تمتد آفاق عريضة من الأمل أمام الإنسان حين يُنعم الله عليه بفلذة كبده، ويرزقه البنين والبنات، وتتسع ابتسامته في الحياة، فتنقله إلى دنيا من سعادة تتكاثف ظلالاً وتمتد، فتغطي مساحات واسعة، فقد ضمن أن يخلد اسمه، فقد جاءه من يحمله.
ولكن، أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل يما يُريد، وفجأة يأتيه الطارق إما ليلاً أو نهاراً، فيخطف ابتسامته العريضة، وتقلب له الحياة ظهر المجنّ، يأتيه هادم اللذات ومفرّق الجماعات، متناولاً منه عنوان سعادته، وامتداد حياته، فتصيبه الصدمة، فإما أن يحتسب ما فقده، وإما أن يعشش الحزن في قلبه، وتمتد بذلك ظلال من الأسى والألم، فتغشاه وتسيطر عليه وتقلب حياته رأساً على عقب.
وقد وزان الإسلام بين النوعين، وبشّر الصابرين بأن لهم جنات النعيم، وقد وضح لنا أسلافنا هذه الأمور منطلقين في توضيحهم لها من الكتاب والسنّة وحكايات الصالحين السابقين الصابرين، في مصنفات متعددة، حتى إن بعضهم صنّف أكثر من كتاب في هذا الموضوع.
ولعلّ كتاب الفضل المبين في الصبر عند فقد البنات والبنين، من الكتب الجديرة بالإحياء والنشر والتحقيق، وهو من تصنيف محمد بن يوسف بن علي، الشمس الشامي المتوفى في سنة 942 ه. وقبل أن نعرض ما ورد في هذا الكتاب لا بدّ من ذكر بعض المؤلفات في موضوع فقد البنين التي سبقه بها مصنفوها، ثم نعرف بالمؤلف، ثم نعرض ما جاء في الكتاب ومنهجه فيه، ثم نبين أهمية الكتاب، وبعد ذلك نتحدث عن نسخته المخطوطة.
لم يكن الشمس الشامي أول من صنّف كتاباً في هذا الموضوع، فقد سبقه في ذلك «اللباب في تسلية المصاب»، لعلي بن أيوب المقدسي، و«برد الأكباد عند فقد الأولاد»، لابن ناصر الدمشقي، و«فضل موت الولد»، للجلال السيوطي، و«فضل الجلد عند فقد الولد»، للجلال السيوطي، و«ارتياح الأكباد بأرباح فقد الأولاد، للسخاوي، و«العزاء والصبر» لابن أبي الدنيا، و«التسلي والاغتباط» لشرف الدين الدمياطي، وغيرها كثيراً، يمكن أن يطلع عليها من يريد في نهاية كتاب ارتياح الأكباد بأرباح فقط الأولاد.
* المؤلف
هو الشمس الشامي، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف، شمس الدين، أبو عبد الله الشامي، ولد في الصالحية، بدمشق، درس الحديث والتاريخ والفقه الشافعي، والتفسير، والنحو، اشتغل بالحديث، فكان محدث الشام، كما برع في التاريخ، انتقل من دمشق ليسكن في البرقوقية بصحراء القاهرة حيث لقي ربه فيها، كما اشتغل بالتصنيف وترك لنا كتباً كثيرة، منها:
ـ سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: ذكر في مقدمته أنه انتخبه من أكثر من ثلاثمئة كتاب، وزادت أبوابه على سبعمئة باب.
ـ عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان، ردّ فيه على كتاب فيه ما هو غير لائق في حق الإمام أبي حنيفة. رتبه على مقدمة وستة فصول وخاتمة.
ـ مطلع النور في فضل الطور.
ـ عين الإصابة في معرفة الصحابة.
ـ الجامع الوجيز الخادم للغات القرآن العزيز.
ـ مرشد السالك إلى ألفية ابن مالك. وغيرها.
* الكتاب
يعد هذا الكتاب من كتب المواعظ، حيث اختصر به كتاب ارتياح الأكباد بأرباح فقد الأولاد للسخاوي، بعد أن طالع كتباً كثيرة في فضل الصبر على فقد الولد، ووقف عليها، وقد ذكر عدداً يسيراً منها، لكنه رأى كتاب السخاوي، ارتياح الأكباد، أجمعها وأكثرها فائدة، ومع ذلك فاته أشياء كثيرة لم يذكرها في كتابه، وقد وجده مرتباً على مقدمة وخمسة أبواب، وكان السخاوي يأتي بعد كل باب بغريبه، أي شرح مفردات الحديث المستشهد به التي يرى أنها بحاجة إلى توضيح معنى، وبما يتعلق به.
وببصريته النافذة، وحسه النقدي، رأى أن أبوابه طويلة جداً، يحتاج من أراد معرفة لفظه مشكلة، وهو يقرأ فيه، إلى البحث والتفتيش في آخر الباب، كما أنه قد كرر أحاديث كثيرة. لذلك قرر المؤلف أن يختصر هذا الكتاب إلى نحو ثلث حجمه، مع زيادات كثيرة مما فات السخاوي ذكره، لذلك أعاد ترتيبه أحسن من ترتيب الأصل، وأقرب تناولاً. وذكر عقب كل حديث ما يتعلق به من بيان غريب، وفوائد يستخلصها منه.
