اشتهر هذا العالم شهرة واسعة بتأليفه معجم القاموس المحيط في اللغة، الذي تفرد فيه بالكثير عن المعاجم التي سبقته، وإن كان الكتاب الذي قدمنا عنوانه هو الآخر، حفل بالفريد كذلك، وجمع فيه ما تميز به عن غيره من كتب التفسير أو المعاني أو البحوث القرآنية الهادفة التي لا غنى عنها لدارس القرآن وعلوم القرآن..!
وقد ولد مجد الدين محمد بن يعقوب بن ابراهيم بن عمر بن أبي بكر الفيروزابادي بمدينة (كارزين) بإقليم فارس وهو أحد أقاليم إيران، وكانت ولادته سنة 729 هجرية ـ 1329 ميلادية، وتوفي سنة 817 هجرية ـ 1415 ميلادية، أي عمرَّ ثماني وثمانين سنة ويعد من علماء القرنين الثامن والتاسع الهجري.
وكان أبوه من علماء اللغة والأدب في شيراز، فوجهه منذ صغره إلى حفظ القرآن الكريم فحفظه وهو ابن سبع سنين إذ كان سريع الحفظ، واستمرت هذه الملكة ملازمة له طوال حياته، حتى إنه كان يقول: «أنا لا أنام حتى أحفظ مئتي سطر».!
وقد بدأ إقباله على درس اللغة مبكراً، إذ انتقل وهو في سن الثامنة من عمره إلى شيراز طلباً للعلم، فأخذ اللغة والأدب بما في ذلك النحو والصرف وعلوم البلاغة عن القوام عبدالله بن محمود بن النجم، ثم تلقى الحديث عن محمد بن يوسف الزرند الحنفي المدني، ثم انتقل بعد ذلك إلى العراق، وكان ذلك في سنة 745 هجرية، فدخل واسط التي كان بناها الحجاج بن يوسف الثقفي في نحو سنة 84 هجرية على جانبي دجلة في مكان وسط بين البصرة والكوفة؛ ومن هذا جاء اسمها.
وفي واسط يقرأ القراءات العشر على الشهاب أحمد بن علي الديواني. ثم إذا دخل بغداد أخذ عن التاج محمد بن السباك، والسراج عمر بن علي القزويني، وعليه سمع الصحيح أي صحيح البخاري، ومشارق الأنوار للصاغاني في الحديث ـ والصاغاني هذا فيما يقول عنه ابن حجر هو محدث العراق قبل سنة 750 التي مات فيها ـ ويلازم فيما بعد قاضي بغداد الشرف عبدالله بن بكتاس مدرس المدرسة النظامية ببغداد، فيعمل معيداً ـ أي مساعداً ـ عنده، ولذلك يمكث سنين ببغداد حاضرة العالم والعلوم.
ثم يدخل دمشق سنة 755 هجرية، وكانت أيضاً مركزاً علميا مزدهراً، ومجمعا لأئمة الاسلام فيأخذ عن علمائها ومحدثيها، كقاضي القضاة التقى السبكي المتوفى سنة 756، وابنه التاج عبدالوهاب المتوفى سنة 771 هجرية، ومحمد بن اسماعيل المعروف بابن الخباز المشهور بأنه مُسْنِدُ دمشق ـ أي عالم الإسناد بدمشق ـ والمتوفى سنة 756 هجرية أيضاً،
وكذلك ابن قيم الضيائية عبدالله بن محمد بن ابراهيم ـ وهذا غير ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 هـ ثم طوف ببلاد الشام يأخذ عن علمائها، واستقر به المقام ردحاً من الدهر في بيت المقدس، فأخذ عن صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي، وكان مدرس المدرسة الصلاحية بالقدس من سنة 731 هجرية وكانت وفاته سنة 761 هجرية بالقدس.
وحينما كان المجد في القدس، ولى التدريس بعدة مدارس، يتقاضى من كل مدرسة نصيبه المخصص لدرسه من الوقف. وبدأت أستاذيته وأخذ الناس عنه، واتخذ من القدس قاعدة لتحركاته، خلال عشر سنوات، فيزور القاهرة مراراً، ويزور مكة مراراً، يزور ويجاور..!
