يعتبر محمد القصبجي من الملحنين ذوى الإنتاج الغزير وتجاوزت ألحانه الألف لحن، نال معظمها الشهرة والانتشار، وغنى له أساطين الغناء مثل منيرة المهدية، أم كلثوم، أسمهان، وصالح عبد الحي صاحب محمد القصبجى في رحلته الفنية الشاعر أحمد رامى، وكون الاثنان معا ثنائيا فنيا نادر الوجود، وقد امتزجت ألحان القصبجى الحالمة بكلمات رامى الرقيقة فأطلقا أعذب الأغاني التي رقت لها الأسماع والمشاعر، وأكمل صوت أم كلثوم الثالوث الفني الذي ترك رصيدا من الإبداعات أصبحت من كنوز الشرق.
قدم الموسيقار محمد لاً سابقة لعصرها في الأسلوب والتكنيك، وأضاف للموسيقى الشرقية ألوانا من الإيقاعات الجديدة والألحان سريعة الحركة والجمل اللحنية المنضبطة البعيدة عن الارتجال، والتي تتطلب عازفين مهرة على دراية بأسرار العلوم الموسيقية، كما أضاف بعض الآلات الغربية إلى التخت الشرقي كل هذا أدى إلى ارتفاع مستوى الموسيقى والموسيقيين أيضاً،
وبالإضافة إلى الأجواء الرومانسية الحالمة الي أجاد التحليق فيها اكتسبت ألحان القصبجى شهرة واسعة وجمهورا عريضا ويمكن القول بأنها حملت أم كلثوم إلى القمة. كانت أصوات أم كلثوم وفتحية أحمد وأسمهان بالنسبة إليه وسائط جيدة قدم من خلالها ما أراد للجمهور، وقد ساهم هو في صنع تلك الأسماء بلا شك
أما موسيقاه التي لم تقترن بأصوات كمقدمات الأغاني وما تخللها من مقاطع أو كمقطوعات موسيقية فقد جسدت مثالا لما يطمح إليه من تطوير وقد برع في تقديم أفكار موسيقية جديدة فتحت الباب للتنويع والابتكار ومن مقطوعاته الموسيقية مقطوعة بعنوان ذكرياتي غير فيها القالب التركي القديم من ميزان السماعي إلى إيقاعات متنوعة وإن احتفظ فيها بالتسليم الذي تعود إليه الموسيقى في النهاية،
وتباينت مقاطعها بين الوحدة الكبيرة والعزف المنفرد على العود غير المصحوب بإيقاع، وفى النهاية مقطع شبيه باللونجا، وتطلبت تكنيكا جديدا في العزف وهى مقطوعة قلما يعرفها عازف عود أو كمان وللقصبجي أسلوب فريد اتسم بالشاعرية وقد اختار لألحانه أفضل الكلمات وأرقها،
وقد اجتذب على الأخص جمهور المثقفين والطيعة المتوسطة التي كانت آخذة في النمو في ذلك الوقت وعلى طريق تطوير الأداء الموسيقى استخدم القصبجي آلات غربية مستحدثة على التخت الشرقي فأضاف صوت آلة التشلو الرخيم والكونترباص المستعملتين في الأوركسترا الغربي من العائلة الوترية ذات الحجم الكبير،
وهذه الآلات لا تصاحب المغنى في أدائه على عكس بقية أعضاء التخت، وإنما تصدر نغمات مصاحبة في منطقة الأصوات المنخفضة مما يعطى خلفية غنية للحن الأساسي، مما أعطى عمقا لأداء الفريق لم يعهد من قبل في الموسيقى الشرقية الي طالما اعتمدت على التخت الشرقي البسيط المكون عادة من العود والكمان والقانون والناي
بالإضافة إلى آلة إيقاع وهذه الإضافة تدلنا على أن محمد القصبجى كانت له طموحات موسيقية جاوزت حد التلحين والغناء وأنه أراد تطوير الأداء وتقديم الجديد في الموسيقى كان محمد القصبجى صاحب مدرسة خاصة في التلحين والعناء ولم يقلد أحدا في ألحانه،
