عندما سطع نور الإسلام، وأقام للعلم دولة، وللصناعات نهضة، ولأسباب الحياة أمناً وتقدماً وسعادة، أقام أيضاً للفنون مكانة اعتمدت على الأصالة والتجويد والتنوع وحسن الفطنة والذوق السليم والمهارة الفنية.والدليل على ذلك أن ما تركه المسلمون الذين امتدت دولتهم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، قد أثرت جعبة علماء الفنون والآثار، من أعانهم على الوصول إلى معرفة حضارة الإسلام الفنية وتقديرها حق قدرها.

حول هذا الموضوع تقدم لنا الدكتورة سعاد ماهر أستاذة الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة، كتابها الجديد: «الفنون الإسلامية».في البداية تؤكد المؤلفة أن الدين الإسلامي كان له موقف واضح حيال الفن وبخاصة الفنون التطبيقية، يختلف عن موقف الدينين السابقين، فهو لم يستعملها في طقوسه الدينية، كما هو الحال بالنسبة للمسيحية، كما أنه لم ينكرها كما فعل الدين اليهودي.

فقد اعتمد الفن الإسلامي على أسس من الفنون التي كانت سائدة في البلاد التي فتحها العرب والتي أصبحت جزءاً من الدولة الإسلامية، وهي الفن الساساني والبيزنطي، والروماني والفن الهندي وفنون الصين وآسيا الصغرى، وإن اختلف علماء الآثار في تحديد نصيب كل فن من الفنون القديمة في بناء الفن الإسلامي الجديد.

على أن الفن الإسلامي لم يأخذ كل ما صادفه من فنون الحضارات من موضوعات وعناصر، بل وقف منها موقف الفاحص الناقد، لذلك فإننا نجد الفنان المسلم قد أمضى فترة طويلة في عملية استجماع واختيار ومزج.فقد جمع العناصر الزخرفية من فنون البلاد التي خضعت للامبراطورية الإسلامية المترامية، التي امتدت من الهند شرقاً إلى شمال أفريقيا وبلاد الأندلس غرباً،

ثم اختار ما لا يتعارض من أحكام الدين الجديد، وأبعد منها ما نص على كراهيته، ثم مزج ما يلائم منها ذوقه العربي.واستغرقت هذه العملية من جمع واستبعاد ومزج ثلاثة قرون تقريبا أصبح للفن الإسلامي بعدها مميزاته الخاصة التي تكاد لا تخطئها العين.

* نفور من الفراغ

وتتحدث المؤلفة عن قوام الأسلوب الفني الذي ابتكره واختص به الفنان المسلم، مشيرة في هذا الشأن إلى الأشكال الهندسية، وعلى الرغم من أنه لم يكن مبتدعا لها، إلا أنه لا سبيل إلى إنكار مقدرته في طريقة رسم هذه الأشكال الهندسية وتوزيعها والتأليف بينها وتنسيقها تنسيقا يجعلها تبدو وكأنها اخترعت لأول مرة.

وقد وصل الفنان المسلم إلى ذلك عن طريق تقسيم وتحليل تلك الأشكال، فتارة نراها متشابكة، وأخرى متداخلة، وأحيانا متلاحقة، وأخرى متباعدة، ومن ثم فإننا نستطيع أن نقول في ثقة واطمئنان، إن هذا الأسلوب الزخرفي، قد بعثه الفنان المسلم بعثاً جديداً فبدا في ثوب من الجمال لم يكن له مثيل من قبل.

كما لم يبتكر الفنان وحدات نباتية أو حيوانية جديدة، بل رسم الأزهار والأشجار والأوراق وأيضا الطيور والحيوانات بعد أن حورها تحويرا كادت تفقد معه شخصيتها.كذلك نفر من الفراغ، وكره أن يرى سطحا عاطلا من الزخرف، فكرر الوحدات الزخرفية تكراراً يمكن أن يستمر دون أن يقف عند حد، ودون أن تمله العين.

ولما كان هذا الأسلوب الفني الذي ظهر واضحا في القرن الثالث الهجري، وفي مدينة «سامراء» التي نشأت في ذلك القرن، وليس له مثيل من قبل، فقد أطلق عليه علماء تاريخ الفنون اسم «أرابيسك» نسبة إلى أن العرب أول من ابتكروه.

تؤكد المؤلفة على أسبقية العرب في استخدام الخط كعنصر زخرفي مهم، مبينة أن الخط العربي حظي من عناية المسلمين جميعا بنصيب وافر، وكان للخطاطين عندهم، مركز ممتاز، ولا نبالغ إذ قلنا إنه قد تسامى إلى مركز الملوك والأمراء.

فقد نزل هؤلاء إلى ميدان الخطاطين ينافسونهم في صنعتهم لا سعيا وراء الكسب المادي، ولكن رغبة في الحصول على الفخر الأدبي، على أن الذي أعطى الخط العربي هذه المكانة الممتازة هو اتصاله الوثيق بالقرآن الكريم، فالخط العربي هو وحدة أداة كتابة هذا الوحي.

ومن هنا كان إقبال من اعتنق الإسلام على الخط العربي، ومن هنا وجدت الصلة التي هى أوثق الصلات التي ربطت العالم الإسلامي بعضه ببعض.ولقد دفعت العقيدة بالمسلمين إلى تزيين ما أخرجته أيديهم من المصنوعات أو شيدوه من العمائر، بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مما كان له أبعد الأثر وأقواه في نشأة فن الخط، وتطويره حتى وصل إلى درجة من الجمال الفني، يعز أن نجدها في فرع من فروع الفن الإسلامي.

* حظ وافر!

ترجع المؤلفة أسباب ابتعاد الفن الإسلامي عن نحت التماثيل المجسمة وكذلك اللوحات الفنية المستقلة إلى كراهية التصوير عند المسلمين استنادا إلى أحاديث تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والقصد منها البعد عن الوثنية وعبادة الأصنام، ذلك فضلا عن كراهية الترف في ذلك العصر الذي ساد فيه الزهد والتقشف والجهاد في سبيل الله.وقد كان لهذه الكراهية أثرها في الفن الإسلامي الذي ابتعد عن التصوير والنحت، وأدى في نفس الوقت إلى اتقان الزخارف العربية التي أطلق عليها الأوروبيون اسم «أرابيسك».

على أننا لا ندعي أنه كان للعرب قبل الإسلام حظ وافر في مزاولة الفنون التطبيقية، اللهم إلا في أطراف شبة الجزيرة، في بلاد اليمن، والأجزاء المتاخمة للدولة الساسانية والبيزنطية.ومن ثم فإننا نستطيع القول إن الفن الإسلامي أخذ قوامه الروحي من شبه الجزيرة العربية، أما قوامه المادي فقد تم صوغه في أماكن أخرى له فيها قوة وحياة.

القاهرة ـ مصطفى علي محمود