عرف التراث العربي كتب تاريخ عديدة. كما عرف العديد من كتب الجغرافيا، إذ منذ عصور مبكرة اهتم الفكر العربي بالأزمان الأخرى وبالعوالم الأخرى، لكن أبا حسن السعودي في «مروج الذهب» قدم أولى المحاولات العلمية الجادة للربط بين شتى الفنون الفكرية، ولا سيما بين التاريخ والجغرافيا، ممهداً لابن خلدون في «المقدمة»، ولكن مستبقاً ما يحاوله الفكر الغربي الحديث في هذا المجال، بمئات من السنين.

منذ أقدم الأزمان والفكر لا يفرق كثيراً بين التاريخ والجغرافيا، ومع ذلك فإن التقاءهما بشكل حاسم ونهائي لم يتم، في الفكر الغربي، إلا في القرن العشرين وعلى يد ما يسمى بـ «مدرسة الحوليات» الفرنسية التي منذ الثلث الأول للقرن الفائت ربطت بين الاثنين ربطاً محكماً، بحيث صار كل منهما يؤدي إلى الآخر ويفسره وأحياناً يبرره، طالما أن الحدث التاريخي محكوم ببعده الجغرافي، والواقع الجغرافي لا يمكنه أن يكتمل من دون بعده التاريخي.

هنا أيضاً، في هذا المجال، تأتي كتب تراثية عربية كثيرة، صار عمرها أكثر من ألف عام لتقول لنا إن الفكر العربي قد عرف هذا الارتباط منذ ذلك الحين، بحيث إن الترابط بين التواريخ والجغرافيات شكل غالباً الجوهر الأساس لكتب كان يحلو للأكاديميين، تعسفاً، أن يعتنقوها إما هنا وإما هناك. بل يمكننا أن نقول إن بعض هذا التأليف تجاوز حتى ثنائية الجغرافيا / التاريخ، ليطل على مكنونات وصنوف فكرية أخرى،

مثل الإبداع والحياة الاجتماعية والاقتصاد وغيره من تلك السمات التي كلها تجتمع عادة لتصنع الحضارة، الحضارة مرسومة داخل الزمان والمكان، أي داخل آفاق الجغرافيا وآفاق التاريخ. وفي هذا الإطار، الذي كان لابن خلدون قد قدم أفضل عرض وشرح له في «المقدمة» حين ربط بين الاجتماع البشري وتاريخ تطور المجتمعات والبعد المكاني لذلك كله، في هذا الإطار قد يكون من المفيد أن نذكر كنموذج على ما نقول،

واحدا من الكتب التراثية العربية الأساسية: كتاب «مروج الذهب» لأبي حسن علي المسعودي، الحجازي الأصل، البغدادي المولد. وحسبنا على سبيل البداية أن ننقل هذه الفقرة من الكتاب. وهي ترد في واحد من فصوله المتأخرة. ويقول السعودي في فقرته هذه: «والتعاليم أربعة، أعني الأرتماطيقي، أي علم الأعداد، والجومطريقي، وهو علم المسافة والهندسة والاسترونوميا، وهو علم النجوم والموسيقى، وهو علم تأليف الألحان.

وكان من شريف ما تركته المعرفة بعلم الموسيقى، لأنه غذاء للنفس ومطرب لها وملهيها، تبتهج عند سماعه،وتحن إلى تأليف أوضاعه،وقد نطقت الحكماء بشرفه، ونبهت على نفاسة محله، فقال الاسكندر: من فهم الألحان استغنى عن سائر اللذات. وقد قال الفلاسفة: إن النغم والأغاني فضيلة شريفة كانت تعذرت على المنطق ليست في قدرته، فلم يقدر على إخراجها، فأخرجتها النفس ألحاناً، فلما أظهرتها سرت بها وعشقتها وطربت إليها،

ورتبت الحكماء الأوتار الأربعة بإزاء الطبائع الأربع، فجعلوا الزير بإزاء المرة الصفراء، والمثنى بإزاء الدم، والمثلث بإزاء البلغم». حسناً، قد يتساءل متسائل هنا: وما دخل هذا بالجغرافيا والتاريخ؟ هل هو استعراض من المسعودي لقدرته في الحديث عن الموسيقى حديث العارف الخبير، حتى وان جاء الحديث في كتابه عن الموسيقى؟ على الإطلاق، إن ذكر الموسيقى هنا لا ينفصل عن غاية الكتاب.

فإذا كان عدد كبير من مبدعي التراث العربي قد اعتاد في أي نص يكتب الحرص على أن يكون النص موسوعياً أي أن يلم بشتى جوانب المعرفة لكي تكتمل الفائدة منه، فإن السعودي لم يشذ عن هذا جاعلاً هذه السمة أساسية في كتابه، مستبقاً عصر النهضة الأوروبية في وصوله إلى التفكير في وحدة الفنون والأفكار. من هنا لن يكون غريباً أن تقرأ بقلم المسعودي شرحاً وافياً لربطه بين الزمان والمكان، حيث يقول إنه تعمد في الكتاب «ربط التاريخ وأخبار العالم وما مضى من أكفاف الزمان من أخبار الأنبياء ومسيرها والأمم ومساكنها».