ويرحل بعد ذلك إلى القاهرة ويأخذ عن علمائها، كبهاء الدين ابن عقيل شارح ألفية ابن مالك، والمتوفى سنة 769 هجرية وجمال الدين عبدالرحيم الاسنوي المتوفى سنة 772 هجرية وابن هشام عبدالله بن يوسف النحوي المشهور المتوفى سنة 761، ونرى من هذا أنه جاء مصر قبل سنة 765 هجرية، وطالما ذكر المؤرخون انه استقر في القدس عشر سنوات منذ سنة 755، فمعنى ذلك أنه يأتي من القدس إلى القاهرة في رحلات ثم يرجع.
وقد كان المجد يجد تكريما وترحيباً أينما حل، أو وفد على أمير أو ملك أو سلطان أو كبير، فتكرم وقادته وتعلو مكانته، فثبت أنه اتصل بسلطان مصر، وإذا كان هذا الاتصال أو الوفادة في الفترة بعد سنة 765 هجرية فإنها الفترة التي كان سلطانا بها الأشرف شعبان بن حسن الذي تولى خلال الفترة من 764 حتى سنة 778،
وهو ابن السلطان حسن صاحب مسجد السلطان حسن المشهور بالقاهرة، ووصفت أيام هذا السلطان بالخير والبركة؛ ونال من هذا السلطان كل فضل وتكريم..! ولم كان المجد بمكة سنة 792 استدعاه ملك بغداد أحمد بن أويس، وأهدى إليه وأغدق، وأحاطه بالتكريم والرعاية والإشادة على رؤوس الأشهاد..!
ورحل إلى الهند في عهد سلطانها ـ سكندر شاه الأول ـ الذي ولى السلطنة سنة 795 هجرية، وفد على بلاد الروم، ليجد حظوة عند السلطان العثماني بايزيد بن مراد الذي ولى السلطنة من عام 791 حتى عام 804 هجرية، كما وفد على تيمور لنك في شيراز ووصله تيمور لنك بجائزة ـ مئة ألف درهم ـ وتاريخ تيمور لنك معروف في تغلبه على فارس والعراق والشام وغيره وكان غشوما ظالما ومع ذلك يقرب العلماء ويحضر مناظراتهم ويستثيرهم..!
كما وفد على شاه شجاع بن محمد بن مظفر صاحب عراق العجم ـ أي الأكراد ـ وحضره هو وابن أخيه منصور، وأجيز بجوائز سخية أيضا..! وهو يستحق أن يجد التكريم أينما حل، لسعة علمه ونباهته وإلمامه بكثير من الثقافات فقد علمت عنايته باللغة منذ نعومة أظفاره، وظل يجد فيها، حتى كانت له اليد الطولى في مباحثها. ويدل على ذلك آثاره الفريدة في علوم اللغة، وكان يميل كذلك إلى علوم الرواية، وتطوافه في البلاد للأخذ من علمائها،
وقام برواية الحديث ونشره حين استوسق امره، غير أنه أخذ عليه انتصاره لرواية بعض الأحاديث الضعيفة، والموضوعات البعيدة المستبعدة، وربما كان يأخذ ذلك أو تنهجه كبيان لسعة العلم والالمام بأطراف الموضوع وذكر من تناوله، كإيمانه ببقاء أناس على الحياة قرونا طويلة، كإيمانه برجل يدعى (رتن الهندي) ظهر بعد الستمئة من الهجرة وادعى صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه أسنُّ منه، وروى عن النبي بناء على ذلك أحاديث وأحوالا،
وقد رد الجهابذة هذه الفرية، إلا أن الفيروزابادي انتصر لها ودافع عنها، وهذه من الغرائب ـ ولكن لكل جواد كبوة ـ وكذلك نقله كثيرا من أحاديث الفضائل لسور القرآن وخلافه، وهي غالباً موضوعة، وحفاوته بتفسير ابن عباس، وروايته عمن علم عند علماء الجرح والتعديل، وهنه وضعفه وكذبه وهي رواية محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس..!!
وهذا وغيره إن دل على شيء يدل على استيلاء النقص على جملة البشر وأن ثبوت الكمال هو لله عز وجل وحده..!
وقد استقر بالمجد المقام باليمن، التي وجد فيها ما يشتهي من الرياسة العلمية ورئاسة القضاء ومصاهرة سلطان البلاد الاشرف اسماعيل بن العباس من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي تزوج ابنته،
وكان يؤلف الكتب ويهديها إليه فيجد تكريمه وجائزته السخية، وصحب بعده ولده السلطان الناصر احمد، ولكنه لم يكن كأبيه في حب العلم وتقدير العلماء، وكانت وفاة المجد في ليلة الثلاثاء العشرين من شوال سنة 817 هجرية (أول يناير سنة 1415) ودفن بمقبرة الشيخ اسماعيل الجبرتي في زبيد، باليمن..!!
وقد حفل سجل مؤلفات المجد بالكثير من المؤلفات أغلبها في اللغة والتفسير والحديث والتاريخ والتصوف، وكان يحب اختيار الأسماء الحسنة والمسجوعة، وذكر العلماء أن المعروف من مؤلفاته ثمانية وأربعون مؤلفا.. ومنها كتابه الجيد «بصائر ذوي التمييز، في لطائف الكتاب العزيز».!
وقدم لكتابه بأنه كتاب جامع المقاصد والعلوم في عصره، لا العلوم الشرعية التي تتصل بالتفسير وحدها وانما العلوم المدنية كذلك.. وذكر أن المقاصد ستون مقصدا في علوم العصر، كل مقصد في علم منها..!! ومقدمة الكتاب تحدث فيها عن فضل القرآن، وشيء من المباحث العامة المتعلقة به، كالنسخ ووجوه مخاطباته ثم يأخذ في ذكر مباحث تتعلق بالقرآن سورة سورة، على ترتيبها المعروف في المصحف..
فيذكر في كل سورة مباحث تسعة: 1ـ موضوع النزول. 2 ـ عدد الآيات والحروف والكلمات. 3 ـ اختلاف القراء في عدد الآيات. 4ـ مجموع فواصل السورة. 5ـ اسم السورة أو أسماؤها. 6ـ مقصود السورة، وما هي متضمنة له. 7ـ الناسخ والمنسوخ من السورة. 8ـ المتشابه منها. 9ـ فضل السورة.
ثم بعد ذلك يعقد بحثاً إجمالياً في عدد آيات القرآن كله، وعدد كلماته وحروفه، وما يجري هذا المجرى، كعدد كل حرف من الحروف الهجائية فيه، فيذكر مثلا أن عدد اللامات فيه كذا وكذا، ثم يذكر معاني المفردات، على نهج الراغب الاصبهاني ـ صاحب مفردات القرآن الشهيرة ـ ويصنفها باعتبار الحرف الأول من الكلمة،
فالمبدوء بحرف الألف يذكر في حرف الألف وهكذا.. ويبدأ مباحث كل حرف وخواصه بالكلام على وصف الحرف ومعناه لغة، والنسبة إليه ونحو ذلك. ونراه قد يراعي الحرف الزائد في الكلمة، وأثره على الكلمة، ويظل كذلك في تسعة وعشرين باباً على عدد حروف الهجاء.
ويعقب بعد ذلك فيذكر الأنبياء المذكورين في القرآن، وقصصهم وأحداثهم وأعداءهم، وما يتعلق بهم حتى ينتهي الكتاب؛ فيقول عند ذكر أي نبي أو اسم ذكره القرآن وأشهر أمره، ـ بصيرة في ذكر فلان ـ إذ ذكر فيما بين الأنبياء؛ فرعون، وهامان، وقارون، والسامري وأكثر من ذلك ذكر إبليس؛ وهكذا تجده كتابا نافعا مفيدا خدم القرآن الكريم وبحوثه ودارسيه..
فضلا عما ذكره في خلاله كما تعرض لذكر كلمة تشير إلى مسألة من مسائل الفقه، أو التصوف، فهو في الفقه كان شافعي المذهب، وله نزعة قوية إلى التصوف، واسع الاطلاع على كتب التصوف ومقاماته وأحواله، فإذا تعرض لمثل التوكل أو الإخلاص أو التوبة، فتراه يتخذ منحى الصوفية في الحديث وينقل عنهم الشيء الكثير،
وقد عرف عنه دفاعه القوي عن محيي الدين بن عربي، وذوده عن دينه وعقيدته، ورد الاتهامات بكفره، بدعوى أنه متأول ولا يؤخذ بالظاهر، وكان مع علماء الظهر يقر اعتراضهم عليه كما حدث في لقائه مع ابن حجر رحمهما الله، وغاية الأمر أن كتابه حوى الجديد عن تفسير القرآن فجزاه الله خير الجزاء، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
بقلم: علي عيد