وقد صنع في ألحانه نسيجا متجانسا بين أصالة الشرق والأساليب الغربية المتطورة فكان بذلك مجددا ارتقى بالموسيقى الشرقية نحو عالم جديد، واهتم كثيرا بالعنصر الموسيقى إلى جانب العنصر الغنائي في أعماله وكما هو الحال مع الرواد فإن ألحان القصبجى ما زالت تردد لليوم، وكثير من أغانى القصبجى شائعة ومحبوبة لخفة ألحانها ورشاقتها وسهولة أدائها، وقد لا تتعرف الأجيال الجديدة على أسماء الملحنين القدامى رغم تعرفها على أغانيهم،
لكننا هنا نلقى الضوء على أسمائهم وأعمالهم حتى تكتمل المعرفة ويرد الجميل إلى صاحبه، ومن أشهر ألحان القصبجى يا بهجة العيد السعيد، مدام تحب بتنكر ليه، ورق الحبيب لأم كلثوم، و«ليت للبراق عينا» و«إمتى ح تعرف» لأسمهان أثبت محمد القصيجى قدرته على تغيير الفكر الموسيقى وأسلوب الأداء بما يجعل إضافاته أساسا بعد ذلك يأخذ به من بعده، وسجل بذلك اسمه في سجل الخمسة الكبار
بالإضافة إلى إنتاجه الفني الرائع فقد كان علمه الموسيقى غزيرا، وهو أستاذ لجيل آخر من موسيقيين وفنانين كبار أكملوا المسيرة الفنية في القرن العشرين وقد تعلم منه محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وأم كلثوم وأسمهان وفريد، خاصة تعلم العود، وقد قدم القصبجى خدمة جليلة للفن الموسيقى العربي كأستاذ للموسيقى الشرقية وآلة العود بمعهد الموسيقى العربية،
فهناك تعلم على يديه فنانون كثيرون وأشد المتأثرين بفن القصبجى من الملحنين اثنان هما رياض السنباطى وفريد الأطرش وقد بدأ السنباطى حياته الفنية بحفظ وغناء ألحان القصبجى، وعندما بدأ التلحين كان واضحا في ألحانه انتمائه إلى تلك المدرسة الي نشأ فيها، إلى درجة التشابه الشديد أحيانا في الألحان، ومن المعروف أن السنباطي من تلاميذ القصبجى في العزف على العود أما فريد الأطرش فلم يستطع الفكاك من مدرسة أستاذه،
والواقع أن أشهر معزوفاته وتقاسيمه على العود والتى اشتهرت في سائر أنحاء الوطن العربى هى نسخ من تقاسيم محمد القصبجى الذي لم يكن يؤديها في حفلات على الجمهور كما كان يفعل فريد، بل إن ألحان فريد الأطرش والمعروفة بجمل لحنية معينة تكررت في أغانيه مقتبسة من ألحان القصبجى ربما كما هي من أشهر ما لحن محمد القصبجي لأم كلثوم أغاني:
إن كنت أسامح من مقام ماهور عام 1928
وسكت والدمع أتكلم من مقام حجاز كار كورد عام 1930
والشك يحيى الغرام من مقام أثر كورد عام1930
وما دام تحب بتنكر ليه مقام نهاوند 1940
ويا صباح الخير مقام راست 1944
ورق الحبيب مقام نهاوند 1944
ومن القصائد أيها الفلك مقام نهاوند 1938
والزهر في الروض مقام هزام 1940
ومن أغاني المناسبات إن يغيب عن مصر سعد مقام نهاوند 1930
ويا بهجة العيد مقام حجاز كار عام 1936 في عام 1944 لحن محمد القصبجى رائعته رق الحبيب لأم كلثوم ونجحت نجاحا كبيرا ومازالت تلك الأغنية تتردد لليوم كأحد أفضل ما قدمته أم كلثوم، ولا يزال المقطع الشهير من كتر شوقي سبقت عمري يوحى للسامع حتى بعد مرور عشرات السنين بما قصد الشاعر تصويره وقد نجح القصبجى في التعبير عن الصورة الشعرية بأفضل أسلوب، وللأغنية مقدمة موسيقية متميزة هى من كلاسيكيات الموسيقى العربية.
