارئ الكريم إلى الفصل اللاحق المتعلق بترجمة القرآن وأحكام الترجمة.
ولما كان القرآن الكريم العربي المبين حامياً لهذه اللغة لم يجد المعترضون والمفتونون وسيلة منه إلا بالتعرض للغته. ومع اتساع العلوم وتشعب المعارف الإنسانية وحاجة الناس إلى فهم القرآن وتدبر معانيه كثر الخوض فيه بين عالم مؤمن ومؤول مبتدع ومفسر يخلط الغث بالسمين. فكان لزاماً علينا أن نمط اللثام ونجلي المواقف ونقول ما يجب أن يقال ومفتاح الكلام أوله وآخره هو الحديث عن التفسير والتأويل.
التفسير في اللغة: تعددت معاني كلمة التفسير وإطلاقاتها في اللغة وذلك حسب السياق أو الشيء الذي من أجله وضع اللفظ. فهو يرد بمعنى الإيضاح والإبانة والكشف والإظهار والتفصيل والبيان. وهو مأخوذ من الفسر على وزن تفعيل. وقد ورد في لسان العرب تحت مادة (فسر) ما نصه: «الفسر البيان فسر الشيء يفسره بالضم فسراً وفسره أبانه والتفسير مثله: أي الإبانة وكشف المغطى.
والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل ومنه قوله تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً) واستفسرته كذا أي سألته أن يفسره لي» وكل شيء يعرف به تفسير الشيء ومعناه فهو تفسرته وورد في القاموس: «الفسر الإبانة وكشف المغطى كالتفسير.. ونظر الطبيب إلى الماء كالتفسرة أو هى البول كما يستدل به على المرض أو هي مولده».
وقال أبو حيان في البحر المحيط: »ويطلق التفسير أيضاً على التعرية للانطلاق. قال ثعلب: تقول: فسرت الفرس أي عريته لينطلق في حصره وهو راجع لمعنى الكشف فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري».ويقول سليمان الطوفي البغدادي في كتابه «الإكسير في علم التفسير»:
«أما التفسير فهو تفعيل من فسرت النورة إذا نضحت عليها الماء لتنحل أواخرها وينفصل بعضها عن بعض. وكأن التفسير يفصل أجزاء معنى المفسر بعضها من بعض حتى يتأتى فهمه والانتفاع به كما أن النورة لا يتهيأ الانتفاع بها إلا بتفصيل أجزائها بتفسيرها».