للشاعر فاروق جويدة مع شهر رمضان ذكريات حميمية تزيدة توهجاً كلما هل الشهر الكريم ويعود معها لأيام البراءة والصبا والحياة الندية، رغم الاحباطات والانكسارات الحالية إلا انه يجد في الذكريات الأمل والتفاؤل.

يقول جويدة: عشت طفولة جيدة كنت شديد الاهتمام بالقراءة والاستماع للمذياع ونسمع ألف ليلة وليلة وغيرها من المسلسلات الإذاعية التي نقشت في وجداننا منذ الطفولة وعندما انتشر التلفزيون ورأيتها مجسدة على الشاشة كانت مختلفة جداً عما رسمناه في خيالنا لأبطال هذة لمسلسلات حيث أذكر أني كنت شديد الخوف على البطلة من الاشكيف وعندما شاهدته في التلفزيون كان أقل خوفاً ورعباً مما رسمه خيالي له.

وعن أجمل ما في رمضان يقول جويدة هو أن الأسرة لا تأكل يوماً وحدها ولكن هناك دائماً أقارب وضيوف حتى أننا كنا ندعو الاخوة المسيحيين، فأتذكر خالتي فتحية التي كانت تفطر معنا في رمضان وهي مسيحية، وكنت تجلسني لتحكي لنا حكايات ألف ليلة وليلة وست الحسن، ولا يمكن أن أنسى كحك العيد ونحن ننقش ما نريده وكنا نأخذه ونرسم عليه ونكتب حروف أسمائنا.

ويضيف جويدة ذكرياتي الحميمية عن هذا الشهر الكريم تعود إلى مرحلتي الطفولة والصبا وكنت أعيش وقتها بالريف، حيث الحياة البسيطة الهادئة والجو الذي يبعث على سكينة النفس، ويرسخ الإيمان داخل الأعماق وكنا نستقبل رمضان بشوق كبير، والجميع يبتهج لهلاله.

وكانت هناك الزيارات العائلية المتعددة، فلا بد أن نزور يومياً أحد بيوت القرية، ليس الأقارب فحسب، بل والجيران، والمعارف والأصدقاء، حالة النقاء كانت تسيطر على الجميع فتختفي المشاحنات والخصومات وعندما يقضي الجميع ليالي رمضان ما بين الصلاة والدعاء والابتهال إلى الله كان الإيمان يتجسد في أبهى صوره وتجلياته.

ويؤكد جويدة ان الحميمية الخاصة لهذا الشهر الكريم تعود إلى انه شهد حبي للشعر وعرفت فيه أنني سأصبح شاعراً وكان ذلك في إحدى الليالي الرمضانية حيث توقفت طويلاً أمام مكتبة الوالد الذي كان حريصاً على اقتناء الكتب والمجلدات ووقتها سألت أبي عن معنى الشعر والشعراء وطلبت منه أن يحضر لي أحد الكتب من أرفف مكتبته لأنني كنت يومها قصيراً لم تصل ذراعي للرف الموجود عليه الكتاب،

وعندما قال لي أبي أي كتاب تريده فأشرت إلى احد الكتب وكان ديوان المتنبي فنظر والدي إلي ضاحكاً وقال يبدو أنك ستكون شاعراً، ولم أكن أعرف من المتنبي، ولماذا اخترت هذا الكتاب دون الكتب الموجودة في المكتبة التي تزحز بالكتب الدينية، حيث كان والدي من علماء الأزهر، والطريف أنني يومها سهرت على قراءة الكتاب ونسيت موعد السحور وانتبهت لصوت آذان الفجر، وكان اليوم التالي من أصعب أيام حياتي في رمضان حيث لم يتعد عمري وقتها 9 سنوات.

ويضيف جويدة أعتبر نفسي محظوظاً لأني نشأت في منزل أزهري من الطراز الفريد حيث أصدقاء والدي من علماء الأزهر، وكل مكان في المنزل كان يشع علماً ونوراً وسجادة الصلاة ومسبحة، وبالتالي فرمضان كان له طعم خاص في مثل هذا المنزل حيث كنت أشعر بكل روحانيات هذا الشهر، وكانت هذه الروحانيات تنعكس على تصرفاتي، وتثير إعجاب كل المحيطين بي وبأسرتي.

ويرى جويدة ان شهر رمضان الآن اختلف كثيراً عن الماضي سواء في طقوس استقباله أو الاحتفال به ولكن رغم مرور السنين وتزاحم العقل والقلب بمشاكل الحياة ومادياتها إلا أن أثر فترة الطفولة والصبا وقوة هذه الروحانيات لم تفارقني يوماً، فبعد أن دارت السنون وشاءت الظروف أن أعيش في القاهرة إلا أنني كنت أشعر بكل روحانيات هذا الشهر في القرية

وكانت تنعكس على تصرفاتي وتثير إعجاب كل المحيطين بي ومن خلال هذه التجربة الخاصة يمكنني القول إن رمضان يمد الإنسان بقوة غريبة وطاقة وعزيمة لا يثنيها الزمان ولا المكان، يساعده ذلك في تحمل وطأة الإحساس بالغربة في المدينة

فإحساس الصائم بروحانية هذا الشهر لا تختلف باختلاف المكان الذي يعيش فيه، وهذا يؤكد أن الصوم يتفرد بذاتية روحانية خاصة لا تتأثر بأي مظاهر خارجيه بل أعيش في هذا الشهر المشاعر والأحاسيس ذاتها التي رسخت في عقلي وقلبي في الزمن الماضي.

ويقول جويدة: أنا بريء من هذا الزمن لأنني أحلم بالزمن الذي أتمنى أن يجيء مثلما يجيء شهر رمضان شامخاً كالفارس الكريم، يأتي رغم علمه أن البشر تغيروا ولم يعودوا مثلما كانوا، أحلم بزمن مثلما رمضان مثلما لياليه ولمته وفجره وصيامه وإفطاره، فما زلت أحلم والحلم عمر آخر.