نكمل اليوم مشوارنا مع الدكتور عبد الله النويس ـ وكيل وزارة الإعلام السابق ـ ونتعرف معه على بعض تفاصيل ذاكرته الإعلامية ورؤاه بما يتعلق بالعديد من القضايا المتصلة بموضوع الإعلام والفن الصحافي، ونتعرف على بعضٍ مما حملته ذاكرته عن علاقة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بالإعلام والإعلاميين.

لضيفنا اليوم علاقة رائعة ولقاءات متكررة، مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله»، بحكم عمل النويس كوكيل لوزارة الإعلام ومشرف مباشر على جريدة الاتحاد والتلفزيون والإذاعة، عن طبيعة العلاقة بين فقيد الوطن ووسائل الإعلام، يقول الدكتور النويس: أقول شيئاً للتاريخ والإنصاف؛ لم ينهض الإعلام الإماراتي ولم يتطور ويبرز ويكسب الشخصيات المستقلة، إلا بجهد وتوجيهات الشيخ زايد «رحمه الله»،

وأنطق بهذه الكلمات دون محاباة أو تملق، لأنها حقائق تقال، وما زاد من دعمه الكبير للإعلام، هو فهمه «رحمه الله» لقدرة الإعلام على التأثير والتغيير، وهذا الفهم متقدم جداً على غيره من القيادات في ذلك الزمن، فكانت الكثير من «المانشيتات» في الصفحة الأولى للاتحاد ـ وأقول ذلك للمرة الأولى ـ كانت من وضعه «رحمه الله»، كذلك فإن 90% من افتتاحيات الجريدة من أفكاره «رحمه الله» رغم أني أكتب تلك الافتتاحيات،

فقد كانت أفكاره «رحمه الله»، أما مواقفه ومساعداته للإعلام والإعلاميين فهي تحتاج إلى كتاب كبير، وكانت مساندته ودعمه لأجهزة الإعلام منقطعة النظير، وكان «رحمه الله» يأنس بالإعلاميين أكثر من السياسيين، فكان يبث كل طموحاته وأفكاره لرجال الإعلام الذين كان يؤمن بأنهم سيوصلون رسالته الإنسانية للأمة، ولم أسمع أو أعرف قائداً أعطى من وقته للإعلاميين، مثلما كان يعطي «رحمه الله».

ويتذكر النويس أحد المواقف التي ظلت عالقة بذاكرته عن علاقة الشيخ زايد «رحمه الله» بالإعلاميين، فيقول: استقبل «رحمه الله» ذات مرة في الصحراء ـ وكنا جلوساً على ضوء «فانوس» ـ أحد الصحافيين الألمان، وكان الشيخ زايد «رحمه الله» قادم من القنص تواً، فجلس قبل أن يذهب للراحة كي لا يتأخر عنه، وأعطاه من وقته ساعتين ونصف في شدة البرد الصحراوي، ولم يتأفف من طول الوقت،

بل ان الإعلامي الألماني كلما شعر بأنه زاد في المقابلة، كان الشيخ زايد «رحمه الله» يبتسم له ويقول له «اسأل ما تريد.. وأنا مستعد للإجابة» فكان حبه للإعلاميين، حباً عجيباً وفريداً من نوعه، لأجل ذلك لن تجد إعلامياً عربياً كان أو أجنبياً زار الإمارات، إلا وفي ذاكرته ذكريات جميلة عن الشيخ زايد «رحمه الله».

ويضيف الدكتور النويس: كنت أقابل الشيخ زايد «رحمه الله» مرتين في اليوم، صباحاً ومساءً، وكان «رحمه الله» يذهب من مجلسه بين الحادية عشرة والثانية عشرة مساءً، وغالباً كنت أخبره بالأخبار أثناء ذلك الوقت، فكان يسألني (أين تذهب؟) فأقول له: إلى الجريدة، فيقول (في هذا الوقت تذهب للجريدة؟) فأقول: طبعاً، يسألني (إلى أي وقت تبقى؟) فأقول: إلى الثالثة فجراً، فيسأل (وصباحاً؟) أقول في الصباح أداوم في الوزارة،

فيجيبني «رحمه الله» (حرام عليك.. أنت تجهد نفسك!) فأجيبه: أجهد نفسي.. ولا يأتيك أحدهم في الصباح ليكدرك ويبلغك أن الجريدة نشرت خبراً بالخطأ أو أساءت بمقال ما، فأجهد نفسي كي لا يأتيك أي نوع من الإزعاج، فكان «رحمه الله» يمازح الإعلاميين ويحنو عليهم كالأب.

عن الكادر الإعلامي الذي رافق النويس أثناء إشرافه على جريدة الاتحاد، يقول النويس: كان مصطفى شردي «رحمه الله» وجمال بدوي وحمدي تمام وجلال عارف، أكثر من رائعين، كان كل واحد منهم مدرسة بذاتها، بل ان الصحف الأخرى كالفجر التي كان يكتب فيها محمود السعدني وغيره من الكتاب العرب، وكذلك هو الحال في الخليج، تجتذب عشرات الأقلام الكبيرة،

والخبرات هي التي حولت «الاتحاد» من صحيفة رسمية، إلى نشرة مقروءة جماهيرياً، هي من أهم الخبرات والكوادر الإعلامية ذلك الوقت، ففي الاتحاد كان عبد العال الباقوري يشكل نقطة جذب للقراء، ومهما طال الزمن وتنوعت الأقلام، فإن جريدة الاتحاد لا يمكن أن تنساهم، ولا يمكن أن تنسى الصحافة المحلية فضلهم وخبراتهم،

فخذ مثلاً أحمد عمر الذي خرج من الاتحاد إلى الإشراف على مجلة «ماجد» التي حازت نوعاً من إقبال الطفل العربي من المحيط إلى الخليج، وخذ مثالاً آخر؛ عبد النبي عبد الباري الذي كان بارعاً جداً في التصميم والتنفيذ بجريدة الاتحاد، وخلاصة القول إن هذا الطاقم المنسجم مع بعضه البعض، عمل بتناغم لا يمكن أن تجده في مؤسسة أخرى. للدكتور عبد الله النويس رأي خاص بما يتعلق بإصدار «طبعة دولية» من جريدة «الاتحاد» أو إحدى صحف الدولة المحلية،

وقد أثار الطرح الذي طرحه حول هذا الموضوع جدلاً في إحدى الندوات الإعلامية، وللتعرف على هذه الفكرة ندع الدكتور النويس يتحدث عنها: ما زلت عند رأيي في هذه النقطة، فلا بد أن تقوم مؤسسة إعلامية بدولة الإمارات بإصدار طبعة دولية، فمن حق هذا الشعب وهذه القيادة العظيمة التي صنعت دولة في فترة قياسية ـ ثلاثين سنة ـ لا تصنع أو تؤسس مثلها بأقل من ثلاثة قرون، ولا تزال تجربتنا الناجحة مستمرة،

فلا بد ومن حق هذا الشعب وهذه القيادة العظيمة أن يُعلم عنها في الخارج، وأن تطلع البشرية بأجمعها على ما يدور من إنجاز كبير في هذه الدولة المعجزة، فالإمارات قد أنعم الله عليها بنعم لم ينعم بها على أحد، قيادة عظيمة، شعب أصيل، أمن وأمان، التجربة الوحدوية العربية الوحيدة الناجحة في التاريخ الحديث، رخاء مادي ونفسي قد تكون هذه الفكرة طموحة أو خيالية أكثر من اللازم، ولكني أعرف أكثر من غيري أنها ستلاقي نجاحاً،

ولا أقول بالنجاح المادي ـ لأني طيلة عمري لا أفكر بالربح المادي عن طريق الإعلام ـ فأنا أصدر مجلة «الديوان» بخسارة مالية قاربت «10» ملايين درهم إلى الآن، فالربح المادي عن طريق وسيلة الإعلام إن جاء فأهلاً وسهلاً وإن لم يأتِ فهو لا يجعلنا نتخلى عن التفكير الطموح بإصدار طبعة دولية لأي صحيفة محلية، فالمؤسسات الإعلامية قد تربح وقد تخسر،

لكن ربحها ليس هو الهدف، وليست خسارتها هي اليأس، فكل من يعمل في الإعلام لا بد أن يوطن نفسه على الخسارة منذ البداية، ويمكن أن تكون الكلمة التي «زعّلت» بعض الناس مني هي كلمتي التي أقول فيها إن كل طهارة يعقبها خسارة، وربما حين تختمر فكرة الطبعة الدولية في الأذهان، ويُسعى إلى تنفيذها تكون التكاليف أعلى من الآن مئات المرات.

