من مقتضى سنة الله تعالى في خلقه ألا يعذبهم حتى يبعث فيهم رسولاً أو نبياً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم ويزكيهم ويوضح لهم ما يهم حياتهم في الدنيا والآخرة. يقول تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً). ومن مقتضى دعوة الرسل والأنبياء مراعاة لسان المخاطبة وبيان الدعوة. فكانت السنة في كل رسول ونبي المخاطبة بين المبعوث وقومه بلسان القوم أنفسهم ليحدث الفهم والتفهيم.
ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن لتتخطى من حوله من أنباء قومه فتخاطب من عمتهم هذه الرسالة من التقليد بهجران اللسان العربي الذي هو لسان قومه. بل الحكمة كامنة في بث الدعوة ابتداءً من الحلقة المحيطة بالنبي عليه السلام من سكان الجزيرة العربية التي دأبت وترسخت فيها عبودية الأوثان وعادات مكللة بتاج الجاهلية فضلاً عما ترسخ في نفوسهم وعقولهم من شوائب الشرك والكفر والضلال.
ولذا فإن الحكمة في العطاء مواكبة حتماً للدعوة نظراً إلى أهدافها السامية ومقاصدها النبيلة وعطاء الأنبياء والرسل هبة وعطية من الحكيم الخبير سبحانه وتعالى أو ليس هو القائل: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).
هذا ولسان المخاطبة لدى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن بدعاً عن سنة الرسل والأنبياء الذين سبقوه في المخاطبة وإن كانت دعوته صلى الله عليه وسلم تتميز بنهج الشمول والكمال لبقية الناس والأمم خارج نطاق الجزيرة العربية فإن من سبقه من بعض الرسل كانت دعوته تتميز بهذه الشمولية باستثناء الجان فكل من كان رسولاً فدعوته عامة إلى قومه وقد قرر المولى جل ذكره لسان المخاطبة للرسل بقوله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم).
فهذا تقرير رباني في ماهية اللسان المخاطب المبلغ فإنه بلسان القوم والأبناء الذين يعيش الرسول معهم وفيهم
وفي تقرير اللسان العربي يقول تعالى: (آلر، تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون). ويقول كذلك: (وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين.
على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين). ولعلة يعلمها الله تعالى كان القرآن بلغة العرب بل بلغة قريش التي بها نزل. وكأني بهذه العلة - السبب تتوضح مع الأيام والسنين انطلاقا من منطوق القرآن ومفهومه فلنتأمل قوله تعالى: (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون) ولنتدبر معها آية أخرى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون).
وما بين العلم والعقل من روابط القربي وعوامل الألفة ومن أسرار جديرة باللغة التي تحمل هذا النص الرباني أن تكون على مستوى تلك الأسرار نفسها. ومن غير العربية أولى بحمل هذه الأمانة أمانة العلم وأمانة العقل في زواج بينهما لا يعرف الطلاق إليه سبيلاً.
ولكن رب معترض يقول: ماذا يتغير فيما لو نزل القرآن بغير لغة العرب؟ فالكلام نفسه قد يقال. ونرد على المعترض قوله من وجهين: الأول من القرآن الكريم نفسه حيث يقول تعالى: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي) وكأني بالقرآن - وهو كلام الله ومن أصدق من الله قيلاً -
ينفي عن غير العربية أياً كانت تلك اللغة قدرتها على تحمل الأمانة التي أشرنا إليها سابقاً بدليل أن اللسان الأعجمي وبتقرير القرآن نفسه لا يستطيع التفصيل بينما أسند ذلك التفصيل للغة العرب. وما ظاهرة الإعجاز بكل صورها اللغوية والبيانية إلا دليل على صحة ما تذهب إليه.