يبدو من خلال تفحص بعض المجلات الصادرة في أواسط القرن التاسع عشر أن النزعة العلمية كانت مسيطرة على طموحات منشئي هذا النوع من المجلات، خاصة لو كان صاحبها ممن يعملون في مجال الطب والصيدلة والعلوم الجسمانية. ومجلة الطبيب بدأت شهرية ثم استقرت على نصف شهرية وهي طبية صيدلانية علمية.
أسسها في بيروت جورج بوست وهو طبيب جراح من علماء النبات، ولد في نيويورك وتعلم ودرس الطب في جامعتها. رحل إلى سوريا وعاش في طرابلس الشام. وحينما أنشئت الجامعة الأميركية في بيروت عين فيها استاذاً للطب والجراحة والنبات، وبقي فيها 41 سنة، ثم توفي في بيروت عام 1909م.
صدر العدد الأول من هذه المجلة في الأول من محرم 1295ه/ يناير 1878م. وقد ألحق بها كراس شهري يصدر على حدة بعنوان «حفظ الصحة والزراعة» وهي أول دورية تطبق معنى المجلة بمفهومها العصري.واتسمت المجلة بفصاحة العبارة وبلاغتها، كتب فيها خريجو الجامعة الأميركية، فاجتذبت العديد من القراء. وعندما أصبحت لغة الدراسة في مدرسة القصر العيني في مصر والجامعة الأميركية، بغير العربية قل عدد قرائها، وتغير حالها.
ونظراً لعدم امكانية العثور على الأعداد الأولى للمجلة. اكتفينا بالقاء نظرة سريعة على العدد رقم 38 الصادر عام 1881م. الذي افتتح بمقالة عن «البهارصيا» للدكتور يوحنا ورتبات ويلاحظ أن حرف «الصاد» استبدل فيها بعد بحرف «السين» فأصبح المرض يسمى «بلهارسيا».
تتحدث المقالة عن بلهارص مكتشف المرض في مصر عندما كان يقوم بتشريح بعض الجثث، فسميت الدودة على اسمه. ويرى صاحب المقالة أن مرض البلهارسيا يصيب أهل مصر ورأس الرجاء الصالح لأن موطنها موجود في مياه نهر النيل. لذلك تضمن المقال تحذيراً لأهل مصر من خطورة هذا المرض.
نجد بعد ذلك مقالة للدكتور سليم فريج من الاستتابة، ولعل بلد الكاتب تدل على مدى انتشار هذه المطبوعة واستقطابها لكثير من كتاب علم الطب من مختلف الأقطار يحكي الدكتور فريج عن امرأة عمرها ثمانٍ وعشرون سنة أصيبت برصاصة في ظهرها،
ثم يستعرض مدى انتشار شظايا الرصاصة في جسمها سواء قرب العمود الفقري أو الكلى وغيرها. والحقيقة أن اللغة التي كتبت بها تفاصيل حالة المرأة المصابة تكشف عن قدرة ملحوظة في براعة الوصف والتوصيف الدقيق للمراحل الطبية التي مرت بها المرأة.
وقرأنا للدكتور سليم الموصلي من بيروت تقريراً عن الدور المعروف، آنذاك، بالتريخينوس عبر حكاية حدثت مع أهالي الخيام الذين أكلوا لحم خنزير بري، وبعد مضي برهة من الزمن ظهرت عليهم أعراض الإصابة بهذه الدودة وهي عبارة عن ورم بالوجه واصفراره ووجع شديد بالرأس وقشعريرة خفيفة.
ويواصل الدكتور عن مدى الجدل والحيرة التي أصابت الأوساط الطبية عما إذا كان الخنزير ميتاً من الأساس وبالتالي امكانية فساد لحمه أو كان حياً ثم تم اصطياده وهو مصاب بهذا الدود المرضي.والمطلع على التقرير وتفاصيله سيجد نفسه أمام قصة طبية مكتوبة بأسلوب مشوق ومثير يميل إلى السرد الأدبي السلس. ويعقب هذا التقرير بعض التوضيحات العلمية التي كتبها المهتمون والدارسون عن دودة التريخينوس ودورتها البيئية حتى وصولها إلى جسم الإنسان.
كذلك نجد لمحة عن مادة المورفيا المستخلصة من الأفيون وطريقة حقن الجلد بها وفوائدها. فضلاً عن طريقة علاج ما يسمى بالسدد البطني الحاد بالأفيون، وأغلب الظن أن السدد البطني هو الإمساك.كما اشتملت المجلة على باب بعنوان «مسائل وأجوبتها» يقوم بالرد على استفسارات القراء، لكن نوعية الأسئلة الموجودة في هذا الباب تدل على أن المتسائلين ليسوا من العامة بل من الدراسين لمهنة الطب،
فهذا سؤال عن يودور الجسكيامين وخواصه ومضاره، وكذلك يودور الاكونيتين، وغيرها من التساؤلات شديدة التخصص.ثم تتحف المجلة قراءها بحزمة من الإصدارات الجديدة للكتب الطبية وهي خدمة موجهة بالتأكيد لدارسي الطب لأنها تقدم أحدث الكتب في التشريح والفسيولوجيا والباثولوجيا وغيرها من الإصدارات المتخصصة.
وتحوي المجلة على باب يقدم أحدث الأخبار الطبية الأجنبية سواء الاكتشافات المرضية، أو الأدوية والمعدات الطبية الجديدة. وتنهي المطبوعة أوراقها بفصل معلوماتي عن الحيوانات الجارحة مثل الصقور والعقبان.الحقيقة أن مجلة «الطبيب» تتمتع بالمواصفات القياسية للمطبوعات ذات التوجه العلمي الرصين لما تتضمنه من مواضيع انتقائية تثقيفية وتعليمية لخدمة شرائح واسعة من القراء والمهتمين والدارسين أيضاً.
مجدي أبوزيد
بالتعاون مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث