هناك نكهة خاصة بشهر رمضان المبارك ميزتها في نفوس المسلمين عن بقية الشهور، فالليالي الرمضانية لها رونقها لا تقاسمها ليال أخرى من ليالي العام.. وتتجلى عظمة هذه الليالي المباركة أكثر في المدن على رأسها العاصمة السياسية صنعاء والعاصمة الاقتصادية والتجارية عدن ومدينة المكلا، تعز، الحديدة وغيرها.

ويحمل رمضان في هذه المدن اليمنية من العظمة والبهاء الشيء الكبير وينمو رصيد التكافل الاجتماعي والتراحم بين الناس وكذا الحال في الأرياف، وتكتسب لياليه متعة خالصة تظل ذكرياتها عالقة إلى أن يزيل بعضها أو كلها رمضان آخر.

وتشهد الأسواق طوال الشهر حركة واسعة يزداد إيقاعها ازدحاماً بعد الإفطار حتى مطلع الفجر، فنرى هذه الأسواق مكتظة بالكبار والصغار، الرجال والنساء، فالكل يهب لقضاء محتاجات العيد من الكسوة والزينة والحلويات والهدايا ولحمة العيد، ومن لم يشتر يتفرج.

ونرى الأجساد وهي تتزاحم في الأسواق العامة وأمام المحلات وداخلها وأمام باعة البسطات الذين يفترشون الأرصفة ويسدون منافذ الطرق في العشرة الأواخر دون مضايقة تذكر ودون «شحططة أو جرجرة» إلى أقسام الشرطة كما تفعل البلدية طوال العام.

واللافت أن غالبية الناس تلجأ في السنوات الأخيرة إلى باعة البسطات وأسواق «الحراج» فالأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية جعلت هؤلاء يقاطعون محلات ومعارض الأقمشة والملابس الجاهزة، وإن دخلوها فذلك بغرض الفرجة فقط والمقارنة بين الأسعار، وينتقلون إلى الضفة الأخرى والأرخص فعند الباعة الذين يفترشون الأرصفة بضائع وملبوسات وأقمشة وأحذية وأدوات زينة وتجميل أشكال وألوان.

ويصاب المواطن العادي وهو يجرجر أطفاله بحيرة، فصياح الباعة المرتفع بمكبرات الصوت معظم الأحيان وأيديهم وهي تتقاذفه عارضين عليه بضاعتهم أمر مزعج ذاك يخطف أحد أطفاله ليقيس عليه بنطلوناً أو قميصاً وذاك يجر طفلاً آخر عارضاً عليه جزمة، حينها يكون مشهد الحيرة قائماً على صراخ الأطفال وهو يشق عنان السماء بين زجرات الأب واغراءات الباعة ووقاحتهم معظم الأحيان..

ويبلغ التنافس حدته في رمضان ومع قرب عيد الأضحى المبارك، فما تجده في المعارض والمحلات المزدانة بالديكورات والإضافة الملونة ولزوم «البهرجة» بألف أو ألفين ريال قد تجده على الرصيف المحاذي بنصف هذا المبلغ ولكن كل حسب جيبه، وكل يمد رجله قدر فراشه، وبين البائع والمشتري يفتح الله.

ويشعر الزائر لليمن في رمضان أن البيوت قد قذفت ساكنيها إلى الشوارع، فالناس ـ هنا ـ ومعظم البلدان العربية لديهم رغبة قوية في شراء كل جديد وجميل من الملابس والأحذية والعطور وغيرها من الكماليات المرغوبة في الأعياد والمناسبات العزائية، الكل يتسوق في خواتم رمضان، يتلهف لشراء أكبر قدر من متطلبات عيد الفطر، الكل يستعد منذ وقت مبكر لهذا الاستحقاق العزائمي من القلب ولسانها يقول على الله عندما يأتي العيد.

وليس خافياً على أحد، أن هناك أسراً فقيرة جداً ـ وما أكثرها في اليمن ـ تحاول تدبير أمورها قدر الإمكان واضعة في حسبانها ادخال الفرحة والسرور في أوساط أطفالهم ورسم الابتسامة على وجوههم وأسراً مستورة الحال تحاول جاهدة شراء الأشياء الضرورية فالعيد عندها «عيد العافية» أما أسر «الهاي هاي» الغنية فقد تعودت على البذخ والإسراف في هذه المناسبة ولديها القدرة المالية لشراء السوق بكل محتوياته وشراء الجمل بما حمل.

صنعاء ـ محمد الطويل