مع ساعات الصباح المشرقة توجهنا من دبي عبر طريق دبي ـ حتا نحو منطقة مصفوت إحدى مناطق إمارة عجمان، ولأنها المرة الأولى التي نتعرف فيها إلى المكان كان لا بد أن ننتبه إلى لافتات الطرق التي أخذتنا عبر مناطق عديدة بدءاً بالهباب في دبي ثم البداير والمدام في الشارقة ثم ولاية معضة في سلطنة عمان ثم منطقة مزيرع في عجمان ومنها إلى مصفوت التي تبعد عن مركز إمارة عجمان حوالي 135كم.

وقد كانت محطتنا الأولى مبنى بلدية مصفوت حيث التقينا مديرها عبد الله سعيد سلطان الذي حدثنا عن المنطقة قائلاً: كانت المنطقة زراعية والأهالي يعتمدون على زراعة الذرة والحب وغيرها من المزروعات ويسقونها عن طريق الأنهار المتعددة الموجودة في البلدة ومنها نهر ضفدع ونهر مصفوت ونهر الورعة وهذه الأنهار تجري من وادي مصفوت.

وكانت مصفوت عامرة ببساتين النخيل وفيها أنواع التمور مثل «الشاهوني والخنيزي والجبري والنغال والأنوان وأبو معان والخصاب» أما العسل فكان متوفراً في الجبال، لكن الناس تركوا جنيه بسبب الرفاهية، وتركهم لصعود الجبال وعدم حاجتهم إلى المال.

ويتحدث مدير البلدية عن آثار مصفوت قائلاً: كان في مصفوت حصن من أربعة أبراج وآبار حفرها الأهالي من سنين طويلة ومسجد بناه سلطان بن سعيد، وكانت أول مدرسة في المنطقة هي مدرسة مصفوت التي بنيت قبل الاتحاد من الطين وسقف بالدعون، وكان يدرس فيها رجل أتى من عجمان، والناس في ذلك الوقت يسكنون السيح ويبنون عرشاناً من السعف ويجعلون اتجاهها للشرق لتلاقي رياح الكوس وتصد رياح الغرب،

وحين جاء «مكتب التطوير» بدأ ببناء البيوت الصغيرة للسكان فبنى خمسة وعشرين بيتاً وأعمال الناس بسيطة آنذاك فتجدهم يصنعون «الصخام» ويسافرون إلى الجبال ليبيعوا الغليون والسخام ويشترون من منطقة الباطنة في عمان الطحين والعيش والقاشع،

والسمك كان يأتي على الجمال من رأس الخيمة حيث يحضره التجار ويخرج الأهالي لشرائه، وتربية المواشي عمل مهم لديهم لأنها تمثل مصدر رزقهم، فمنها يصنعون الكامي واليقط واللبن، وكان الرجل يعتمد على نفسه في العمل فهو يزرع ويبني بيته وينتج ما يحتاجه في الحياة اليومية وكان الطعام صحياً لأنه يأتي من الطبيعة مباشرة.

ومن الأمور العجيبة التي عرفت عن البعض في مصفوت قدراتهم العلاجية للأمراض، فيقال إن عائلة الشريف اشتهرت بقدرتها على العلاج السريع من لدغات الثعابين من دون استعمال الأدوية وبمجرد لمس مكان اللدغة، كذلك يقول عبد الله سعيد سلطان إنه يعالج مرض «أبو صفار» بتقديم الماء للمرضى بعد وضع اليدين فيه فيشربه المريض ويصحوا، وانه يعالج الأطفال وهي قدرة خاصة عند العائلة ورثها أباً عن جد!

ويضيف: كان الناس يعالجون بالأعشاب مثل اليعدة والحرمل والشكاع، ويوسمون الأمراض مثل «اللصة» أي السرطان، وكانوا يعملون حلقة على «العوق» لينتهي الورم، وكذلك يوسمون عن الفتوق في الجلد، وغيرها من الأمراض.

ويروي مدير بلدية مصفوت تفاصيل ماضي المنطقة في رمضان فيقول: كان الناس يعرفون رمضان بالحساب، وعند حلول الشهر الكريم يجتمع سكان البيوت المتقاربة على مائدة واحدة في الإفطار، أما في النهار فتجد الرجال يبللون ثيابهم ويرقدون قرب الأنهار في القيلولة، وكانوا يصلّون التراويح في مسجد مصفوت القديم، ويصلّون العيد في أرض واسعة في الصحراء، ويقضون كل ليلة بعد التراويح في بيت من البيوت، ويكون العشاء بما قسم الله لهم من رزق، وكان الناس متكاتفين ويتعاونون في كل شيء.

* ذكريات الماضي

خرجنا من مبنى بلدية مصفوت لزيارة أحد الشواب الذين عاشوا ماضي المنطقة وتمسكوا بحياتها القديمة، وقد وصلنا عند الوالد سالم سيف الكعبي الذي جلس عند عتبة بيته في وقت الظهيرة وهو يرى أن حياة الماضي فيها صحة وقوة، وإن ما نجده من طعام اليوم لا يأتي إلا بالأمراض لذا فإن الرجل لم يأكل الخضراوات والفواكه ولا يتناول في طعامه سوى التمر والخبز واللحم والعسل والسمك والرز، لأن الخضراوات فيها مواد كيماوية تضر بالصحة،

وقد تميز بقوة تركيزه وذاكرته الحاضرة فاستهل حديثه قائلاً: كنا في الماضي نمتلك الصحة والنشاط ولا نعرف الأمراض إلا نادراً ويكون علاجها بالأعشاب الطبيعية، واليوم إذا «سرت الدختر» يعطيك ابرة تؤلمك أو «حبوباً» صغيرة لا تنفع شيئاً، وأنا لا أحب الذهاب إلى «الدختر»، ولا آكل المواد المعلبة أو الخضراوات التي يعجبك شكلها وليس فيها فائدة، وإنما يقتصر طعامي على العيش والسمك المشوي والرطب والقهوة.