ومن هنا يصبح من المنطقي أن يقسم المسعودي أقسام كتابه ـ المؤلف من جزأين أساسيين ـ إلى فصول وأبواب عالج فيها على التوالي: المبدأ وشأن الخليقة، ثم ذكر الأنبياء من آدم إلى إبراهيم وصولاً إلى أصل الفترة فمن كان «بيت المسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم» قبل أن ينتقل إلى ذكر أخبار الهند ثم الأرض والبحار والأنهار والجبال والأقاليم السبعة والكوكب.

وينطلق من هنا إلى جملة فصول يختلط فيها التاريخ (تاريخ الصين والهند والترك والفرس والسريانيين واليونانيين وغيرهم) بأخبار الموت وأحوال الأمم في الزمن المعاصر، وهذا بالطبع ما يوصل مؤلفنا إلى «العرب وجوامع أخبارهم» في اليمن والجزيرة وصولاً إلى ظهور الإسلام ومسيرة النبي فالأمويين (وهو هنا يتوقف طويلاً عند معاوية وأخباره) ومن ثم يعود ويفرد فصولاً متتالية يتناول فيها تباعاً أخبار العباسيين وصولاً إلى ذكر خلافة المطيع.

والطريف ان المسعودي ينبهنا في مقدمة «مروج الذهب» وبعد أن يستعرض بإيجاز محتويات كتابه هذه إلى أنها «جوامع ما حوى هذا الكتاب من أبواب، على انه قد يأتي من كل باب مما ذكرناه من أنواع العلوم والفنون والأخبار والآثار ما لم تأت عليه تراجم الأبواب وهو مرتب على حسب ما قدمناه من أبوابه على تفصيل منا لتاريخ الحلفاء ومقدار أعمارهم بأبواب نفردها عن سيرهم وأخبارهم.

ثم يعقب بعد ذلك بالتحدث عن أخبارهم والعيون من سيرهم والجوامع مما كان في أعمارهم وأخبار وزرائهم، وما جرى من أنواع العلوم في مجالسهم، ملوحين بذلك إلى ما سلف من تصنيفنا، وتقدم من تأليفنا في هذه المعاني والعلوم». في بعد من الأبعاد يمكننا اعتبار «مروج الذهب» منتمياً شكلاً ومضموناً إلى ثقافة واسعة عرفت دائماً كيف تنتج مثله في أطار ثقافي موسوعي شامل، بيد أن مقارنة بين هذا الكتاب والعديد من الكتب المماثلة المعاصرة له،

سوف تفيدنا انه متفرد حتى داخل تلك الثقافة التي ينتمي إليها صراحة. وهو في مجال تفرده هذا كان رائداً مؤسساً دون أدنى شك، ولم يكن هدفه هنا أن يميزه ابن خلدون عن زملائه الذين انكب على تحليل أعمالهم ـ التاريخية ـ ونقدها في تمهيده للمقدمة. بالنسبة إلى ابن خلدون كان المسعودي في مقدم المؤرخين العرب والمسلمين.

وعلى خطى ابن خلدون رأى كثر من الباحثين أن المسعودي قد عرف كيف ينهج درباً جديدة ميزته عن غيره من المؤرخين وأنشأ مدرسة جديدة في التاريخ خاض غمارها من بعده كثر من المؤرخين والجغرافيين وفتح آفاق جديدة في الدراسات الدراسية والاجتماعية والدينية واهتم بمعالم الحضارات المختلفة وغالبا على قدم المساواة فيما بينها من دون أية نزعة ذاتية ـ المركز أو عنصرية لطالما طغت على غيره من المؤرخين ـ الجغرافيين.

وربما يفيد في نهاية هذا الكلام أن ننقل عن المسعودي حديثه عن سبب اختياره «مروج الذهب» عنواناً لكتابه هذا، إذ يقول: «وقد أسميت كتابي هذا بكتاب «مروج الذهب ومعادن الجوهر لنفاسة ما حواه، وعظيم خطر ما احتوى عليه من بوارع ما تضمنته كتبنا السالفة في معناه وغرر مؤلفاتنا السابقة في مغزاه. وجعلته تحفة للاشراف والملوك وأهل الدرايات، لما قد ضمنته من جمل ما تدعو الحاجة إليه،

وتنازع النفوس إلى علمه من دراية ما سلف وغيّر في الزمان» ولننتبه أخيراً إلى أن المسعودي وأيضاً في تقديمه لهذا الكتاب يتحدث عن المصادر العديدة التي اعتمد عليها ويعقد مقارنة نقدية فيما بينها تكاد تشبه وتستبق تلك المقارنة العالمة والنقدية التي عقدها ابن خلدون بين المؤرخين السابقين على ما يجعل للمسعودي مكانة كبيرة في تاريخ الثقافة العربية. ويجعل «مروج الذهب» أشبه بمقدمة لمقدمة ابن خلدون.