للدكتور النويس بعض المصطلحات الإعلامية غير المتداولة، كمصطلح «الطهارة الإعلامية»، عن ذلك يقول: لا يمانع أحد في الربح، ولكن حين نطالع بعض الطبعات العربية الدولية، لا نستطيع تقييمها إلا إن كنا في الخارج، والسؤال هو ما قيمة الإعلانات التي توجد في تلك الطبعات بالنسبة لنفقاتها، فإن قال أحدهم إن صحيفة مثل «الحياة» أو «الشرق الأوسط» تنفق على نفسها عبر الإعلانات،

فهو إما لا يفهم في الصحافة أو أنه يعرف شيئاً لا نعرفه نحن، ولكن القائمين عليها آمنوا برسالة إعلامية، بضرورة أن يعرف الإنسان العربي في كل مكان ماذا يجري في العالم، والقائمون بهذه الرسالة؛ قاموا بأعمال جميلة، أولها أن لا ينقطع الإنسان العربي المنتشر في العالم الغربي وفي جميع أنحاء العالم بوطنه الأصلي، ولا ينقطع عن واقعه العربي،

لكن من يقول إن هذه الصحف تربح فهو بريء من الإعلام «براءة الذئب من دم يوسف»، فيجب أن يكون جزء من مشاريعنا الإعلامية ناجحاً من الناحية المادية، والجزء الآخر ناجحاً من الناحية الرسالية وإن خسر مادياً، ولا بد أن يأتي يوم من الأيام التي سيأتي فيها شخص يؤمن بهذه النظرية ويجعل من صحيفة من صحفنا المحلية طبعة دولية تمتد أذرعها إلى الخارج.

نقلت بعض وسائل الإعلام دعوة للدكتور النويس يقول فيها بضرورة دمج المؤسسات الإعلامية ببعضها، حول ذلك يقول النويس: لا أتذكر أني دعوت إلى ذلك، ولكني أؤيد المطبوعة القوية، سواء قامت بتقوية نفسها بنفسها، أو عن طريق اندماجها مع مطبوعات أخرى، وهذا يشمل محطات الإذاعة والتلفزة أيضاً، والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا أطرح هذا الطرح؟ أقول: ان المطبوعة أو وسيلة الإعلام الضعيفة مُعطّلة لنفسها ولغيرها،

وتصبح في المجتمع الإعلامي كالمعاق، دائماً تعامل بمبدأ الرأفة بدل المساواة، ومبدأ الرأفة في الإعلام «بغيض» ويسحب الكرامة من الإنسان، بينما أن مبدأ المساواة فيه ترقي، يسعى كل طرف فيه للرقي، وهذا ما يطور الإعلام وجميع نواحي الحياة.

أما عن مبدأ الربح والخسارة في وسائل الإعلام، فيقول النويس: إلى الآن أنا مؤمن بالخسارة، أحب الخسارة، الناس ينظرون إلى الخسارة المادية، ولكن أعتقد أن الخسارة هي أن لا تكون لي مجلة، والخسارة لو توقف قلمي عن الكتابة، ولو لم يخرج الحرف من مخي إلى قلمي، وما عدا ذلك فإن كل شيء يمكن أن يعوّض، وأعتقد أن الخسارة الحقيقية، هي خسارة الإنسان لحبه للأشياء التي يعشقها، وللمبادئ والقضايا التي يؤمن بها،

وما فائدة أن يكسب الإنسان العالم ويخسر نفسه، فالمفاهيم مختلفة، وقد لاقيت كلاماً من الآخرين حول إصدار مجلة «الديوان» يقولون فيه: إنك كمن يحرث في الماء، فما دمت تعرف أنها تخسر مادياً، فلماذا تصر على إصدارها؟ فأرد عليهم: كل محب مجنون، وأحب أيضاً الحب بجنون، وهو مبدأ يقول إن ألذ العيش ما تهواه النفوس، ولكن في النهاية أعتقد أن مفهوم الخسارة مختلف.

أثارت بعض آراء النويس الجدل في الوسط الإعلامي، فقد نُقل عنه مدحه لمحطة «الجزيرة» الفضائية في وقت يرى البعض، أنها أساءت للكثير من القضايا، فيعلق على ذلك قائلاً: لم أمدح «الجزيرة» يوماً؛ ولكني قلت بالحرف الواحد: على الرغم من اختلافي مع هذه المحطة، إلا أنها تثير بعض الهمّة لدى المشاهد، وتتيح للمشاهد العربي مساحة من التنفيس عن المكبوتات،

وتعطي نوعاً من الحرية المسرحية، فأنا أعلم أن جميع من تراهم على «الجزيرة»، هم متفقون وراء الكواليس على توزيع الأدوار، لكن القضايا المثارة في المحطة، قضايا الشارع العربي التي لا يستطيع إظهارها علناً، فحين يرى أحدهم يطرحها علناً، فإن المحطة تخلق نوعاً من تداول الرأي، والجزيرة ألقت في انطلاقتها حجراً في المياه الإعلامية العربية الراكدة، هذا في انطلاقتها؛ أما الآن فالمحطة عجّزت وشاخت ولا بد أن تلقح بحقنة صدق،