ويقال إن أم كلثوم قد طلبت من القصبجى الاقتصار على التلحين لها فقط والمقصود بذلك عدم قيامه بالتلحين لأسمهان في ظل المنافسة المشتعلة بين المطربتين لكن القصبجى رفض طلب أم كلثوم، ولم يكن يدرك بالطبع أن أسمهان سترحل عن الدنيا بعد قليل لكنه القدر، توفيت أسمهان لكن أم كلثوم رفضت حينئذ الغناء من جديد للقصبجى ردا على موقفه،
وتوترت علاقتهما مما أدى إلى توقفه عن التلحين لها بعد ذلك، وخسر الجمهور المزيد من كنوز القصبجي وروائعه ومع هذا فقد ظل ضيف شرف في فرقة أم كلثوم الموسيقية كإسم كبير وعازف عود من الطراز الأول، وكان يكفى وجوده في الفرقة وظهوره باستمرار في الصف الأول لإضافة قيمة كبيرة للفرقة ولما تقدمه،
بل وشرف كبير للملحنين الجدد الذين قاموا بالتلحين لأم كلثوم بعد ذلك فقد قام بأداء ألحانهم مع فرقة أم كلثوم وهذا في حد ذاته مكسب كبير لأي ملحن بما يوحى به من اعتراف ضمني بجودة اللحن وتمكن الملحن، وقد استمر كذلك طيلة 22 عاما حتى توفى الموسيقار الكبير عام 1966
بدأ محمد القصبجى التلحين لأسمهان عام 1933 فلحن لها عدة أغنيات منها كلمة يا نور العيون، اسمع البلبل، كنت الأمانى، وأشهرها امتى ح تعرف، كان لأسمهان صوت صاف رقيق وذو إمكانيات عالية ورأى القصبجى في صوت أسمهان وأدائها فرصة لتطوير الأغنية العربية بتطبيق قواعد الأداء الغربي المتطور مع الاحتفاظ بأسس الموسيقى العربية ومذاقها،
وقد ولاقت تجربته نجاحا كبيرا تألق معه نجم أسمهان ويبدو أن رفض القصبجى لطلب أم كلثوم بوقف التلحين لأسمهان كان السبب في رفضها ان يلحن لها بعد رحيل أسمهان عام 1944 غير الأغاني لحن القصبجى أربعة أوبريتات هي المظلومة، حرم المفتش، كيد النساء وحياة النفوس
وقدمت ألحانه السينما المصرية في العديد من الأفلام منها أفلام أم كلثوم، أسمهان، ليلى مراد، إبراهيم حمودة، عبد الغني السيد، نور الهدى، صباح، وهدى سلطان، وسعد هؤلاء بألحانه الي ساهمت في صنع أسمائهم، وقد ضمت هذه الأفلام المئات من ألحان القصبجى المتميزة والمنتمية إلى مدرسته الحديثة الراقية ذات المستوى الرفيع.
رغم كل ما قدمه الموسيقار الراحل من جهد وفن فإنه كان باستطاعته تقديم أكثر مما قدم بكثير، وهناك عدة أسباب جعلت أعماله تكمن في نطاق محدود منها توقفه عن التلحين لقرابة عشرين عاما، وربما عاد هذا إلى أم كلثوم أكثر منه إلى القصبجى كما تقدم ووفاة أسمهان المفاجئة وهى في سن الشباب، وكان ينوى استثمار إمكانيات صوتها لأقصى حد.
عدم توغله كثيرا في المنطقة الشعبية من الفن، وقد يرجع هذا إلى تركيبة القصبجى النفسية والمزاجية الحالمة، وإلى كونه موسيقيا أكاديميا بالدرجة الأولى والإقلال من القصائد وشعر الفصحى، ولا شك أن هذا البعد قد أضفى الكثير من القيمة إلى فن من لحقوه كمحمد عبد الوهاب ورياض السنباطى ولو أنه كان قد أكثر منها لأضاف إلى أعماله الكثير خاصة في ظل قدراته وإمكانياته الفنية العظيمة ورقى فنه بشكل عام وبعده عن المسرح الغنائى.
عادل السنهوري