ويتحدث سالم الكعبي عن أعمالهم في الماضي فيقول: كنا «نكد ركاب» أي نسافر على ظهور الجمال، ونصنع الصخام من أشجار السمر التي نحرقها وحين تصل إلى الحد المطلوب نطفئ النار، ونزرع الغليون في الضواحي، وكان الوادي «يلعب» بالمياه والخضرة والخصب وتعيش فيه أنواع مختلفة من الحيوانات، وكنا نصيد الوعول والظباء ويحمل الرجل معه سلاحاً في تنقلاته بين المناطق البعيدة وأحياناً للصيد مثل الميزر أو الصمعة أو المستحية أو الفلاسي أو أم عشر،

وغيرها من أنواع البنادق المعروفة آنذاك وكانت أسعارها تتراوح بين عشرين إلى مئتي روبية، وكان العسل متوفراً في الجبال حسب مواسمه فتجد عسل البرم وعسل اليبياب وعسل العشب، ولم يكن الناس يتعدون على حقوق غيرهم فإذا شاهد أحد علامة على العسل في الجبل تركه ولم يأخذ منه شيئاً، وكنا نسكن في مناطق متفرقة كل حسب زراعته وأرضه، ونصوم على الهلال ونفطر على الهلال،

وكان طعامنا في رمضان يتكون من التمر وخبز البر أو الذرة الذي تخبزه النساء على طوباي، وكذلك يعملن الفريد والهريس في أيام العيد، وكان العيد عندنا بهيجاً فهو «رزقة» و«ضرب تفك» والناس تتبادل التهاني وتتزاور، وهلال رمضان كان يجمع الناس على التقوى والمحبة والتواصل وكذلك هلال العيد فلا أحد يحتفظ بالضغينة أو الحقد، ولا تجد شيئاً من المشاكل أو الحسد بينهم،

وكانوا يشكرون الله على النعمة فتجد الأمطار دائمة في المنطقة والعشب في كل مكان ولا ترى مكاناً إلا وبه خير، بينما جفت الأرض اليوم ولم تعد الأمطار تأتي بالحول والحولين.وترى الوالد سيف الكعبي قريباً من الطبيعة لا يحب كل ما هو مصطنع، فهو يفضل الجلوس في الهواء الطلق على برودة المكيفات،

وينسجم مع الجبال لأنها تمثل مسكنه الأول وعلى حد قول الفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار في كتابه جماليات المكان «بيت الطفولة يظل كالقنديل معلقاً في اللاوعي إلى الأبد».وهكذا تجد الرجل مشدوداً إلى مساكن طفولته ومرابع صباه فلا يرضى بحياة اليوم لأنه يفتقد أصحاب الزمن الماضي فلا أنيس يبدد وحشته سوى الجبل وتعرجاته وصخوره الأليفة.

ونسأل سالم الكعبي عن علاقات الناس اليوم فيقول: لم تعد الناس تتواصل كما في الماضي، ولا أحد يسأل عن الآخر ولا يدري الجار عن جاره إلا قليلاً، والكل مشغولون وأنا اليوم كبرت وأحتاج إلى القرب من الناس ولكن قليلاً من الشباب من أقاربي يزورونني فالشباب لا يحبون الشيبة ولا تهمهم حكايات الماضي.

ومع كل اقتراب الرجل من الطبيعة تجده لا يسمح لأحفاده بالخروج تحت شمس الظهيرة وحين نسأله عن السبب مع أنه يجلس خارج البيت يقول: «لقد اختلفت حياتهم وطعامهم فهؤلاء الصغار لم يمتلكوا القوة التي كنا عليها بعمرهم، وأنا أخاف عليهم من الأمراض».

* جمال الطبيعة

تركنا الشيبة يتأمل ماضيه، وخرجنا لنتأمل الطبيعة في مصفوت التي أحاطتها الجبال في معظم جوانبها، وقد حرصت الحكومة على إقامة السدود في المناطق الجبلية لتحد من مياه السيول، فتجد سد وادي غلفا الذي يقع في المنطقة وبني منذ عام 1985 بسعة خمسمئة ألف متر مكعب وارتفاع عشرة أمتار، وكذلك سد وادي حذف الذي بني عام 1991 بسعة ثلاثة ملايين متر مكعب وارتفاع أحد عشر متراً،

وتشكل تلك السدود إنجازاً مهماً لحفظ المياه الجوفية ومصفوت تتميز بمياهها العذبة وكونها منطقة صالحة للسياحة بسبب جمالها الساحر، وجبالها التي أحاطت بها من معظم الجهات، وكونها إحدى المناطق الزراعية التي اشتهرت بنخيلها وأشجارها الخضراء،

وتوجد كذلك صخور نقشت عليها مجموعة من الصور لأشخاص يحملون أدوات الصيد وهي آثار لم يعرف سكان المنطقة تاريخها وجدت منذ زمن قديم، ويعتقد أنها تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتكتسب المنطقة جماليتها من منظرها بكلامه وبساطة وطيبة أهلها فتشعر أنك في مكان أليف قريب من الروح لا يغلق أبوابه بوجه قاصديه.

استطلاع: دلال جويد