وإلا انتهت، وقد طرحت هذا الرأي في حالة موضوعية تدعو إلى فك الأغلال والقيود عن الإعلام العربي، ويجب أن يتم البحث عن الإعلامي صاحب الضمير الذي لا يُشترى ضميره وأخلاقه المهنية، ولا بد أن تأخذ أجهزة الإعلام مساحة من الحرية المسؤولة التي تحترم كل الأطراف ولكن دون محاباة أو خوف، والاختلاف لا يفسد للود قضية،

ويمكن أن أختلف مع أحدهم بدافع الحب والحرص، ولكن البنية الثقافية والفكرية العربية أسست لدى الإنسان العربي مفهوماً يرى بأن من يختلف معه في الرأي يخالفه حتى في الحياة.ويدحض الدكتور النويس ـ في تعليقه على منافسة وسائل الإعلام العربية للوسائل الأجنبية، فيما يسميه البعض «التميز في تغطية الحرب الأخيرة على العراق» ـ فيقول: هذا ليس صحيحاً، لأن الفضائيات العربية هي نسخة واحدة،

ولا يمكن أن تجد فيها الجرأة التي لدى الإعلام الغربي ـ رغم وجود الدسائس والأغراض المبيتة فيه ـ ولكن طريقة وتكنيك الإعلام الغربي راقية جداً، وخذ مثلاً المراسلين الغربيين المؤسسين أكاديمياً ومهنياً، وخذ أغلب المراسلين العرب الذين يوجهون اللطمات «لسيبويه» تلو اللطمات، وليس لديهم خطة للبحث والتحري،

حيث يردد: سمعتُ، قيل لي، رأيتُ من بعيد، قيل لنا في المؤتمر الصحافي، أي دون أدنى جهد، يعني «موصل سيء للحرارة» عبارة عن ساعي بريد ليس إلا، أما في الإعلام الغربي فإن الحكومات تلهث وراء الإعلام، لوفرة المعلومات التي يملكها، ويمكن أن ترى تصريحات بعض المسؤولين الغربيين الذين يؤكدون صحة التقارير والأخبار التي ترد قبل أيام في «الغارديان» أو «نيويورك تايمز» أو «نيوزويك» بعدما يحاصر هذا المسؤول بالحقائق،

فلدى الإعلام الغربي تكنيك مختلف وأخلاقيات مختلفة، ولديهم مصداقية، وإن كان بعضهم يخدم جهة من الجهات فإنه يخدمها بفن، ويخدمها بحيث إنه ينطلي على القارئ أو المستمع والمشاهد هذا الخيط الرفيع من الدسيسة. حول موضوع التغطية الإعلامية العربية لحرب العراق، يقول النويس: أنا أبرئ ذمة محطة أبوظبي بالنسبة لقضية الحرب الأخيرة في العراق، لأنه لا غرض لديها لتأييد أو مساندة طرف من الأطراف،

والشعار الذي وضعه الشيخ زايد «رحمه الله» حول منهج خدمة المصلحة العربية العليا، مصلحة الضمير العربي، وهو ما انتهجته وما زالت وسائلنا الإعلامية، ولا أقول هذا الكلام ممالأة لأحد، أما بعض المحطات الأخرى، فلا شك أنها تخدم جهات أو أغراض معينة، ويمكن أن يكون المشاهد أذكى مما تتصوره أي محطة،

وهو يعرف المحطة التي تغطي الحقائق، ولكني يسوؤني كأعلامي أن الوسط الذي أنتمي له، يكون فيه فقاعات ونقاط غير واضحة بهذه الطريقة، وأحلم دائماً بإعلام مستقل عن كل الأغراض، وله السيادة المطلقة على نفسه دون تسيير، وله مرجعية أخلاقية لا تجعله ينحرف أو ينحاز إلى جهة من الجهات،

ولأن الإعلام العربي تابع بصورة كبيرة للجهات والدول، فليس له سيادة على نفسه، فهو ينقل ما يُطلب منه، فهو لا يقترح رأياً مقوماً لأصحاب القرار، وأستطيع أن أجزم أن 97% من الإعلاميين هم موظفون ـ بما فيهم أنتَ الذي تجري معي هذا الحوار ـ فلا يستطيعون مخالفة سياسة الوسيلة الإعلامية التي يعملون بها،

ولكني أعود إلى وجوب عدم خيانة أخلاقيات المهنة ـ على أقل تقدير ـ تحت شتى الظروف.ويختم النويس حديثه بالقول: أقولها عن مهنة المتاعب، هي أني شعرت بالتعب من عدم التعب ـ أي حين ابتعدتُ عنها لفترة ـ ومن يمتهن هذه المهنة يصبح فارساً إلى أن يترجل.

حوار محمد الأنصاري