جاء في الحديث القدسي: «أوحى الله إلى داوود «عليه السلام» إن العبد ليأتي بالحسنة يوم القيامة، فأحكمه بها في الجنة، قال داوود: يا رب ومن هذا العبد؟ قال: مؤمن يسعى لأخيه المؤمن في حاجته، يحب قضاءها، قضيت على يديه أو لم تقض» رواه الخطيب وابن عساكر، هذا الحديث يبعث عزائم المسلمين، ويحفز هممهم نحو الحرص الشديد على السعي الدائم إلى قضاء حوائج المسلمين، وتخفيف آلامهم وتحقيق آمالهم.

و لك أيها القارئ الكريم أن تقف ملياً متأملاً في قوله تعالى: «فأحكمه به في الجنة» فمعنى التحكيم: هو التفويض في الحكم. ولعل المعنى المناسب للمقام. هو أن الله تبارك وتعالى. يتيح لعبده المؤمن الساعي في الخير من نعيم الجنة ما يتمتع به كما يهوى ويختار، فكأنه هو صاحب هذا النعيم، يتصرف فيه كيف يشاء، ويتمتع به على الوجه الذي يريد.

والله سبحانه وتعالى يخبرنا في هذا الحديث القدسي الجليل. أنه أوحى إلى نبيه داوود ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام ـ ان العبد المؤمن اذا عمل في دنياه عملاً صالحاً خالصاً لوجهه الكريم لا يبتغي من ورائه جزاءً ولا شكورا من أي أحد من خلق الله حكمه الله تعالى فيما ينعم به عليه من نعيم الجنة إكراماً له وتفضلاً عليه جزاء له على سعيه في قضاء حوائج المسلمين. ويالها من منزلة عظيمة ومكانة رفيعة أعدها الله سبحانه وتعالى.

لمن يحبون الخير لإخوانهم المسلمين ويسعون في قضاء حوائجهم، حيث أخبر الله تعالى في هذا الحديث القدسي أنهم في الآخرة يتحكمون في الجنة، ولكثرة الثواب الذي أعده الله تعالى لمن يقضون حوائج المسلمين او يسعون في قضائها حتى وان لم تقض، لكثرة الثواب المعد لهؤلاء.

رغبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الفعل المحمود فقال: «ان لله خلقا خلقهم لحوائج الناس، يفزع الناس اليهم في حوائجهم اولئك الآمنون من عذاب الله» رواه الطبراني، عن ابن عمر رضي الله عنهما وعن ابن عباس ر ضي الله عنهما قال عن النبي صلى الله عليه وسلم «من مشى في حاجة أخيه كان خيراً له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوماً (أي مكث في المسجد يوماً) ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق، كل خندق أبعد مما بين الخافقين» الا ما أعظم هذا الفعل وما أحسنه!

هذا الفعل الذي يجعل الانسان في أمان من عذاب الله يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه «اولئك الآمنون من عذاب الله»، وكما لا يخفى على أحد ان الاعتكاف من أفضل العبادات التي تقرب العبد من ربه وتجعل بينه وبين وسوسة الشيطان حاجزاً. ومع ذلك فإن قضاء حوائج المسلمين افضل منها.

وكأن الله تعالى وظف بعضا من عباده لقضاء حوائج البعض الآخر ووعدهم على ذلك الحسنى طالما انهم يرون أن لهؤلاء حقاً عليهم، فلا ينبغي ان يملوا أو يسأموا من كثرة الحاح ذوي الحاجات وكثرة ترددهم عليهم في بيوتهم لأن اشتغالهم بحوائج المسلمين من قبيل النعم التي اختارهم الله عز وجل ليتفضل عليهم بها فإن حافظوا عليها ورعوها حق رعايتها أدامها الله عليهم وبارك لهم فيها، وان ملوا وسئموا سلبهم الله تعالى هذه النعمة وحولها إلى غيرهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان لله عند قوم نعماً أقرها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين، ما لم يملوهم فإذا ملوهم نقلها إلى غيرهم» وانظر أيها القارئ الكريم كيف تكون فرحتك اذا كنت عاجزاً عن قضاء حاجة لك وبعد ان فقدت الأمل اذا بواحد ممن خصهم الله بقضاء حوائج المسلمين يقضي لك حاجتك ويدخل السرور على قلبك، أظنك تكون في فرحة غامرة وسرور شديد.

فلو كنت أنت الذي خصك الله بقضاء حوائج المسلمين فطوبى لك وابشر برضوان الله عليك لأن ادخالك السرور على أخ مسلم من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل. يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربه، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً،

ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من اعتكف في هذا المسجد شهراً ـ يعني مسجد المدينة ـ ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له، ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام»، ويكفي بعد هذا كله أن الله يكون في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. فاللهم وفقنا لقضاء حوائج المسلمين وادخال السرور على عبادك المؤمنين حتى نحظى برضاك في يوم الدين يا رؤوف يا رحيم.

عبدالعليم أبو ليلة