* منهجه
وضح المؤلف في مقدمته المنهج الذي اتبعه في اختصاره لكتاب السخاوي، فقد خالف الأصل، حيث قسمه أولاً إلى تسعة عشر بابا هي:
الباب الأول: فيما ورد أن موت الولد تكفر به الخطايا.
الباب الثاني: فيما ورد أن جزاء أبويه الجنة
الباب الثالث: فيما ورد أنه يشفع في أبويه.
الباب الرابع: فيما ورد أن الطل يسقي أبويه في الموقف يوم العطش الأكبر.
الباب الخامس: فيما ورد أن الولد يثقل موازين أبويه.
الباب السادس: فيما ورد أن الولد يتلقى أبويه من أبواب الجنة.
الباب السابع: في فضيلة تقديم الأولاد في تخليدهم.
الباب الثامن: في كثرة الأجر في موت الولد.
الباب التاسع: فيما يصيرون إليه من النعيم.
الباب العاشر: فيما يقول ويفعله الإنسان عند المصيبة، وفي فضل الحمد والاسترجاع عند المصيبة.
الباب الحادي عشر: في الأمر بالصبر والحث عليه وذكر بعض آيات الصبر.
الباب الثاني عشر: في فضل الصبر وثوابه وفوائده.
الباب الثالث عشر: في بعض ما يتعلق بالصبر وثوابه وفوائده غير ما تقدم.
الباب الرابع عشر: في بعض حكايات الصابرين.
الباب الخامس عشر: في الرخصة في البكاء من غير نوح ولا جزع.
الباب السادس عشر: فيما جاء في النهي عن البكاء وأن الميت يعذب ببكاء الحي عليه.
الباب السابع عشر: في التحذير من أمور يرتكبها بعض من أصيب.
الباب الثامن عشر: في أمور يتسلى بها المصاب.
الباب التاسع عشر: في فضل التعزية وما قيل فيها.
وكذلك رمز لاسم من أخرج الأحاديث التي أوردها في كتابه، حيث رمز للإمام أحمد بحرف الهمزة، ولمالك في الموطأ بحرف ط، ولابن أبي شيبه بالباء والهاء (به)، وللبخاري بحرف الخاء، ولمسلم بحرف الميم، وكذلك بين درجة كل حديث، ورمز لدرجته برموز، فالصحيح رمز له بحرف الصاد، والضعيف بحرف ض، والحسن بحرف الحاء، وهكذا.
* نموذج منه
في فضل التعزية وما قيل فيها: وفيه أنواع: الأول في معناها لغة واصطلاحاً وهي التصبر، وعزيته: أمرته بالصبر، وعزيتك الرجل: سليتك إياه، والعزاء هو السلو وحسن الصبر على المصاب. قال الإمام الرافعي: معنى التعزية الأمر بالصبر والحمل عليه بوعد الأجر والتحذير عن الوزر بالجزع والدعاء للميت بالمغفرة، وللمصاب بجبر المصيبة.
قال الإمام الغزالي في الإحياء: إنما يخرج من مقام الصبر بالجزع وشق الجيوب وضرب الخدود، والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة، وتغيير العادة في اللبس والفرش والمطعم، وهذه الأمور داخلة تحت اختياره، فينبغي ان يجتنب جميعها، ويظهر الرضا بقضاء الله تعالى، ويبقى على عادته، إلى آخره، ذكره تقدم بتمامه،
وقال خالد بن أبي عثمان القرشي: مات لي ابن فرآني سعيد بن جبير متقنعاً، فقال: إياك والتقنع، فإنه من الاستكانة، والاستكانة من الجزع، وقال بكر بن عبدالله المزني: بلغني انه يقال عن الاستكانة الجلوس في البيت بعد المصيبة. هذا ما يسر الله جمعة وسلم تسليماً كثيراً أبداً إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. كمل الكتاب.
* النسخة المخطوطة
النسخة المخطوطة محفوظة في مكتبة تشستربيتي بدبلن، تحت رقم 4132، عنها صورة على ميكروفيلم في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث رقم 805، وهذه النسخة ضمن مجموع يتكون من ثلاث رسائل هي: الفضل المبين في الصبر عند فقد البنات والبنين، تشغل الأوراق من (1 ـ 54)، نسخت بتاريخ 25 رمضان سنة 1250ه، وناسخها عبدالسلام بن محمد بن علي، وري الظمآن في عدد آي القرآن، لابن ناصر الدمشقي (842ه)،
تشغل الأوراق (55 ـ 79)، نسخت بتاريخ غرة شعبان سنة 1520ه، وناسخها عبدالسلام بن محمد بن علي، ورسالة في السماع، لسليمان بن محمد بن عبدالله، المولى سليمان ـ 1238ه، وتشغل الأوراق (81 ـ 118)، نسخت بتاريخ غرة جمادى الأولى سنة 1221 ه، ناسخها محمد بن محمد الهاشمي.
يلاحظ ان الرسالة الثانية نسخت قبل الأولى، والثالثة قبل الأولى والثانية، وهذا يعني أن مالك النسخ الثلاث جمع الرسائل الثلاث في مجلد، أي كانت كل رسالة منهما مستقلة عن أخواتها. تكمن أهمية الكتاب في أنه لم يطبع حتى الآن، كما ان الكتاب الذي يختصره المؤلف في هذا الكتاب غير مطبوع أيضاً.
عبدالقادر أحمد عبدالقادر
مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث